مدن الحدود الجنوبيّة لتونس: الإقصاء والعقاب (1/2)

مدن الحدود الجنوبيّة لتونس: الإقصاء والعقاب (1/2)

يجمع سكان الذهيبة وبنقردان على معنى التهميش والشعور بأنهم معاقبون (تسنيم نصري/الأناضول)

في إطار برامج بحث حول تونس، تعمل منظمة اليقظة العالميّة (International Alert) على إجراء دراسات ميدانيّة معمّقة حول مسائل تشغل الرأيّين العام والرسميّ. في هذا الإطار نشرت المنظمة تقريرًا حول مدينتي بنقردان والذهيبة التونسيّتين المجاورتين للحدود الليبيّة. وحرّرت الدكتورة ألفة لملوم التقرير بناءً على استقصاء ميداني كميّ ونوعيّ تمّ على أيدي مجموعة من الباحثين. ويتناول التقرير بالبحث المدينتين الحدوديتين من زاوية نظر سكانهما. ونحاول في هذا المقال تسليط الضوء على أهم ما ورد فيه خاصّة وأنه جاء في نسختين إنجليزيّة وفرنسيّة وغاب عن اللّغة العربيّة - وهي مفارقة غير مفهومة.

يعتمد سكان الذهيبة بشكل كبير على التجارة الحدوديّة، وأيضًا سكان بنقردان إضافة إلى احتوائها تجارة مزدهرة للعملة منذ الثمانينيات

اقرأ/ي أيضًا: بنقردان.. حصن تونس وقلعة الصمود

لماذا بنقردان والذهيبة؟

أُسست المدينتان، بشكلهما الحاليّ، بين أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين من طرف الاستعمار الفرنسيّ لإيواء القبائل المترحلة في المنطقة. وابتغى الفرنسيّون من وراء ذلك إحكام سيطرتهم على الساكنة وتنظيم عيشهم على النحو الذي يخدم مصالحهم. وتقع مدينة بنقردان في سهل الجفارة القاحل في الجنوب الشرقي لتونس، وتتبع إداريًا محافظة مدنين، وتبعد عن العاصمة حوالي 526 كيلومترًا وعن الحدود الليبيّة حوالي 30 كيلومترًا، وهي مدينة متوسطة تأوي ما يقارب 80 ألف ساكن.

أما مدينة الذهيبة، فتتبع إداريًا محافظة تطاوين، وتبعد عن العاصمة حوالي 626 كيلومترًا، فيما تبعد عن الحدود الليبيّة حوالي 3 كيلومترات، وهي على عكس بنقردان أقرب إلى أن تكون قرية كبيرة الحجم، إذ تأوي ما يقارب 5 آلاف ساكن.

وتجاور المدينتان المعبرين الحدوديّين القانونيّين الوحيدين بين تونس وليبيا، وهما معبرا راس جدير والذهيبة. ويمثّل الأخيران مصدر عيش رئيسيّ للسكان. حيث يعتمد سكان الذهيبة بشكل كبير على التجارة الحدوديّة، وكذلك هو الحال بالنسبة لسكان بنقردان إضافة إلى احتوائها تجارة مزدهرة للعملة منذ ثمانينيات القرن المنصرم حيث يعمل ما يلامس 12.2% من المستجوبين في قطاع الصرف غير المنظّم. وفاقم انحدار الزراعة كمًا وقيمة من الاعتماد على التجارة الحدودية، غير القانونيّة في جزء كبير منها.

ويعاني سكان المدينتين من خطاب يربط بين النشاط التجاريّ الذي يمارسونه وبين تهريب الأسلحة، ما أنتج وصمًا سلبيًا لهم عززته خطابات بعض السياسيّين الرسميّين. ورغم حملات التشكيك وخطاب الوصم، ساهم سكان بنقردان بفاعليّة في صدّ هجوم لعناصر من ما يعرف بـ"تنظيم الدولة الإسلاميّة" على المدينة في 7 آذار/مارس من عام 2016. وقد أدى الهجوم إلى مقتل 50 عنصرًا من المهاجمين و13 عنصرًا من الأمن والجيش و7 مدنيّين.

ضمن هذا الإطار العام، تهدف الدراسة إلى النظر في علاقة سكان المدينتين بالدولة، وتصوّراتهم عن أنفسهم، إضافة إلى تحليل استعمالات الحدود والتوترات التي ترتبط بها في سياق سياسيّ وأمنيّ هشّ.

اقرأ/ي أيضًا: هوامش تونس.. جحيم التهريب ولا جنة الدولة

في معنى أن تكون جنوبيّاً:

عند سؤالهم عن نظرتهم للجنوب التونسي، يجمع سكان الذهيبة وبنقردان على معنى التهميش والشعور بأنهم معاقبون

تشير ألفة لملوم في التقرير إلى تأكيد نتائج الدراسة، وبالاستعانة بنتائج دراسات سابقة، على تماسك التهميش كمقولة إدراكيّة، منذ هروب الرئيس الأسبق زين العابدين بن عليّ، مهيكلة لنظرة سكان الحواضر الهامشيّة والضواحي لأنفسهم، مثل سكان الأحياء العماليّة في العاصمة تونس وسكان مدينة القصرين المحاذية للحدود التونسية مع الجزائر. إذ تشير النتائج إلى إحالة أغلب سكان الذهيبة (97.7%) وبنقردان (88.5%)، عند سؤالهم عن نظرتهم للجنوب، على فكرة التهميش، وهي فكرة أفقيّة يتشاركها السكان من الجنسين ومن مختلف الفئات العمرية، لكنها تظهر بشكل أكثر حدّة لدى الشباب العاطلين عن العمل.

ويربط أغلب المستجوبين بين شعورهم بالتهميش وشعورهم بأنهم معاقبون. حيث يشيرون إلى معاقبة الحكومة المركزيّة لكامل الجنوب، منذ فترة الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة، لمساندة جزء كبير من سكانه لغريمه السياسيّ صالح بن يوسف. لكن شعورهم هذا لا يقتصر على الفترة الممتدة منذ الاستقلال، فقد بدأ العقاب بالنسبة لهم منذ الفترة الاستعماريّة. إذ يتشارك السواد الأعظم من السكان في فكرة مقاومة الجنوب للاستعمار الفرنسيّ (84.2% في الذهيبة، و72.3% في بنقردان).

وبالنظر في تاريخ علاقة المنطقة بالاستعمار، نجد أن الأخير قد حطّم النمط الاقتصاديّ الزراعيّ- الرعويّ السائد في بداية القرن العشرين لدى قبيلتي التوازين في بنقردان والذهيبات في ذهيبة، وصادر أراضيها باستعمال العنف والإخضاع العسكريّ، خاصة مع ترسيم الحدود بين تونس وليبيا غداة الاحتلال الإيطاليّ لها. وقد عرفت المنطقة حركات مقاومة للاستعمار، بداية بحركة علي بن خليفة النفاتي عام 1881، ووصولًا إلى حركة خليفة بن عسكر بين عامي 1915-1916.

من جانب آخر، يشير المستجوبون إلى أن من معاني الجنوب مجاورة ليبيا (90.6% في ذهيبة، و85.5% في بنقردان)، ووجود عادات وتقاليد مخصوصة بالمنطقة (83.7% في كلا المدينتين)، والانتماء إلى قبائل مرموقة (45.3% في ذهيبة، و71.4% في بنقردان). وفي ما يخص العادات والتقاليد والانتماء إلى القبائل، يشير التقرير إلى أنّ الشباب أقلّ تعلّقًا بها، حيث يعتبرها جزء مهمّ منهم إحالة على المحافظة والمعتقدات القديمة.

وفي المحصلة، تستنتج صاحبة الدراسة وجود سرديّة ذاتيّة في كلا المدينتين تعبّئ من خلالها موارد الفضاء (أهميّة شبكات التبادل، والعلاقات التاريخيّة والعائليّة مع ليبيا)، والذاكرة (المقاومة المسلّحة للاستعمار)، والثقافة (الرابط القبليّ والتقاليد المخصوصة). ووجود هويّة مشتركة عزّزتها العلاقة المضطربة مع الحكومة المركزيّة التي همّشتهم وأقصتهم ماديًّا وكذلك ورمزيًّا من خلال تجاهل دورهم في السرديّة التاريخيّة الرسميّة. وتستعين لملوم بعالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو في تفسير إحالة السكان للعادات والتقاليد والقبائل، فتستعير منه جملة تلخص بها الأمر، ومفادها أن ذلك جزء من "صراع جماعيّ لتقويض العلاقات الرمزيّة للسلطة، ليس الهدف منه إزالة الخصائص الموصومة بل بالأحرى قلب جدول القيم الذي يعرّفها على ذلك النحو".

التهميش الاجتماعيّ والهشاشة:

يجمع الجنوب التونسي هويّة مشتركة عزّزتها العلاقة المضطربة مع الحكومة المركزيّة التي همّشتهم وأقصتهم ماديًا ورمزيًّا 

يُظهر العمل الميدانيّ وجود أدلّة ملموسة على التهميش في الذهيبة وبنقردان. ويصنّف التقرير ثلاثة محاور رئيسيّة تغيب فيها المساواة بوضوح بين المدينتين من جهة والعاصمة والمدن الكبرى على الشريط الساحليّ من جهة ثانية.

أولى المحاور هي السياسة العامة. حيث يقيّم المستجوبون الحالة الاقتصاديّة في المدينتين بين "سيّئة" و"سيّئة جدًا" (93% في الذهيبة، و80.39% في بنقردان). ويشير تقيّيمهم إلى النقص في الاستثمارات، والفشل في تحقيق تنمية مستدامة، وضعف البنية التحتيّة. ويشدّد معظمهم على وجوب تكفّل الدولة بحلّ تلك المشكلات، حيث يطالبون بدولة ذات طابع "اجتماعيّ" تتدخل مباشرة لتحسين الوضعيات. إذ لا توجد أقسام طبّ استعجاليّ في كلا المدينتين ولا يوجد أطباء اختصاص في الذهيبة التي لا وجود فيها لمحكمة أيضًا، كما لا يوجد نظام صرف صحيّ في بنقردان بمجملها.

أما المحور الثاني فيخصّ سوق العمل الذي يمتاز بالعطالة والهشاشة. ومن آثار ذلك تجاوز نسبة البطالة في المدينتين (42% في الذهيبة، و18% في بنقردان) بينما يقدر المعدّل الوطنيّ (14.82%). وتتضاعف نسبة بطالة النساء في الذهيبة ثلاث مرات مقارنة بالمعدل الوطني وبمرتين في بنقردان التي يعمل 19% من المستجوبين فيها في القطاع "غير القانوني" في حين تصل النسبة في جارتها إلى 33.7%. وتغيب التغطية الاجتماعيّة على ما يقارب نصف السكان. كما انخفضت نسبة العاملين في القطاع الزراعيّ لدى الأبناء مقارنة بآبائهم. حيث تراجعت من 29.2% في بنقردان و17.1% في ذهيبة إلى 7% و5.7% في المدينتين على التوالي، في حين تغيب النساء عن هذا القطاع بصفة كليّة.

ويُعنى المحور الثالث بالتعليم. والملاحظ هو النجاح النسبيّ الذي عرفه هذا القطاع بعد تعميمه غداة الاستقلال. فقد انخفضت نسبة الأميّة بين جيل الآباء والأبناء في المدينتين من 57.6% إلى 20.2% في الذهيبة، ومن 47.1% إلى 22.1% في بنقردان. وتقارب نسبة الحاصلين على تعليم ابتدائيّ وثانويّ النسبة الوطنيّة للفتيان والفتيات على حد السواء، لكنها تنخفض بالنسبة إلى الحاصلين على شهادة جامعيّة، حيث تبلغ نسبتهم في الذهيبة 7.6% مقابل 11% على المستوى الوطنيّ. كما تتجاوز في نفس المدينة نسبة الفتيات اللاتي حظين بتعلم جامعيّ (9.5%) نسبة الفتيان (5.8%).

اقرأ/ي أيضًا: 

"دوّار السلاطنيّة".. حياة في قفص الموت

أحوال شباب تالة.. لا شيء تغير