09-مايو-2016

عادل السيوي/مصر

ابتسامة المدير

كنت أعي تمامًا أن اليوم هو الثلاثاء. ونظرًا للأثر السيئ الذي يخلّفه هذا اليوم في نفسي (وفي نفس شريحة معتبرة من أصدقائي المواطنين الذين ربما لا يعلمون أن يوم 25 يناير 2011 كان يوم ثلاثاء أيضًا)، فقد اعتبرته نذير شؤم أتحسّب له في كلّ تصرفاتي. ذلك بعكس يوم الأحد الذي أعتبره من الأيام التي تثير في نفسي مشاعر غامضة بالسعادة والتفاؤل لا أدري مصدرها. 

وفي محاولة للتخلّص من عقدة يوم الثلاثاء التي تحمل معها مشاعر التطيُّر فقد بذلت جهدًا نفسيًا كبيرًا حتى أستبدلها بمشاعر يوم الأحد، وقد أفلحت في ذلك حتى قرابة النصف الأول من اليوم الذي دأبت فيه على مضاحكة زملائي في العمل ومعابثة زميلاتي دون أن تختفى نظرات الدهشة في عيونهم، إلى أن أفقت على مديري في العمل ينذرني بخصم يوم من مرتبي بسبب تركي لمكتبي وإهدار وقت العمل وإشاعة الفوضى في المكان. عندئذ أيقنت أن اليوم هو الثلاثاء، ولن يكون غير ذلك. وتشاء الصدفة أن ألقاه في نفس اليوم في الممرّ وإذا به يحييني وقد علت شفتيه ابتسامة غريبة. بالطبع رددت التحية لكني ظللت بقية اليوم أفكر في مغزي ابتسامته. لم تكن ابتسامة ترحيب ولا اعتذار، خلتها مزيجًا من السخرية والإشفاق وربما الشماتة.

ضايقني هذا التفسير لكنني لم أهتدِ لسواه، وازددت حيرة عندما تبيّنت أن اليوم لا هو الأحد ولا الثلاثاء. وحتى لا يختلط تمييز الأيام في رأسي فقد رجّحت أن ظلال الثلاثاء قد انسحبت على أقرب الأيام إليه وهو الأربعاء. ومع ذلك ظلّت ابتسامته أشبه بعلامة استفهام هائلة تتقافز في رأسي ككرة مطاطية طوال اليوم دون اهتداء لتفسير قاطع.

ابتسامة اللص

لا شيء يثير حنقي في الدنيا قدر انحشاري في وسائل المواصلات. لبثت قرابة النصف ساعة في انتظار الأتوبيس حتى لاح أمامي كعلبة سردين. للحظة خطر ببالي أن أنتظر غيره لكن لسعة الشمس وصهد الأسفلت جعلاني أندفع بلا وعي لأنحشر بداخله. جاءت وقفتي بالصدفة في مواجهة الممرّ المزدحم بالداخلين والخارجين. وبعد أن هدأت نفسي من أثر معركة الصعود، حانت مني التفاتة تجاه الممرّ المحتشد فرأيت ذلك الرجل الذي يحمل بطيخة كبيرة تحت إبطه وباليد الأخري يتمسك بمقبض في سقف الأتوبيس. ورأيت يد الواقف أمامه تندسّ بثقة ورشاقة في جيبه لتخرج بالمحفظة. التقت نظراتنا لثوان ثم دفس المحفظة في ثيابه وأخرج يده، فلمحت الوهج الخافت لمطواة قرن الغزال المدسوسة بين أصابعه. انخرست. اعترتني مشاعر عُري مباغت وأحسست برودة تسري في جسدي وأحسست أني أغوص في بئر سحيق شديد العتمة. أفقت على ضغط الأجساد فوق صدري من أثر الفرملة القوية ورأيته قادمًا نحوي بجوار الباب. جمد الدم في عروقي وتلوت الشهادة في سرّي. تجاوزني وتابعته بعين جزعة إلى أن أصبح فوق الرصيف يرمقني وابتسامة غريبة تعلو شفتيه. مرة أخرى فقدت الإحساس بكياني حتى أفقت على صرخة الرجل المنكوب. لم تفارقني ابتسامة اللص طوال الطريق إلى بيتي وعبثًا حاولت فهم مغزاها.

ابتسامة الزوجة

الجمعة إجازتي، وهو أيضًا اليوم الأثير لدى زوجتي للقيام بكل أعمال البيت من غسيل وكنس ومسح وتنفيض، أما إعداد الطعام فلا يرد بخاطرها وحجّتها في ذلك جاهزة "السوبر ماركت والسوق تحت.. شوفوا عايزين تاكلوا إيه". 
تمدّدت فوق الفراش بكامل ملابسي ناشدًا الاسترخاء بعد خطبة الجمعة فجاءتني محتجّة وطالبتني بمغادرة الفراش فورًا لتجديد هواء الغرفة. أسألها لماذا تكدّس كل الأعمال في هذا اليوم وتتراقص فوق شفتيها ابتسامة غريبة وهي تردّ قائلة "أجازة البنات يا راجل! أمال مين هيساعدني؟!" الغريب أن ابتسامتها كانت تحمل نفس المغزى الغامض الذي لمحته على شفتي مديري وربما أيضًا لص الأتوبيس. تطلّعت إليها في صمت المغلوب وعدت إلى جريدتي أقرأ أخبار الأمس بينما يصلني الغبار المتناثر ورائحة الصابون.

ابتسامة الكلب

هاجس غريب وقوة غامضة تدفعني إلى القطار المتجه إلى البلدة. كانت صلتي بالأهل قد انقطعت إثر وفاة أمي وأبي منذ سنوات بعيدة. لم يعد لي هناك غير أخت متزوجة تكبرني. كانت لي بمثابة الأم ألوذ بها وقت الشدّة لكن طاحونة الحياة في المدينة أنستني إياها أو كادت. وعندما أشرفت على البلدة كان الوقت عصرًا . خُيّل إليّ أن كلّ شيء كما هو: اللافتة الكالحة المكتوب عليها اسم البلدة، أشجار الجازورينا المنتصبة على الطريق الترابي، السكون الزائد، وشوشات أعواد الذرة، الأحجار المتناثرة على شط الترعة. كأنما الزمن عاد بي إلى سنوات بعيدة وتولّاني شعور حاد بالغربة. 

جرّتني قدماي صوب الترعة. اقتعدت حجرًا عند حافتها وماجت بي الذكريات. قلت لنفسي إنها ساعة القليلولة والكلّ هاجع في منزله. تلفّت حولي ولم أر أحدًا أو أسمع صوتًا. اقتربت من حافة الترعة ورحت أخلع ملابسي. طغت عليّ رغبة العُري كما الأيام الخوالي. تطلعت حولي من جديد وامتدت يدي إلى سروالي. انزلقت بجسدي كثعبان الماء. غمرني الماء فانتشيت، وبدأت في السباحة (على الطريقة الكلابي كما تعلمتها صغيرًا). فقدت الشعور بالزمن وأحسستني خفيفًا والماء يلامس عُريي، حتى أفقت على أصوات بعيدة. تطلعت بتوجّس نحو الشطّ ورأيته يدور حول ثيابي مُشمشمًا. رحت أسرع بالسباحة نحو الشط غير قادر على الصراخ على الكلب اللعين، خوفًا من أن يسمعني أحدهم. نزل الكلب بفمه إلى الأرض والتقط البنطلون. كنت قد اقتربت من الشط فرششته بالماء. جرى دون أن يفلت البنطلون من فمه ثم توقف. استدار إلي ولمحت على وجهه شيئًا يشبه الابتسامة. كان ذلك غريبًا.

اقرأ/ي أيضًا:

يُعانقونك طويلًا مثل قبر

نسقطُ مع نباتِ الكرز