الأحياء الشعبية التونسية: على هامش الدولة (1/2)

الأحياء الشعبية التونسية: على هامش الدولة (1/2)

احتجاجات في حي التضامن قرب العاصمة التونسية في مايو 2013(أ.ف.ب)

قامت منظمة اليقظة العالميّة (International Alert) ببحث ميدانيّ يتناول أوضاع الشباب في منطقتي دوار هيشر والتضامن الشعبيّتين في العاصمة تونس. وأصدرت تقريرًا يحوي المعطيات الكميّة للبحث. كما ألحقته بدراسة تحليليّة للباحثة ألفة لملوم استخدمت فيها أيضًا معطيات نوعيّة، وهي في الأصل فصل من كتاب أصدرته المنظمة (باللغة الفرنسيّة) بعنوان "شباب دوار هيشر والتضامن: دراسة استقصائيّة" تضمّن تحليلات لمجمل الدراسة من زوايا مختلفة، وشارك فيه مختصون في الديمغرافيا والعلوم الاجتماعيّة. ونحاول في هذا المقال التطرّق إلى أهمّ الأرقام والملاحظات الواردة في كلّ من التقرير والدراسة.

تعتبر دوار هيشر والتضامن من أكثر المناطق التونسيّة اكتظاظًا حيث تجاوز عدد سكان الحيّين عتبة الثمانين ألف ساكن بقليل في عام 2010

اقرأ/ي أيضًا: ما لن تراه إلا في المساكن الشعبية

دوار هيشر والتضامن: الإطار العام

يقع كلّ من دوار هيشر والتضامن المتجاوران غرب العاصمة التونسيّة، ويبعدان حوالي 6 كيلومترات عن وسط العاصمة التونسيّة. ويقسّم التقرير تاريخ الحيّين منذ سبعينيات القرن الماضي إلى مرحلتين. في المرحلة الأولى، نزح سكان من المناطق الداخليّة للبلاد للاستقرار في المنطقة. فيما عرفت المرحلة الثانية انتقال سكان من وسط العاصمة إلى الحيّين. وطبقًا للسجلات الرسميّة، بلغ عدد سكان دوار هيشر والتضامن معًا عام 1975 حوالي 7 آلاف متساكن.

ومنذ ذلك الحين، أخذ عدد السكان في النموّ بوتيرة لامست في أقصى حدودها 40% سنويّا. وفصل الحيّان عام 2004 إداريًّا فألحقت بلديّة دوار هيشر بمحافظة منوبة المنشأة حديثًا حينها، وبقيت بلديّة التضامن تابعة لمحافظة أريانة. وتشير الأرقام إلى تجاوز عدد سكان كلّ من الحيّين عتبة الثمانين ألف ساكن بقليل في عام 2010. وتعتبر البلديتان من أكثر المناطق التونسيّة اكتظاظًا، حيث لا تتجاوز مساحة حيّ التضامن 3.3 كيلومتر مربّع فيما تقارب مساحة حيّ دوار هيشر 8 كيلومتر مربّع.

بين نهاية العام 2010 وبداية العام 2011، ساهم شباب المنطقتين بفاعليّة في احتجاجات الثورة. حيث خرجت مظاهرات مناوئة لنظام بن علي وحدثت مواجهات عنيفة مع قوات الأمن. وبالنتيجة سقط عدد من الجرحى والشهداء في تلك الأحداث وحرق عدد من المراكز الأمنيّة خاصّة، إلى جانب مؤسسات أخرى.

ضمن هذا الإطار، تبحث الدراسة الحالة الاجتماعيّة العامّة لشباب الحيّين الشعبيّين الحضريّين، ونظرتهم للثورة وآثارها، وارتباطهم بالأحزاب والمنظمات المدنيّة، وأخيرًا رأيهم في السلفيّة الجهاديّة التي نشطت هناك لفترة زمنيّة مهمّة. وحصرت الدراسة الفئة العمريّة للمستجوبين في الشبان غير المتزوجين من الجنسين والذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا. وهو العمر الذي يبدأ فيه الشباب بالتحوّل إلى الرشد والتوجه نحو تأسيس عائلة مستقلة.

التعليم والعمل: الشباب وجيل الآباء

على غير ما يفترضه كثير من الناس، تظهر النتائج تحمّس الأولياء لدعم المسيرة التعليميّة لأبنائهم من الجنسين. ويُفسِّر ذلك اختلاف المستويات التعليمّية بين الجيلين؛ ففي جيل الأبناء أنهى 27.9% تعليمهم العالي و51.7% تعليمهم الثانويّ، فيما لم يكمل في جيل الآباء سوى 3.6% تعليمهم العالي و31% تعليمهم الثانوي، وتبلغ نسبة الأميّة لدى الجيل الأكبر 22.7% ولا تتجاوز لدى الجيل الأصغر 2%. كما يظهر قيمة التعليم كمصعد اجتماعيّ في نظر الوالدين، حيث يحرص 70.8% من الآباء و80.5% من الأمهات على مراقبة سير التقدم التعليميّ لأبنائهم. ويَظهر حرص الوالدين عند أبنائهم حيث يجيب 83.3% منهم عند سؤالهم عن قيمة التعليم (مع إمكانيّة تقديم أكثر من إجابة) أنه يرضي الوالدين. كما يجيب حوالي 75% منهم أن له دورًا تثقيفيًّا وحوالي 70% بأنه يجلب الاحترام. فيما لا ترى إلا نسبة صغيرة منهم (38.4%) أنه يساعد على الحصول على عمل جيّد.

أما بالنسبة إلى العمل، فينحدر أغلب المستجوبين (81.1%) من عائلات ينفق عليها الأب لوحده، ويعمل آباء ما يقارب ربع العيّنة في ما يسمى بالعمل اليومي (أي وظائف هشّة). أما الأبناء، فيشغل 44.2% منهم وظائف بدوام كامل، فيما يزاول حوالي 30% منهم تعليمه أو يتلقى تكوينًا مهنيّا، وتبلغ نسبة العاطلين عن العمل بينهم 15.5% تلقى ثلثهم تقريبًا تعليمًا جامعيًّا.

اقرأ/ي أيضًا:"دوّار السلاطنيّة".. حياة في قفص الموت

الثورة: الأمل ونقيضه

تشير الباحثة ألفة لملوم في دراستها التحليليّة إلى انقطاع جيل الشباب المستجوبين عن أي حركات احتجاجيّة سابقة للثورة. وذلك على عكس جيل الآباء الذين عاصروا الصدام بين الاتحاد العام التونسي للشغل والسّلطة عام 1978 وأحداث انتفاضة الخبز عام 1984، اللذين كان للحيّ دور فيهما.

على امتداد الأسبوع السابق ليوم فرار الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، استمرت المواجهات بين شباب الحيّين والقوات الأمنيّة. واستشهد في تلك الأحداث العنيفة 25 شخصًا وجرح العشرات. اختفت في الفترة اللاحقة جميع رموز السلطة من مقرات أمنيّة وأخرى تابعة لحزب التجمّع الدستوري الديمقراطي الحاكم حينها، وعوّضتهم فرق الجيش الوطنيّ ولجان الأحياء.

وتشير لقاءات فرق الباحثين وحواراتهم مع شباب الحيّين إلى انخراط نسب مهمّة من الشباب في الفترة الموالية للثورة في النشاطات السياسيّة كاجتماعات الأحزاب والنشاطات الاحتجاجيّة مثل المظاهرات والاعتصامات. كما تظهر هوّة بين الجنسين في ما يتعلّق بالانخراط في الحياة العامة. حيث تفضّل النساء مشاركة آرائهن في الفضاءات الخاصّة على عكس الرجال، مع وجود استثناءات في حالة الإضرابات العماليّة حيث تمثّل النساء النسبة الأكبر من عمال النسيج في المصانع المتواجدة في الحيّين، وفي حالة النشاط السبراني على مواقع التواصل الاجتماعيّ.

بعثت الثورة في شباب دوار هيشر والتضامن الوعي بضرورة المطالبة بحقوقهم لكن فئة واسعة منهم لا تحس بالتغيير

وبعثت الثورة الحياة في وعي الشباب بضرورة المطالبة بحقوقهم، حيث يطالب السواد الأعظم منهم بحرّية الرأي والتعبير، وبتحسين تعامل الأجهزة الأمنيّة معهم، وبفرص عمل، وبمحاسبة النظام السابق، ومطالب أخرى تندرج ضمن سياق الترقية الاجتماعيّة والاعتراف الرمزيّ.

لكن من ناحيّة ثانية، ترى فئة واسعة (44%)، بعد مرور سنوات على الثورة، أنّ حياتهم لم تتغيّر. بل ويصّرح 46% من المستجوبين أن أوضاعهم تدهورت. ويتحسّر بعض المتضرّرين على أيام بن علي. ويعود سبب ذلك إلى الأوضاع الاقتصاديّة بصفة خاصّة. حيث تفاقمت البطالة بعد الثورة وارتفعت أسعار السلع الأساسيّة. كما تشير مجموعة من النساء إلى تدهور الوضع الأمنيّ ما قلّص من حريّة تنقلهن.

لكن لعلاقة الشباب بالسّلطة (المحليّة خاصّة) دورًا أيضًا. حيث يصرّح أكثر من 85% من المستجوبين أنّ علاقتهم مع الحرس الوطنيّ (الذي يتولى الشؤون الأمنيّة في المنطقتين) والبلديّة وباقي السلطات المحليّة لم تتغير بعد 2011. كما يذكر 95.2% منهم الفساد في القطاع العموميّ وتستمر النسبة التسعينيّة عند حديثهم عن غياب المسؤولين المحليّين. واشتكى الشباب أيضًا (حوالي 90%) من تهميشهم في مسار اتخاذ القرارات ومن معاملتهم بازدراء.

وتلاحظ لملوم أنّه رغم حضور مشاكل الشباب في الخطاب الرسميّ للدولة، تبقى الإجراءات شبه منعدمة. حيث لم يتّخذ أي إجراء لصالح الشباب العاطل عن العمل في منطقتي دوار هيشر، ما عدا ما يعرف بقانون الحضائر، الذي يوظّف عددًا من الشبان غير الحاملين لكفاءات عالية ولفترات مؤقتة، ما يبقي على هشاشة وضعهم الاجتماعيّ.

اقرأ/ي أيضًا:

مدن الحدود الجنوبيّة لتونس: الإقصاء والعقاب (1/2)

مدن الحدود الجنوبيّة لتونس: الإقصاء والعقاب (2/2)