إلى كنفاني... رحلت خفيفًا قبل أن تكبر الصحراء

إلى كنفاني... رحلت خفيفًا قبل أن تكبر الصحراء

مقطع من غلاف كتاب برقوق نسيان

"خيمة عن خيمة تفرق" ثم الصفيح والوحل وآب والصحراء، باقة الورد، صحن الكنافة، الساعة، سعاد وأم سعد، هكذا وقف غسان كنفاني في المنتصف، بين نكبتنا ونكستنا والأيام السوداء، هل كنت تدرك كثيرًا اللون الأسود في حياة الفلسطيني يا غسان؟!عندما كنت موجودًا، أي في زمانك، كانت الوجهة الصحراء، لكنها الآن كبرت.

كلما صرخنا "عودة" أخذوا دماءنا وسافروا بها إلى الدول المانحة من أجل الحصول على معونة

كنت يا غسان كالبرتقال تمامًا "يذبل إذا ما تغيرت اليد التي تتعهده بالماء" لكن ذبولك جعلك قادرًا على الخروج بكل تفاصيل لجوؤنا وخوفنا الذي لا يزال مستمرًا حتى اليوم، عن العتمة التي تهبط فوق رؤوسنا على الأرصفة والشواطئ، ونحن في انتظار سقفٍ ما، سقف يشبه ما تحدثت عنه في "أرض البرتقال الحزين"، أما الفرق؛ أنك كنت قريبًا جدًا من فلسطين، قريبًا إلى حد الالتصاق.

اقرأ/ي أيضًا: ساعة غسان كنفاني

كانت المدينة مليئة بالرماد وآثار الدماء ملطخة على الجدران حديثة جدًا، عندما صرت لاجئًا، لا سبعين عامًا تفصلك عن الوطن مثلي، وبدأت الخيام ترتصف المنفى لعلها تُوجِد أملًا ما في أوطان الآخرين، وبينما كنّا نبحث عن النجاة تحولنا إلى جثث تُرمى في نهاية الصحراء.. ونحن الآن نتحول إلى جثث تبتلعها الأسماك وأخرى في محطات القطار.. إنه اللجوء يا غسان، اللجوء الذي لم يستطع وصفه أحد منا كما فعلت، إنه الخوف والعتمة والطريق الذي يصعد لاهثًا.. الطريق الذي مهما اختلف يتشابه بالمجهول المختبئ خلفه..

ما زال الطائر الأسود يحوم فوق رؤوسنا، هلا علمتنا كيف نتجرأ لندق الخزان! لقد قتلوا كل جرأتنا فكلما صرخنا للقضية أعادونا للجوع، اصرخوا لـ"الفقر"، ثم نموت يا غسان في البحر وعلى الحدود والصحراء وفي خيام اللجوء التي تحولت إلى بنايات كبيرة، استبدلنا الخيمة وأصبحنا نناشد لأجل العمارات كلما هدمت فوق رؤوسنا، ونسينا الصراخ من أجل القضية، ها نحن كلما صرخنا "عودة" أخذوا دماءنا وسافروا بها إلى الدول المانحة من أجل الحصول على معونة، لم يصرخوا بحاجتنا للقضية قط.

فهذا الوطن الممدد على الأرض كجثة هامدة، مثل مروان وأبو قيس وأسعد، لم ينفع معه كل اتفاقات الدول منذ بداية الحكاية، لم يوصلنا إلّا إلى سبعين عامًا من الضياع والميراث المتواصل في التنقل عبر الأجيال، دون النظر إلى الساعة، إلى الوقت المسلوب من أعمارنا.

"انظر إلى الساعة يا أسعد، ست دقائق بالضبط، انظر، لماذا لا تريد أن تنظر؟" وكان من بينهم من يعد الدقائق رقمًا وراء الآخر، فيدق في رأسه ستين ثانية بعد ستين، داخل الصهريج تحت الشمس، وتدّق في رأس الغرفة الثانية، في اللجوء المجاور، ساعةً أخرى، لم يبق منها شيء، وفي المقابل تقف القضية تسأل من ينظر أخيرًا إلى الوقت، إلى الزمن المنتشل من بقايا الخوف والدمار، إلى صبرنا الذي يوصلنا حيث الموت.

يا رحمة الله عليك يا غسان، ربما أقول لك ما قلته للأستاذ سليم في "رجال في الشمس" بصورة مشابهة، "لا شك أنك ذو حظوة عند الله حين جعلك تموت قبل هذا البؤس الذي وصلت إليه قضيتنا، على الأقل كنت في وقتٍ ما زال فيه الوطن طازجًا ولم تبهت قضيته.

ها نحن نُرمى من طريقٍ إلى آخر، عشرون دينارًا لا تكفِ الآن، عشرون دينارًا لا تتركنا على الطريق، إننا بحاجة إلى عشرين ألف موتٍ وأكثر للنجاة، ولم ننسَ الخلاء وآب، والشاطئ المترامي في السراب، كيف ستمطر؟ لم ننسَ، يا غسان لم ننسَ، لكنّ الوهم المحيط بنا يجعلنا نرى غيمة فوق رأس كل صحراء تحيط بنا.

لماذا تركتنا في الوسط دون أن تخبرنا ماذا حدث بـ"برقوق نسيان"؟ كنّا بين زياد وأبو قاسم نتساءل، كيف يمكن أن تصبح باقة الورد وصحن الكنافة تهمة؟! كيف نغسل المكان الملطخ ونستعيد القضية وجسدك الذي صفعه الانفجار، كله مؤجل، كله مؤجل! بل لا وجود لشيء ليؤجل بعد خوفنا من دقّ الجدار، بعد أن أصبحت أجسادنا محشوّة بالتراب والشوك والدماء كـ "فضل" تمامًا، منادين: "ولكو أسّا أنا الذي تمزعت قدماه، وهذا الذي تصفقون له؟"

يا حكاية رعبنا، ما زالت قصصك ندية رطبة تتجاوزنا وتصل إلى الأجيال القادمة، كل ما علينا فعله، الجلوس لنضيّق حدقة عيوننا من أجل الحقيقة، تقشعر أبداننا ونحن نقرأ الوطن، ما كان يجب أن يحدث كل هذا، كان على الانفجار التروي قليلًا قبل أن يأتي صداه بعد 48 عامًا إلينا، رحلت سريعًا خفيفًا، بعد "رحلة عجيبة كنت تظنها مأساة لكنها أصبحت بعد ذلك مغامرة"، وتركت المأساة مع صوت الانفجار، كلما سمعناه في هذه المدينة التي تشبه بيروت في اللجوء والخوف والموت، قلنا "إنه اغتيال كغسان".

غسان، ما زالت قصصك ندية رطبة تتجاوزنا وتصل إلى الأجيال القادمة، كل ما علينا فعله، الجلوس لنضيّق حدقة عيوننا من أجل الحقيقة

ما زالت يدك حاضرة كأنها تخبر الرسالة الغبية الموجودة في المكان أن الانفجار يستطيع أن يهدم الجسد كاملًا لكنه أبدًا لن يهدم قلمك.. مازال صراخ ليلى على الباب "بابا.. بابا.. لقد قتلوك" حاضرًا كأن الاغتيال صار أمسًا، كأنك وصلت صيدا البارحة وكتبت "صرنا لاجئين".

اقرأ/ي أيضًا: غسان كنفاني.. الإقامة في زمن الاشتباك

إننا في انتظار دخول الجيوش العربية حتى اليوم، في انتظار الساعة الثانية عشرة يا غسان، لو لكزناك هذه المرة هل ستأتي معنا لتشهد دخولهم؟ هل ستخرج معنا حفاة في منتصف الليل إلى الشارع الذي يبعد عن القرية كيلومترا كاملًا أم "أننا سنموت كثيرًا، كثيرًا نموت إلى أن نصبح فلسطينيين حقيقيين وعربًا حقيقيين" كما قال درويش في رثائك..

 

اقرأ/ي أيضًا:

غسّان كنفاني.. العودة إلى الدرس الأول

كتارا للرواية العربية 2018.. إرث غسّان كنفاني المتكامل