أوليفر ستون:

أوليفر ستون: "أنا مُحَصن ضد الإحباط"

المهم أن توظف الغضب وتحاول أن تجعل منه غضبًا إبداعيًا (جاف أوفرس/The Talks)

أوليفر ستون، هو مخرج وسيناريست أمريكي، من مواليد 1946، وهو حائز على جائزة الأوسكار ثلاث مرات (جائزتين كمخرج وجائزة ككاتب سيناريو)، عرف بانتقاده للمجتمع الأمريكي وسياسة الحكومة الأمريكية. وفي هذا الحوار، المترجم عن الرابط التالي، نتعرف عن حياته قبل ولوج عالم الشهرة، كيف يعيش الوضع في هوليوود وفي بلده الولايات المتحدة حاليًا وسابقًا، وماهي طموحاته.

أوليفر ستون: "لا يمكنك فعل أشياء معينة في منظمة مردوخ وديزني فهم لديهم قوانينهم الخاصة"

سيد ستون هل تصرفت يومًا بطريقة غير أخلاقية خلال مسيرتك المهنية؟

عندما كنت شابًا يافعًا وكان لزامًا علي أن أعمل لأجل لقمة العيش، قمت ببيع المخدرات لمدة قصيرة خارج شقة في نيويورك. كان اسم المخدر إيثيل أمين الفينسيكليدين، وهو ما يسمى هذه الأيام بـ "كرة السرعة". كان عقارًا من نوع "الرافع الخافض" الذي يأخذك إلى الاتجاهين. بعته لفترة من الوقت، لكني لم أستطع تحقيق أرباح كبيرة، لأنه كان جيدًا إلى درجة أنك لم تكن تستطع تعاطيه بجرعات كبيرة. كان أشبه بعقار نفسي. لا تستطيع جني المال من بيع الـ LSD لأن الناس لا يشترون الكثير منه. ليس كمثل الكوكايين الذي تستطيع جني المال منه، أو الهيروين. لقد كنت مثقفًا بالنسبة لبائع مخدرات، لكني قابلت أشخاصًا مثيرين للاهتمام. أسميها فترة عمل قصيرة.

ما السبب الأساسي الذي دفعك للدخول في تجارة المخدرات؟

كنت في منتصف العشرينات، وكنت في حاجة شديدة إلى المال. كنت في حاجة إلى المال إلى درجة أنني عملت سائقًا لسيارة أجرة وجميع أنواع "الأعمال القذرة". كنت أحاول البقاء فوق سطح الماء حتى أستطيع كتابة سيناريوهين في العام على أمل أن أحقق طفرة ما. لم أعد أفعل ذلك الآن. حتى أنني توقفت عن تدخين الحشيش منذ سنتين.

لماذا تخليت عن الأمر؟

لأني لم أرد أن أصبح مدمنًا. كنت أتناول أقراص منومة إذا لم أستطع النوم، لكني لم أرد أن أصبح مدمنًا. وإذا اضطررت لإكمال يومي دون نوم سأفعل ذلك. لا أريد أن أصبح عبدًا لأي شيء، رغم أننا جميعًا عبيد بطريقة أو بأخرى. لكني أعمل حقًا على التخلص من أي إدمان.

اقرأ/ي أيضًا: جودي دينش: "أعاني خوفًا غير منطقي من الملل"

هل تفتقد سنوات الحرية المطلقة في السبعينيات والثمانينيات؟ كانت هوليوود أكثر إثارة وربما أكثر إبداعًا؟

أصبحت الشركات أكبر لأن المال أصبح أكثر. لم يعد هناك الكثير من المستقلين في المناصب التنفيذية لأنهم أصبحوا بيروقراطيين بشكل كبير. مديرو الإنتاج لم يعد لديهم نفس الطابع الذي كان لديهم سابقًا، لأنهم أصبحوا متساوون تقريبًا مع مديري التسويق. هذا هو الفرق الذي أراه اليوم. يسري لدي شعور نادر بالسعادة عندما تحب شركة لإنتاج أفلام شيء ما، وتدعمه فعلًا.

مؤخرًا عملت مع تيري سيمل ومايك ميدفوي، وكانوا يستغلون الفرص، لدي خبرة جيدة مع يونيفرسال كذلك؛ دونا لانجلي التي عملت معها في فيلم "المتوحشون"، امرأة جريئة. لكنها تعمل لدى شركة المحطات التلفزيونية العملاقة "كومسات"، وهم محافظون في الحقيقة لذا لا أحد يعلم ماذا سيحدث مع الوقت. لا يمكنك فعل أشياء معينة في منظمة مردوخ وديزني، فهم لديهم قوانينهم الخاصة.

ينطبق هذا الوصف على السنوات الماضية أيضًا، أليس كذلك؟

أجل، فقد كانت شركة MGM، وغيرها من الشركات ذات حس نقدي. كان على جاك وارنر أن يكافح بكل ما أوتي من قوة ليتمكن من صناعة أفلام عن التهديد الألماني في الثلاثينيات. كانوا دائمًا حذرين وخائفين. لويس ماير أيضًا كان واحدًا من أسوأ المنتجين. كان عليه أن يلتزم بالخط المرسوم. لم يكن يريد من ممثليه أن يفعلوا أي شيء استفزازي. اليوم تستطيع صناعة فيلم استفزازي، لكن بسبب التكنولوجيا هناك الكثير من الأفلام الذي سيتوجب عليك منافستها. لدينا سبعة أفلام في كل نهاية أسبوع، هذا أمر سخيف. قبل سنوات كان الأمر أقل ازدحامًا.

أوليفر ستون: "المنتجون حذرون دائمًا ولا يريدون من المخرجين أو الممثلين أن يفعلوا أي شيء استفزازي"

ما هو شعورك حيال اللحظة الراهنة بالنسبة لعالم الأفلام؟

حسنًا، لقد وصلنا إلى عتبة 100 سنة من صناعة الأفلام، وقد تم التطرق إلى الكثير من المواضيع والقصص، فما العمل إذًا؟ في هذه الأيام، هناك شعورٌ بنوعٍ من الواقعية الساخرة، وتشاؤمٌ شاملٌ يعم الأجواء، وهذا الشعور ينظر بشيء من الاستغراب، إلى العالم اليوم، ويعتبر أنه يوفر أكثر بكثير للجميع مما كان يفعل من قبل، فعلى سبيل المثال، في هوليوود لا ينبغي أبدًا أن ينتهي الفيلم بنظرة جد متفائلة: فلا بد أن تكون النهاية مكتئبة أو محل جدل، وإلا تُتهم بأنك مفرطٌ في العاطفية، أو ربما لا تُؤخذ على محمل الجد، ويبدو أن هذا الجو سيستمر لفترة. لم نعد نشاهد نهايات جيدة، إنه عالم الحزن والكآبة، وعليك أن تكون واقعيًا ساخرًا.

هل أنت شخصٌ تؤمن بالمثالية؟

أجل أنا كذلك! وأنا أيضا رومانسيٌ - ولكن لحظة، أشعر وكأنني أعَمِم شيئًا ما في التعبير عن مشاعري.. أنا أشعر أن في جميع أنحاء هوليوود، البطل لا يفوز، وكل ما عليه فعله، هو فقط الاستمرار في عيش حياته البائسة وتحمل ما يتخللها من عذاب. هناك جوٌ قاتمٌ وسط أرباب وكبار مسؤولي هذه الصناعة: أقصد النقاد، والمخرجين، وشركات الإنتاج.. كلهم يريدون إخراج أفلام قاتمة تثير الاكتئاب. أين هي بهجة الحياة؟ نحن بحاجة إلى ذلك. أنا أريد إخراج أفلام تبعث على التفاؤل. في حين كل ما أراه هو أن الأفلام، أصبحت تميل إلى حد ما، إلى تكريم النزعة الساخرة، وأنا لست سعيدًا بذلك.

اقرأ/ي أيضًا:  حوار عن الجنس والموت والكتابة مع تشاك بولانيك مؤلف "Fight Club"

كانت فترة السبعينيات أيضا عصرًا ذهبيًا بهذا المعنى..

لا تستفزني بمثل هذا الهراء! اشتهرتْ بعض الأفلام في حقبة السبعينيات لأنها أضفت نوعًا من الواقعية الجديدة على تلك الفترة -  وكان ذلك نوعًا من التغيير المرتبط بانتقال الأجيال من جيل الستينيات إلى جيل السبعينيات، وتمثل ذلك في شكل جديد من الحرية السلوكية - لكنها كانت متشائمة عمومًا. وكان لكل من Five Easy Pieces, Midnight Cowboy, Easy Rider  نهاية غير سارة، ثم فجأة أصبح العالم قاسيًا، لكنه، في كل مرة، يعيد التوازن لنفسه.

هل لديك أملٌ في أن يغير الجيل القادم من المخرجين الأشياء في هذا الصدد؟

أجل قد يكون الجيل الجديد أكثر تفاؤلًا، لكن مع ذلك، إبني مثلًا، وهو مخرجٌ أيضًا، وقد أصبح يميل إلى النزعة الساخرة، بشأن الوجهة التي تسير عليها الأمور، ولا زلت أكافح لإقناعه بعبثية هذا التوجه، لأنني لا أعتقد أن العالم محكوم عليه باليأس، بل هناك أملٌ وتفاؤلُ.

حتى في أمريكا؟ يصعب علي لمح بصيص أمل هناك

(يضحك) حسنًا، ليس هناك أمل، باستثناء تغيير الأجيال وإعادة نمط التفكير. ولكن هذا أمر مستبعد جدًا، لأن تراكم الأخطاء قد سد الأفق، خاصة وأن الأمور استمرت في التصاعد على مر السنين. إذا استمر المرء في التدخين مثلاً، سيلقى حتفه لا محالة، وما الذي نقوم به نحن؟ نواصل على نفس الطريق، بل والتمادي فيه. إنه نوع من رفض قبول ما نحن عليه، نوعٌ من إنكار الواقع، وتفشي الجهل ونقص التعليم في الطريقة التي نتحدث بها عن تاريخنا. لم نعتذر أبدًا عن فيتنام، ولم نُقر بالضرر الذي ألحقناه بالعراق.

أوليفر ستون: "لم نعد نشاهد نهايات جيدة، إنه عالم الحزن والكآبة، وعليك أن تكون واقعيًا ساخرًا"

هل تعتقد أن "النظام" يعتبرك خصمًا؟

لا أتمنى ذلك. أنا أحب أمريكا، وكان ذلك شعوري دائمًا. يمكن أن أكون سعيدًا في آسيا. يمكن أن أكون سعيدًا في أماكن أخرى في أوروبا. لكنني أبلي بلاء حسنًا هنا. قد لا يكون ذلك لفترة طويلة، وقد ينتهي كل شيء غدًا، لكنني تمكنت من القيام بإنجاز أعمال في أمريكا. وأتَقبل الأمور كما هي، ولست متأكدًا من أي شيء. ولا أعرف هل سأظل هنا في العام المقبل، وعليك أن تسير أمورك بهذه الطريقة. لدي مشروعين بالنسبة لهذه السنة، لذلك يحدوني الأمل أن تُتاح لي فرصة الاستمرار في عملي، لكن قد لا يتحقق الأمل. أنا مستعدٌ لخيبة أمل محدقة، و مستعدُ لمواجهة الازدراء والتهميش، لكنني  فخورٌ جدا بعملي.

لقد نلت بالتأكيد حصتك الوفية اللاذعة من قبل النقاد على مر السنين. هل أزعجك ذلك وأفْقدك صوابك؟

بالطبع يُزعجني ويُقلقني. انظروا إلى تشومسكي مثلاً: لا أستطيع أن أصدق أن الرجل لا يزال يقول ما قاله مرارًا لفترة طويلة، ومع ذلك لا تقوم وسائل الإعلام المهيمنة بنشر أعماله وتصريحاته وتعليقاته، ويستمر تجاهله ومحاصرته إعلاميًا من قبل هذه المنابر الرئيسية. ومع ذلك يصمد ولا يبرح مكانه ومواقفه، ومثل هذا الشخص يفرض عليك التقدير والإعجاب. عليك أن تصمد في وجه الصعاب. هناك تقليدٌ راسخٌ من المعارضة في هذا البلد، وستعرف الكثير عن  هؤلاء الأشخاص مثل تشومسكي أو جورج سيلبي أو يوجين ديبس.. الذي ترشح أربع مرات للرئاسة! وقد عانى برتراند راسل كثيرًا. لقد تعلمتُ أن المرء إذا شعر بقوة حيال شيءٍ ما، لا يمكنه التراجع، لكن عليك أيضًا أن تدرك أنه في أمريكا، قد تكون شخصية هامشية ".

هل تعتبر نفسك ضمن هذا التقليد؟

لا أريد أن أكون جزءً منه،  لدي بعض القدرة على الوصول إلى التيار الرئيسي من خلال الدراما، ولكن عليك أن تقدم إنتاجًا ذي صلة، عليك أن تجعله مثيرًا ويجذب الاهتمام! وكل ما أفعله هو محاولة انتقاء موضوع المادة وتشكيله بحيث يمكن للمشاهد أن يراه على الشاشة ويُمكنه متابعته، يتطلب الأمر إضفاء قدر من التوتر عليه. كيف يمكنني أخذ موضوع ممل عن الاقتصاد وجعله مفعمًا بالتوتر؟

ما الذي يجعلك تواصل مسيرتك على الرغم من الانتقادات؟

الغضب؛ الغضب من سيل الأكاذيب! عندما تولد، يكذبُ عليك والديك، هناك شتى أنواع الأكاذيب: الأشياء التي أجريتها في المجال الطبي دون أن يخبرونك عنها، والأشياء التي تحدث لك ولم يبلغوك عنها، كلهم مخادعون.  ثم ذهبتُ إلى فيتنام وتعاظم حجم الكذب؛ كانوا يتحدثون عن الديمقراطية،  كما لو كنا فعلاً نحن الأخيار، لكننا لم نتصرف تصرف الأخيار! كنا نتصرف مثل الحمقى!

ومن ثم، كان لا بد في نهاية المطاف أن ينمو الشعور بالغضب مع مشاهدة استمرار الأكاذيب. والآن عدنا إلى حرب أخرى. إن ما يجري في العراق هو مجرد استمرار لعقلية فيتنام. أين هو الفرق؟  لماذا لا يحِق لي أن أصاب بالجنون؟ المهم، أن توظِف هذا الغضب وتحاول أن تجعل منه غضبًا إبداعيًا بدل أن تستكين لمرارته. لكن أشعر بالغضب مع ذلك.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

لطيفة الزيات تروي قصة بدايات حركة الترجمة في مصر

9 أفلام أمريكية ستطالها الفضائح الجنسية لهارفي واينستين