ارحموا الناس من التنمر يرحمكم من في السماء!

ارحموا الناس من التنمر يرحمكم من في السماء!

عادة ما يتعرض المصابون بالبهاق للتنمر (Getty)

آثار منشور المغني المصري رامي جمال، الذي أعلن فيه إصابته بالبهاق واضطراره للابتعاد عن العمل الفني بسبب مرضه؛ عاصفة من الجدل والانتقادات نالت المتنمرين على المصابين بالأمراض الجلدية، وصار الكل يرمي الآخر بالاتهامات، فمن المتنمر إذًا؟!

مريض البهاق مثل غيره الكثيريين ممن هم عرضة للتنمر، من الذين تعتبرهم شريحة واسعة من أبناء المجتمع "يعانون"!

وبحسب ما يقوله الأطباء، فإن البهاق مرض يعكس مشكلة في صبغة الجلد، بمعنى أن الخلايا الصبغية المسؤولة عن إمداد الجلد بصبغة الميلانين، قد دمرت.

اقرأ/ي أيضًا: دليلك الشامل لمساعدة طفلك على مواجهة التنمر

لا يوجد سبب معين للبهاق، ربما يكون ناتجًا عن عامل وراثي أو مناعي أو عصبي، لكنه في كل الحالات غير مُعدٍ!

وينتشر البهاق بنسب ليست بالقليلة في المجتمع المصري. ومع ذلك فإن مريض البهاق مثل غيره الكثيرين ممن هم عرضة للتنمر، من الذين تعتبرهم شريحة واسعة من أبناء المجتمع "يعانون"، فقط لأنهم خارجون عن مواصفاته الموضوعة مسبقًا، فذوي البشرة السمراء سيتعرضون للتنمر لأنهم ليسوا بيضًا، رغم أن أغلب المصريين أصلًا ليسوا بيضًا! وهكذا أصحاب الأجساد الممتلئة، وكذا المصابين بالبهاق.

أحببت فتاة مصابة بالبهاق، لذا أعلم جيدًا ما يتعرض له مريض البهاق من تنمر يومي، يؤذي لدرجة تدمير النفسية. لم أتجرأ يومًا على التحدث معها في موضوع مرضها، ولم أقترح عليها حتى الذهاب للطبيب، بل حتى لم أفضي إليها، من باب البهاق، بكلمات الدعم والمحب؛ تركت الموضوع وشأنه.

ربما كنت مخطئًا، ربما كان عليّ إظهار دعم أكبر. لكن ما حدث فعلًا هو أنني لم أرَ ما يعيبها أو يجعلها مختلفة "سلبًا" عن غيرها. اعتبرت الأمر جزءًا منها، بلا أي تأثير.

لكن، لم يمنع هذا أن ألمح كيف كان البهاق يؤذيها نفسيًا. ليس هو في حد ذاته، وإنما ما يعنيه بالنسبة للمجتمع ومن ينظرون إليها بعين النقص. 

رأيتها كثيرًا تطيل أكمام قميصها لتغطي بها الأجزاء البيضاء في يدها القمحية. وددت لو أخبرها بأنه لا داعي لذلك، وأنني سأكون ممتنًا لو رأيتها بأي حال، ولآخر العمر. لكنني دائمًا كنت أتراجع في اللحظة الأخيرة.

ليست هذه الحكاية المقتضبة سوى غيض من فيض ما ينعكس على المتعرضين للتنمر في مصر. الجميع يمارس كراهيته ضد الجميع، وكأننا أصبحنا في غابة. 

جعلوا من نفوسنا هشة، وجعلوا المرضى أقل قدرة على مواجهة مرضهم، بل حتى جعلوا العاديين يكرهون طبيعتهم. هذا بالرغم من الدور الهام للعامل النفسي في علاج أمراض تنال الحظ الأوفر من التنمر.

يؤدي غياب الوعي بهذا، إلى كارثة. والمشكلة ليست مصرية فقط، المشكلة في أن الجميع يمارس كراهيته ضد الجميع، بعيدًا عن قيم الرحمة والود؛ تنفخ الكراهية نيرانها في وجوهنا جميعًا.

إن تقبل الآخر ليس رفاهية، بل هو فرض. لذا تقبل الآخر، ليتقبلك هو بدوره؛ وهنا يكمن تماسك المجتمع الحقيقي

ليس هناك "كتالوج" معين للمواصفات التي يفترض أن يكون عليها الإنسان. خلقنا الله شعوبًا وقبائل، وجعل الاختلاف بيننا من سننه في الخلق. إن تقبل الآخر ليس رفاهية بل فرض. لذا تقبل الآخر ليتقبلك بدوره؛ وهنا يكمن تماسك المجتمع الحقيقي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

لا تجعلوا فيسبوك يحرمني من الغزل

فيلم "Joker".. كيف يأخذنا التنمر إلى أن نصبح وحوشًا