الحرب الأهلية اللبنانية في خمس روايات

الحرب الأهلية اللبنانية في خمس روايات

خريطة بيروت لـ مروان رشماوي/ لبنان

يقول زهير بن أبي سُلمى: "وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم/ وما هو عنها في الحديث المرجمِ". لعلّ ذلك ما قدّمته العديد من الروايات اللبنانية التي تمخضت عنها الحرب الأهلية. عشرات الروايات رصدت هذه الحرب بتداعياتها ونتائجها، وهناك من يرى أن هذه الحرب صنعت الرواية اللبنانية الحديثة، أو شكّلت حاضنة لولادتها. هنا وقفة مع 5 من أبرز الروايات اللبنانية.


1- طيور الهوليداي إن

تدور رواية "طيور الهوليداي إن" للروائي ربيع جابر (دار التنوير، 2011) داخل بناية سكنية مأهولة بعائلات مختلفة محمّلة بالحكايات في حي الأشرفية، أحد أحياء مدينة بيروت، في ظلّ الحرب الأهلية اللبنانية ما بين سنتيّ 1975 - 1976، مقدّمًة نموذجًا عن الصراع المسلّح بين الطوائف اللبنانية الذي نتج عنه آنذاك ظهور بيروتين؛ شرقية وغربية، بترصد بذلك توحش الحرب المتمثّل بتوحش المقاتلين، الذين عمدوا إلى ترويع السكّان كطريقةٍ لإظهار ما يتمتّعون به من قوة.

تتمحور رواية ربيع جابر حول الفقد، بكلّ أشكاله، كونه أحد أبرز العناصر الحاضرة في الحرب عمومًا، وفي الحرب الأهليّة اللبنانيّة خصوصًا، حيث يبدو ذلك واضحًا من خلال قائمة المفقودين التي يبدأ بها جابر روايته، وينتقل بعد ذلك لسرد حكايات الحرب والتهجير من خلال سكّان بناية المبرومة، والتي تختلف من عائلةٍ إلى أخرى في محاولةٍ منه لفتح نوافذ عديدة للقارئ على تلك الحرب من كلّ جوانبها، إذ أنّه يروي أيضًا حكايات تتولّد من الحرب ذاتها وتدور في إطار الحالة الاجتماعيّة لسكّان تلك البناية في ظلّ الحرب، كتحوّل مختلٍّ عقليّ إلى قاتلٍ محترف واضطهاد رجل لزوجته جنسيًا أمام أطفالهما، مقدّمًا بذلك وصفًا عن تلك المرحلة في تاريخ لبنان من خلال سكّان بناية.

2- سينالكول

في روايته "سينالكول" (دار الآداب، 2012) يروي إلياس خوري سيرة الحرب الأهليّة اللبنانيّة من منظورٍ مختلف، مؤكّدًا أنّ الحرب التي انتهت في الواقع لا تزال مُستمرّة داخل نفوس اللبنانيين، حيث لا يزال البعض يعيش صراعًا مع ذكرياتها التي تتّصف بالقسوة والبشاعة. كما يتناول أيضًا عدّة مواضيع تشكّل، بالإضافة إلى الحرب، خلفية الرواية، فشل اليسار اللبناني وتراجع دوره بعد انتهائها، وظهور الأحزاب الاسلاميّة المتشدّدة، بالإضافة إلى ظهور طبقة جديدة من الأثرياء الذين كونوا ثروتهم بفعل الحرب والسلاح والفوضى.

تقوم الرواية على حكاية التوأم كريم ونسيم، اللذين يمثّلان الشعب اللبناني في انقسامه أثناء الحرب الأهليّة، حيث نجد الأول منحازًا لليسار ومقاتِلًا فيما بعد في صفوف حركة "فتح" الفلسطينية، بينما نجد الثاني مقاتِلًا شرسًا في صفوف "حزب الكتائب"، وهذا ما أحدث بطبيعة الحال شرخًا بين الاثنين نالَ من وحدة العائلة الصغيرة المكوّنة منهما، بالإضافة إلى الأب نصري الذي يمثّل على ما يبدو في الرواية "لبنان"، والذي كان يراقب حالة الانقسام والصراع بين ولديه بصمت،، تمامًا كما كان يُراقب لبنان حالة الصراع بين أبنائه المُنقسمين بين مسلم ومسيحيّ.

3- الذكريات الملغاة

تركز رواية "الذكريات المُلغاة" (دار نوفل، 1998) للروائية نازك سابا يارد على الجانب الاجتماعي للمواطن اللبناني والآثار النفسيّة التي خلّفتها الحرب الأهلية داخله، دون أن تبتعد عن ذكر الآثار الماديّة كالخراب والدمار والموت، باعتبارها مولّدًة للأثار النفسيّة التي لعبت دورًا مهمًّا، بالإضافة إلى الأوضاع الماديّة، في تفكيك الإنسان اللبناني وعلاقاته الاجتماعيّة والأسريّة لتعيد بذلك صياغة شخصيته مُنتجًة شخص مهزوز ومفكك.

تتحدث رواية "الذكريات الملغاة" عن عائلة لبنانيّة تعيش ظروفًا ماديًّة صعبة، تُجبر ربّ الأسرة شريف، الواقع ضحية حداثة المجتمع وتغلغل الفساد في مؤسّساته بعد الحرب، وانعدام القيم الأخلاقيّة والمهنيّة داخلها، كونه إنسانًا نزيهًا وصادقًا يرفض فكرة التقوقع داخل الطائفة والانعزال عن الآخرين، على هجر زوجته وابنته بعد فشله في التأقلم والتعايش مع محيطه الجديد، الذي يفرض عليه أن يكون شخصًا محسوبًا على طائفة تمكّنه من الوصول إلى ما يريد.

تضع نازك سابا يارد نموذجًا لذلك يتمثّل في شخصية جواد، صديق شريف وزوجته، الذي يحقّق مكاسب ماديّة واجتماعيّة بمساعدة طائفته وانتماءاته، ومن خلاله تقدّم الكاتبة صورة أخرى عن الحرب الأهليّة، تتمثّل في حرب اجتماعيّة موازية نُفكك الإنسان والمجتمع اللبنانيين، وهي ناتجة بطبيعة الحال عن الحرب الأولى.

4- حارث المياه

لا تتناول الروائيّة هدى بركات في روايتها "حارث المياه" (دار النّهار، 1998) الحرب الأهليّة وما خلّفته من آثارٍ نفسيّة وماديّة فقط، بل تذهب إلى الحديث عن الأقمشة وتاريخها وأصنافها المختلفة، محاولًة بذلك خلق مكانٍ لها بين شخصيّات الرواية الأساسيّة، جاعلًة منها كائنًا حيًّا عايشَ الحرب بمختلف مراحلها، لتجد نفسها في النهاية وحيدًة برفقة بطل الرواية أسفل متجر والده.

تدور رواية "حارث المياه" في أماكن عدّة، لكنّ الكاتبة تركّز على وسط مدينة بيروت التجاري، مقدّمًة صورتين مختلفتين زمنيًّا عن ذلك المكان، قبل الحرب وبعدها، وذلك من خلال بطل الرواية الذي يهجّر من منزله مع بداية الحرب، ليجد نفسه تائهًا في المدينة، ومن ثمّ متجولًا في سوقها الواقع في وسط المدينة، حيث دكّان والده، عارضًا لنا حالها بعد أن دمّرت وأحرقت ونهبت، منتقلًا بعد ذلك للحديث عن نفسه، ولجوئه إلى مستودع الدكّان هربًا من جحيم الحرب المستعرة، مبتكرًا أساليب جديدة تمكّنه من العيش في واقعه الجديد، ساردًا للقارئ ذكرياتٍ تتمثّل في خيانة أمّه لوالده أمام عينيه في صغره، وحبّه لخادمتهم الكرديّة، وحكايات عن الأقمشة التي تحيط به في المخزن.

5- كوابيس بيروت

لا تعدّ رواية "كوابيس بيروت" (منشورات غادة السمّان، 1976) للكاتبة السوريّة غادة السمّان مجرّد يوميّات تسجيلية أو توثيقيّة لأحداث الحرب الأهليّة، التي عايشتها محاصرًة في منزلها الواقع ضمن منطقة اشتباك بين المسلّحين، إذ أنّها تحمل أيضًا دلالات مختلفة، تحاول تعرية حقيقة النفس البشريّة المتوحشة آنذاك للقارئ، وذلك من خلال 206 كابوسًا ترويها غادة بدون تجميل، من أجل تقديم صورة موسّعة عن الحرب من كلّ جوانبها، مستندًة في ذلك إلى الواقع الذي عايشته بنفسها.

تروي غادة السمان في كوابيسها حكايات الحرب والخوف والموت والجوع من جوانب عدّة، وتبدأها بمشهد قتل حبيبها على يد أبناء طائفته، ثمّ تنتقل بعد ذلك لسرد تفاصيل حياتها اليوميّة في ظلّ الحصار والمعارك الدائرة في الحيّ، واصفًة لنا بدقّة مشاهد الجثث الملقاة في الشوارع وتساقط الرصاص والقذائف على منزلها، مما أجبرها على تركه والعيش في الطاق الأرضي من البناية، وصراعها أيضًا مع الموت جوعًا بعد نفاذ الطعام من منزلها، وعدم قدرتها على الخروج من البناية خوفًا من القنّاصة، وبذلك تقدّم صورة بانورامية موسّعة عن تلك المرحلة في تاريخ لبنان، تمكّن القارئ من عيشها بكلّ تفاصيلها.

اقرأ/ي أيضًا:

جبور الدويهي.. حميمية السرد

ربيع جابر.. الفتنة البيروتية