إسماعيل مالكي.. أن تترصّد للموت بصورة

إسماعيل مالكي.. أن تترصّد للموت بصورة

إسماعيل مالكي

ينتمي إسماعيل مالكي (1989) إلى جيل جديد من المصورين في الجزائر، تجاوز منطق التأريخ للحدث بالصورة، حيث يكون الدافع جماعيًا، عائلة أو مؤسسة، إلى منطق التأريخ بها للحظة، حيث يكون الدافع ذاتيًا، ومعبّرًا عن رغبة الذات المصورة في أن تكون في واجهة المشهد، بعد أن بقيت خارجه منذ أول صورة فوتوغرافية حقيقية عام 1826 على يد العالم الفرنسي جوزيف نيبس.

الطفولة التي يتحدث عنها إسماعيل مالكي، كانت في عز هيمنة الخوف والعنف والإرهاب في الجزائر

هذه الفلسفة هي ثمرة لولادة هذا الجيل بالتزامن مع سقوط جدار برلين في ألمانيا، و"انتفاضة أكتوبر" في الجزائر، بكل ما أنجر عنهما من سقوط أقنعة الأنظمة الشمولية القامعة لأسئلة الذات في الفن والحياة، لصالح الإجابات الجاهزة باسم الشرعيات المختلفة. كما تعد الفلسفة التي مهدت لظهور ثورة "السيلفي" التي ألغت سؤال: "من يصور المصور؟".

اقرأ/ي أيضًا: يوسف الإمام.. جمهور المراهقين المصريين هم هدفي

جاء مالكي إلى فن التصوير من مناخات الفن التشكيلي الذي مارسه هاويًا ثم دارسًا، ومهد لهذا الانتقال بتخصصه في رسم الملامح والوجوه، فن البورتريه، من ذلك التجربة التي خاضها عام 2011 في إطار "المهرجان الوطني للمسرح المحترف"، برسم بورتريهات لضيوفه من المسرحيين والإعلاميين والكتّاب. "ليس فن البورتريه ما أحالني على الصورة، فقد ارتبطت علاقتي بها بطفولتي، لكنه جعلني أقربَ إليها وأكثرَ شغفًا بها وطرحًا للأسئلة بخصوصها".

 

الطفولة التي يتحدث عنها صاحب صورة "ذات القبعة الحمراء"، كانت في عز هيمنة الخوف والعنف والإرهاب في عشرية الجزائر السوداء، منتصف تسعينيات القرن العشرين، شرق الجزائر العاصمة، منطقة بني عمران تحديدًا، والذي ارتبط في الأذهان يومها بإزهاق النفوس وقطع الرؤوس. "كان غيري من الأطفال يسمعون عن الدم والقتل والدفن في الحكايات فقط، وكنت أرى ذلك بنفسي، يوميًا تقريبًا، حيث كنت أتمنى امتلاك مصورة، لا لأصور الوجوه بعد قتلها، بل قبل ذلك حتى أنقذها من الموت".

هذه الخلفية العميقة في مخيال ووجدان إسماعيل مالكي، ربطت فن التصوير في وعيه بمحاربة الموت والترصد لأشكاله المختلفة، بحيث لم تعد الكاميرا إلا سلاحًا في خدمة الحياة: "لا أفهم الضغط على الزر أنني التقطت صورة، بل أطلقت رصاصة على الموت والفناء، لذلك لا أشترط على من أصورهم أن يبقوا ثابتين، لأنني أصور أصلًا انتصارًا للحركة".

اشتغل مالكي على مختلف الوجوه، في مختلف الأعمار والجهات، لكنه شغف أكثر بالتقاط ملامح الأنثى. "ليس انحيازًا ذكوريًا سطحيًا، بل هو خيار فني ووجودي بالدرجة الأولى، وما كنت لأفعل ذلك لو كنت خرّيج بيئة، تجاوزت التفريق بين مواطنيها على أساس الجنس. إن تسخير الفن لإضاءة هواجس وأسئلة وأحلام ومتاعب المرأة في العالم الثالث، من المهام النبيلة التي على الفنانين أن يضطلعوا بها".

المصور الجزائري إسماعيل مالكي: "نحن مجتمع يتلذذ ببخله في إسعاد إناثه"

من النادر أن نجد في ألبومات مالكي وجهًا أنثويًا يبتسم أو يضحك، ليس انتصارًا لثقافة العبوس، بل تنبيهًا إلى جرعة الوجع والخيبة والحزن في يوميات الطفلة والفتاة والمرأة والعجوز. "إذا وجدت عربيًا يقول إنه شاهد أخته أو أمه أو جدته، تضحك أكثر مما تحزن، فهو إما ينتمي إلى أسرة مثالية مقيمة في الأحلام، وإما يكذب عليك". يلخص فكرته: "نحن مجتمع يتلذذ ببخله في إسعاد إناثه".

اقرأ/ي أيضًا: "ونوس".. جنة شياطين عبد الرحيم كمال

قرر مالكي في السنتين الأخيرتين أن يُدخل إلى ألبومه وجوه الشعراء والروائيين والمسرحيين، فكان المصورَ الرسميَّ لأكثر من تظاهرة ثقافية منها "ليالي الشعر العربي" التي أشرف عليها الشاعر بوزيد حرز الله، و"المهرجان العربي الأفريقي للرقص الفلكلوري". يقول: "على الفنان العربي أن ينتبه إلى معطى خطير، هو أنه بات أقلَّ عفوية من المواطن العادي، وبات يلغم لحظة التصوير بشروط لا تسعى إلى تجويد الصورة التي تأخذ مصداقيتها الجمالية والإنسانية من عفويتها، بل إلى تضخيم الذات".

فن البورتريه عند مالكي، لا يقتصر على ملامح الوجه البشري فقط، بل شمل ملامح المكان أيضًا. "للمكان روح وعواطف وملامح ونبض، وعلينا الانتباه في الجزائر، إلى أننا تركنا أمكنتنا تعاني يتمًا في مجالات الفن المختلفة. في فن التصوير مثلًا، لم نلتقط ملامحها إلا من باب الاستعراض السياحي، وهذا شوّهها من حيث كان القصد أن نضيئها".

هذا الاهتمام، دفع بمالكي إلى خوض رحلة إلى الصحراء الجزائرية، ورصد لحظاتها المختلفة، ليكون ذلك مشروع تخرجه من "مدرسة الفنون الجميلة"، قسم التصوير بمدينة تيزي وزو عام 2015. 

اقرأ/ي أيضًا:

النظام السوريّ يحوّل "أبو عصام" إلى فيمينيست

"القنّاص الأمريكي".. قنّاص الخدع