28-ديسمبر-2017

تتوجه أصابع الاتهام للحكومة البريطانية في اختفاء ألف وثيقة من الأرشيف الوطني البريطاني (رويترز)

اختفت ألف وثيقة من الأرشيف الوطني البريطاني، ولم تكن تلك الحالة الوحيدة التي يحدث فيها أمرٌ مشابه مع الوثائق التي تتضمن الكثير مما يخفيه الماضي عن تاريخ بريطانيا الاستعمارية. وقد أعدّت صحيفة الغارديان البريطانية تقريرًا يتعرض لعددٍ من هذه الحالات بالأدلة على تورط الحكومات البريطانية فيها. في السطور التالية ترجمة بتصرف للتقرير.


يعد الأرشيف الوطني البريطاني، موطنًا لأكثر من 11 مليون وثيقة، تغطي كثيرٌ منها الفترات الأكثر إثارة للقلق من الماضي الاستعماري البريطاني. وقد أثبتت الحقائق غير المريحة، التي تم الكشف عنها من خلال ملفات الحكومة التي صُنفت بـ"السرية" سابقًا، أنها تقدر بثمنٍ، بالنسبة لأولئك الذين يسعون إلى فهم تاريخ هذا البلد أو كشف المظالم الماضية.

فُقدت من الأرشيف الوطني البريطاني، ألف وثيقة من الوثائق التاريخية الهامة، بعد أن أزالها موظفون مدنيون!

ولذلك، فإنه من دواعي القلق أن نكتشف أن حوالي ألف وثيقة قد فقدت، بعد أن أزالها موظفون مدنيون. من الناحية الرسمية، تصفها إدارة الأرشيف بأنها وثائق "فقدت أثناء تقديمها إلى الإدارات الحكومية".

اقرأ/ي أيضًا: الإمبراطورية البريطانية.. هل كانت مستقرةً حقًا؟

وتغطي الملفات -تحتوي كل منها على عشرات الصفحات- مواضيع مثل الاضطرابات في أيرلندا الشمالية، والإدارة الاستعمارية البريطانية في فلسطين، واختبارات لقاحات شلل الأطفال، والنزاعات الإقليمية بين بريطانيا والأرجنتين (حرب الفوكلاند). ومن غير الواضح ما إذا كانت هناك نسخ أخرى لتلك الوثائق أم لا.

وقد تسبب فقدان الكثير من الوثائق التي لها مثل هذه الأهمية، في إثارة مخاوف العديد من المؤرخين والسياسيين ومجموعات حقوق الإنسان. وطلبت منظمة العفو الدولية من تيريزا ماي، أن تأمر بإجراء بحث عاجل على مستوى الحكومة عن تلك الوثائق، بينما حذر النائب العمالي جون تريكيت من أن خسارة تلك الملفات من شأنها أن تؤجج اتهامات بالتغطية والإخفاء لبعض الوقائع التاريخية.

قد تبدو هذه الاقتراحات صعبة التصور، ولكن التاريخ الحديث قد أعطى الكثير من الناس أسبابًا للشك. لقد كانت الوثائق في الأرشيف الوطني في السابق المفتاح الرئيسي في الكشف عن انتهاكات حقوق الإنسان من قبل الدولة البريطانية.

ثمة حالات عديدة عملت فيها الحكومة البريطانية على إخفاء وثائق أو إتلافها لتجهيل ما تتضمنه من معلومات تدين بريطانيا الاستعمارية

على سبيل المثال، في عام 2014، كشف محققون صحفيون من هيئة الإذاعة الأيرلندية (آر تي إيه) رسالة من عام 1977، موجهة من وزير الداخلية آنذاك، ميرلين ريس، إلى رئيس الوزراء حينها جيمس كالاغان، ادعى فيها ريس أن الوزراء كانوا قد أعطوا الإذن باستخدام التعذيب في أيرلندا الشمالية خلال الاضطرابات. وقيل إن المعلومات قد حُجبت عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

استخدم الجنود البريطانيون التعذيب في أيرلندا الشمالية خلال فترة الاضطرابات في السبعينيات (Getty)
استخدم الجنود البريطانيون التعذيب في أيرلندا الشمالية خلال فترة الاضطرابات في السبعينيات (Getty)

وفي عام 2014 أيضًا، اتُهمت الحكومة بالتستر، بعد أن قالت إنها لا تستطيع الإفراج عن معلومات خاصة ببرنامج وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه)، المعروف بـ"التسليم الاستثنائي"، بحجة أن الملفات عانت من بعض الأضرار الناجمة عن تعرضها للمياه.

اقرأ/ي أيضًا: مخازي الإمبراطورية البريطانية في ذكرى أفولها

وفي عام 2013، كشفت صحيفة الغارديان، عن أن أكثر من مليون وثيقة كان ينبغي رفع السرية عنها، تم الاحتفاظ بها بشكل غير قانوني في مجمع الأمن العالي في باكينغامشير، بدلًا من الكشف عنها. وكشف عن وجودها فقط عندما رفعت مجموعة من الكينيين المسنين القضية ضد الحكومة في المحكمة العليا، قائلين إنهم تعرضوا للتعذيب خلال ثورة ماو ماو في خمسينيات القرن الماضي. وقد اضطرت وزارة الخارجية إلى الاعتراف بأنها قد حجبت آلاف الأوراق لتلك الفترة الاستعمارية.

وحتى لو كانت تلك الملفات التي تم الإبلاغ عن فقدانها، قد اختفت نتيجة الإهمال أو عدم الكفاءة بدلًا من النوايا الخبيثة، فهو ليس عذرًا. لقد فشلت بريطانيا منذ فترة طويلة في الاعتراف بالأهوال التي فرضتها إدارتها الاستعمارية والإمبريالية على العالم.

ونشأ كثير من البريطانيين وهم يعتقدون أن وطنهم قد أنقذ العالم وساعد على تحضره، في حين أن الفظائع والإبادات الجماعية وانتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها بلادهم، كثيرًا ما تغيب عن المشهد. لقد فشلت الحكومات المتعاقبة في تضييق هذه الفجوة المعرفية، سواء بإنشاء لجان تقصي الحقائق أو إنشاء متحف لتلك الحقبة الاستعمارية أو تثقيف الأطفال في المدارس عن الاستعمار كجزء من المنهج الدراسي الأساسي.

وفي عام 2014، وجد استطلاع شركة يوجوف الدولية، أن 59% من الذين شملهم الاستطلاع، يعتقدون أن الإمبراطورية البريطانية كانت أمرًا يثير الفخر أكثر من كونها مدعاة للخجل.

استخدمت القوات البريطانية العنف والتعذيب بحق المنتفضين في ثورة ماو ماو الكينية بالخمسينيات (Getty)
استخدمت القوات البريطانية العنف والتعذيب بحق المنتفضين في ثورة ماو ماو الكينية بالخمسينيات (Getty)

عملت الحكومات البريطانية المتعاقبة على تكريس الجهل داخليًا بحقيقة الفظائع التي ارتكبتها الإمبراطورية البريطانية فترة الاستعمار

وفقدان هذه الوثائق يوفر استعارة ملائمة لما يعنيه الاستعمار للكثيرين في بريطانيا. فيبدو إذن أنّ الحقائق المحرجة، تُنحّى بعناية بعيدًا، وتُوصف بأنها شيئًا من "الماضي"، وفي الحالات النادرة التي يتم تفتيش المحفوظات للحصول على أدلة دامغة لبعض الوقائع، لا يمكن العثور عليها!

 

اقرأ/ي أيضًا:

مجاعة أوريسا.. حين تركت بريطانيا مليون هندي للجوع

بريطانيا والقذافي.. العراب توني بلير وجرائم لندن نيابة عن العقيد (2-2)