"إن كان بدك تعشق".. ثقافة الأطراف على طاولة فواز طرابلسي

يمكن القول بخصوص الكتابة عند فواز طرابلسي، أنها في جانبٍ منها، عملية تقليص للمسافة بين الأجناس والأنواع الكتابية المُختلفة من جهة، كما هي رهان جوهري على أنّ هذه التعدّدية في الكتابة، ليست أمرًا شاذًّا، وأنّ الاختصاص ليس قدرًا ثقافيًا محتومًا، من جهةٍ أخرى أيضًا. الكاتب والمفكّر اللبنانيّ الذي وقف عند حدود "غيتو التخصّصات"، لا ينظّر لهذه الفكرة، وإنّما يجسِّدها ويُمرّرها في غالبية مؤلّفاته تقريبًا بمعنى فيه من الممارسة ما يتكفل بالإعلان عن نفسه بنفسه. ضمن هذا الإطار بشأن ممارسته، يُعدّ كتابه "إن كان بدك تعشق: كتابات في الثقافة الشعبية" (الطبعة الأولى 2004، أعادت منشورات المتوسط طباعته سنة 2018) مثالًا صريحًا على هذه التعدّدية وعملية المزج بين تحليل الاقتصاد والسياسة من جهة، وتفكيك الثقافة والتاريخ من جهةٍ أخرى. أي عدم إهمال أي شيء من التفاصيل والجوانب في مبنى الهرم الاجتماعي الكبير.

لاحظ غرامشي أنّ الحكمة الشعبية تستغرق وقتًا طويلًا لتتبنّى مثلًا معيّنًا، أو فكرة ونظرة معيّنة إلى الأمور. لكنّها حينما تتبنّاها، فإنّها تكتسب صلابة معتقدية راسخة

يدخل فوّاز طرابلسي في كتابه المعني إلى الأطراف، حيث الفئات المهمّشة والمُهملة المتوارية في الظلّ تمامًا، حالها حال ثقافتها التي يُميط عنها اللثام متوغِّلًا في التفاصيل والعناصر والمواد الخام التي شكّلت أساساتها، ومنها "الحرير" الذي يُشكِّل جزءًا أساسيًا من هذه الثقافة في قُرى جبل لبنان الذي تربطهُ علاقة تاريخية بالحرير. أيضًا هي العلاقة التي يضعها صاحب "دم الأخوين: العنف في الحروب الأهلية" تحت مجهره بهدف تفكيكها وتجميع شتاتها والخروج بفهم نافع بخصوصها. لكنّه يسردُ قبل ذلك وبإيجاز السيرة الذاتية للحرير وعلاقته بالمرأة التي ارتبط بها منذ أن وجِد في الصين التي احتكرته وأحاطته بُجملة قوانين صارمة تقضي بالسجن والتعذيب والإعدام لمن يُفشي أسرار تربيته أو يصدّر بذره.

اقرأ/ي أيضًا: فواز طرابلسي.. ما لم تقله خرائط سايكس بيكو

لكنّ حيطة الصين هذه وجدت من يغافلها أخيرًا حينما نقلت أميرة صينية بذور دودة القزّ إلى مملكة بوخاريا من خلال وضعها في شعرها، وذلك بعد زواجها من أمير تلك المملكة الصغيرة التي انطلقت منها لاحقًا بذور الحرير حتّى وصلت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر إلى جبل لبنان الذي ستصيرُ أجساد النساء فيه "حاضنات لتفقيس دود القز، تتدبّر الفقيرات منه لشراء غرامات قليلة من بزر (بويضات) دود القز وتعلّقها في أكياس صغيرة من الشاش حول أعناقهنّ. وبعد أيام يفقس البزر في دفء النهود" وفق طرابلسي.

الدور الذي لعبته المرأة في تربية دود القزّ في جبل لبنان كان حاسمًا وفق ما يؤكّده المثل الشعبيّ الذي يوردهُ مؤلّف "غيرنيكا بيروت - الفن والحياة بين جدارية لبيكاسو ومدينة عربية في الحرب"، إذ يصرح المأثور بأن "زهّر البلان، وصار الحكم للنسوان". انطلاقًا من هذا المثل، يذهب طرابلسي باتّجاه تحليل العلاقة بين الفلّاحين الذين تولّوا تربية دود القزّ، وأصحاب الأرض "المقاطعجية" الذين تذهب إليهم الحصّة الأولى من قسمة المحصول الذي يتقاسمه، إلى جانبهم، الأمير الحاكم والوالي وأخيرًا السلطان، بالإضافة إلى شبكة موسعة من السماسرة والتجّار وبعض المشايخ الذين كانوا يستحوذون على "90 في المئة من محصول الحرير في جبل لبنان. فيما أكثرية الشعب، أي حوالي 300 ألف نسمة، لا يبقى لها أكثر من عشرة بالمئة من الموسم". 

التسلّط الإقطاعي المركب ضدّ الفلّاح كان بالنسبة لهُ أوّل البلاء، أمّا أخرهُ، ذلك الذي رسم الفصل الأخير في تاريخ هذه الصنعة، ليكون اكتشاف الحرير الصناعيّ عشية الحرب العالمية الأولى، الأمر الذي أصاب اقتصاد الحرير في مقتل، وتسبّب له بانتكاسة أقفلت المعامل وعمّت البطالة وسلك المزيد من اللبنانيين طريق الهجرة بفعلها، بالإضافة إلى تفشّي الفقر والجوع، وتحوّل أجساد النساء في جبل لبنان من الإنتاج إلى التجارة بعد بيعهنّ لأجسادهنّ في معامل الحرير المهجورة تحصيلًا للقوت. هكذا، تحوّل جسد المرأة من أداة إنتاج إلى سلعة. وصارت "الكرخانة" اسمًا للمبغى بعد أن كانت، ما قبل اكتشاف الحرير الصناعي، تعني "معمل". 

يشبه طرابلسي ترسّب الأمثال الشعبية بذات العملية التي تحصل للطبقات الجيولوجية ببطء شديد، وداخل عملية الترسّب هذه ثمّة عملية تنقية وتبديل وإسقاط وتغيّر بطيئة وطويلة المدى

الأمثال الشعبية التي أورد تأريخ طرابلسي بعضها في سياق حديثه عن الحرير وصنعته، خصّص لها فصلًا كاملًا باعتبارها "فلسفة العامّة"، أو "الحكمة الشعبية" وفقًا لفرضياتٍ معيّنة، وبصفتها أيضًا المستودع الوحيد المتوفّر لدينا عن معتقدات الشعوب عبر التاريخ، كما عرّفها يومًا المفكّر الإيطاليّ أنطونيو غرامشي الذي لاحظ أنّ الحكمة الشعبية تستغرق وقتًا طويلًا لتتبنّى مثلًا معيّنًا، أو فكرة ونظرة معيّنة إلى الأمور، ولكنّها حينما تتبنّاها، فإنّها تكتسب صلابة معتقدية.

اقرأ/ي أيضًا: جحيم "سايكس بيكو".. الشرق الأوسط 73 دولة؟

أما طرابلسي فيرى ترسّب الأمثال الشعبية مثل الطبقات الجيولوجية ببطء شديد، وداخل عملية الترسّب هذه ثمّة عملية تنقية وتبديل وإسقاط وتغيّر بطيئة وطويلة المدى. والمثل يُنبّئ لأنّه يستشرف الآتي، ولأنّ معظم الأمثال "كناية عن صيغ ومعادلات، إذا تجمّعت عناصرها تؤدّي – دومًا – إلى نتيجة واحدة، أو متماثلة. يسمح المثل لنفسه بهذا هذا الادّعاء؛ لأنّ ما ينبّئ به مستمد من التجربة التاريخية طويلة المدى، بما هي تكرار لظواهر طبيعية، وتعاقب لتجارب إنسانية، وتراكم لخبرات عملية في شتّى المجالات" بكلمات طرابلسي. 


فواز طرابلسي

إذا كانت الأمثال هي "فلسفة العامّة"، فإنّ "الدبكة" هي ممارسة البشر لأنواع مُختلفة من السلطان باعتبار أنّ الوظيفة الحاسمة للفنّ يمكن استحضارها من تعريف الكاتب والصحافي النمساوي إرنست فيشر "ممارسة السلطان – سلطان الإنسان على الطبيعة على عدوّ معيّن، وعلى فرد من الجنس الآخر"، وهذا التعريف يشمل "الدبكّة" لأنّه لا يُمكن تعريفها إلّا بصفتها "فنّ" مثّل أداة سحرية وأحد الأسلحة بيد الجماعة البشرية في صراعها من أجل البقاء. 

يُفسّر من قدّم "حرير وحديد" مقولة فيشر هذه من خلال تقديمه للجسد الفلّاحي في الرقص نموذجًا، إذ أنّ ما يفعلهُ الفلّاح أثناء الدبكة هو امتحان قوّة جسده واستعراضها أيضًا وفق إيقاع معيّن هو "إيقاع الزمن الدائري للحياة الزراعية، فمن خلال التمعّن في "الخطوات والنقلات والحركات، تجدها هي حركات العمل الزراعي" الذي يتطلّب قوّة جسدية يستعرضها الفلّاح، وهذا الاستعراض في جانبٍ منه هو استعراض جنسيّ أيضًا، ومناسبة لتأكيد الهوية الجنسية، ذلك أنّ مناسبات رقص الدبكة من المناسبات القليلة للاختلاط بين الرجال والنساء، وميدان الرقص هو المساحة الرحبة للسجال بين الفريقين على تأكيد الهوية. 

هنا، تكون "الدبكة" عملية تذويب للفرد في الجماعة، وعنصر أساسي من عناصر بناء وحدتها أيضًا باعتبارها تعزّز هذه الوحدة، وتُعيد إنتاجها في الوقت الذي تعمل فيه على تأكيدها أيضًا، خصوصًا وأنّ المشهد الذي يمكن الخروج به منها هو انفراط عقد الجماعة/ حلقة الرقص، ومن ثمّ إعادة توحّدها مُجدّدًا في حلقة جديدة أوثق وأشدّ تؤكّد حركاتها باتّجاه الأمام أو الخلف مصيرها المشترك.

بمثل هذا العمل التأريخي غير التخيلي، يكون طرابلسي قد أسس للبنة أخرى تراكمية فوق شغل سابق قدمه بخصوص الحرير في شرق المتوسط بشكل خاص. كما بخصوص نمط الإنتاج بكليته في لبنان والمنطقة أيضًا. كل هذا عبر منهجية التحقيق في حياة الناس وأفعالهم وأرزاقهم وعلاقاتهم لا ما قيل فيهم وعنهم، بشكل يذكر بمنهجية المؤرخ الراحل هوارد زين، الذي كان يرى أن مصادر التاريخ الأساسية هي لدى يوميات الفلاح وأحداث حياة الإسكافي وذكريات الجندي وغيرهم ممن يمارسون الحياة بصفتها حياتهم هم، أكثر من كون المصادر عائدة لما كتب أو تم تخيله وتأطيره مؤسسيًا.  

 

اقرأ/ي أيضًا:

4 كتب مذكرات تروي زماننا

حزب الله ومسألة الدولة المدنية وولاية الفقيه والطائفية السياسية