العودة إلى متون غسان كنفاني

العودة إلى متون غسان كنفاني

غسان كنفاني خلال مؤتمر صحفي

"أرض البرتقال الحزين" هي القصة التي سُمّيت باسمها المجوعة القصصية الثانية (1962) للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني، الذي لم يتنازل في هذا العمل عن خصوصية كتاباته التي تُقدّم للقارئ العنصر الأهم عند القراءة وهو المتعة المنبثقة من سهولة السرد ونسج الحكايا، وقوة وضوح الشخصيات، وفق تصور زماني ومكاني يرتبط بفلسطين وأبنائها.

أحيا الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني كل ما في الذاكرة من تفاصيل لهجرتنا ومأساتنا حتى باتت وكأنها تحدث الآن مع كل قراءة

وكما جرت العادة، يختار غسان كنفاني شخصيات أبطاله من واقع تجربته الأليمة حين أصبح لاجئًا كما الآخرين في عمر التاسعة، هؤلاء الأبطال الذين يكتب عنهم بسلالة يجعلهم يمضون في حياتهم إلا أنه يُصور ما مروا فيه من معاناة، وما عاشوه من شقاء، في نصوص تستنطق الألم والجراح.

اقرأ/ي أيضًا:ساعة غسان كنفاني

في "أرض البرتقال الحزين" التي كتبت في الكويت عام 1958، يقدم الكاتب بطله الأول وهو الواقع الفلسطيني لحظة النكبة واللجوء عن طريق الصديق المسيحي "السارد"، الذي كان شاهد على تفاصيل كثيرة منها هجرة أب الصديق وعائلته، وصعودهم معًا بالشاحنة التي ستنقلهم الى لبنان، لتبدأ معاناة هذه العائلة برحلة اللجوء دون مساعدة من أحد سوى العم الذي أمّن لهم مسكنًا لثلاثة أيام فقط في غرفته، لتسقط الأحلام بالعودة إلى الوطن مع هزيمة الشعوب العربية في حرب عام 1967: "وانتهت السيارات فجأة. وعدنا إلى الدار منهوكين نلهث بصفير خافت. وعندما أضاءت وجه أبيك سيارة عابرة كانت دموعه تملأ وجنتيه"، ما جعل الأب يعاني من انكسار ذاتي وهزيمة جعلته يفكر بالانتحار أكثر من مرة. هذا الانكسار الذي انعكس على جميع أفراد العائلة من الأم والأولاد.

عبث الواقع وصعوبة البدء بحياة جديدة وكريمة وانتهاك الروح والجسد، ربما لأجيال ما بعد النكبة، هو ما جسّدته القصة بكافة تفاصيلها ومعاناتها حين يقول السارد: "عندما كنت ابتعد عن الدار كنت أبتعد عن طفولتي في الوقت ذاته، كنت أشعر أن حياتنا لم تعد شيئًا لذيذًا سهلًا علينا أن نعيشه بهدوء. إن الأمور قد وصلت إلى حد لم تعد تجدي في حله إلا رصاصة في رأس كل واحد منا".

استطاع صاحب "رجال في الشمس" من خلال تفاصيله الدقيقة في السرد والوصف أن يحمل القارئ إلى إلى هناك، إلى يافا، إلى الأمكنة الفلسطينية الأولى، وأن نشم البرتقال التي وصفت فيه المدينة، وأن نركب الشاحنة ونرافق العائلة إلى مكان لجوئها الجديد: "وحقول البرتقال تتوالى على الطريق، وشعور بالخوف يتآكلنا جميعًا، والسيارة تصعد لاهثة فوق التراب الندي، وطلقات بعيدة كأنها تحية الوداع".

هكذا أحيا ما في الذاكرة من تفاصيل لهجرتنا ومأساتنا حتى باتت وكأنها تحدث الآن.

تنتمي هذه القصة إلى أدب النكبة، نسبة لما يُعرف بنكبة الشعب الفلسطيني بعد احتلال أرضه عام 1948 من قبل القوات الصهيونية. وتكمن أهمية هذا الأدب في إلقاء الضوء على ما تفعله الحرب بالروح الإنسانية من خراب عميق، وهو أيضًا أدب يحمي الهوية ويجعلها غير قابلة للاندثار.

محمود درويش: "نسفوك، كما ينسفون جبهة، وقاعدة، وجبلًا، وعاصمة، وحاربوك،..  كما يحاربون جيشًا لأنك رمز، وحضارة جرح"

اقرأ/ي أيضًا: غسان كنفاني.. الإقامة في زمن الاشتباك

لنختم بكلمات محمود درويش في رثاء غسان كنفاني بعد اغتياله عام 1972: "طوبى للجسد الذي يتناثر مدنًا. وطوبى للقلب الذي لا توقفه رصاصة. لا تكفيه رصاصة! نسفوك، كما ينسفون جبهة، وقاعدة، وجبلًا، وعاصمة، وحاربوك،..  كما يحاربون جيشًا لأنك رمز، وحضارة جرح".

 

اقرأ/ي أيضًا:

إلى كنفاني... رحلت خفيفًا قبل أن تكبر الصحراء

غسّان كنفاني.. العودة إلى الدرس الأول