حوار عن الجنس والموت والكتابة مع تشاك بولانيك مؤلف

حوار عن الجنس والموت والكتابة مع تشاك بولانيك مؤلف "Fight Club"

تشاك بولانيك (Vice)

"أعتقد أن الأمر يسير نحو الأفضل. ففي نهاية المطاف، يتصرف كل شخص وفقًا لما يراه الاختيار الأمثل. فبطريقة أو بأخرى، يسعى الجميع إلى جعل العالم مكانًا أفضل". هذا ما قاله الكاتب تشاك بولانيك، الروائي والصحفي الأمريكي الذي اشتهر بروايته "Fight Club" التي تحولت فيما بعد إلى أحد أشهر أفلام السينما الأمريكية. وفيما يلي ترجمة لحوار أجراه معه موقع (The Talks). 

هل تعتقد أن رؤيتك للعالم تنعكس على خيالك؟

الأمر بالنسبة لي يتلخص في أحد خيارين، إما التركيز على الطريقة التي تسير بها الأمور بشكل رائع، وإما التركيز على الطريقة التي تسير بها الأمور بشكل بائس. أنا أكثر شغفًا بتفاصيل الحياة التي تأتي بعد نهاية القصة، فالناس يميلون إلى إثبات صمودهم وقوتهم، ويتمادون في ذلك على مدار فصول القصة.

تشاك بولانيك: لقد كانت حياتي أشبه بحياة راهب، فقد كنت أقرب إلى الكاهن الذي يأتي إليه الناس، ويقصون عليه قصصهم الفظيعة

إنه الأمل والإيجابية. ورواياتي تميل أيضًا إلى نقل الأشخاص من العزلة إلى الجماعة -على الأقل برفقة شخص واحد آخر-، وعادةً مع مجتمع كبير من الناس. وبالتالي، يجد هؤلاء الأشخاص أنفسهم مقبولين من جديد لدى العالم الذي هربوا منه.

أتفهم ذلك، ولكن، لماذا تتضمن رواياتك الكثير من الجنس والموت؟

أعتقد أن أحدهما يفسر الآخر. فالأفلام الكوميدية تنتهي بزفاف، والأفلام التراجيدية تنتهي بجنازة، وبالتالي يجب أن تدمج دائمًا الجنس والموت معًا.

كما حدث في فيلم "Fight Club" عندما قابل الشاب الفتاة في إحدى مجموعات الدعم النفسي لعلاج الأمراض. لذلك، تجد أن الإجهاض يحدث بشكل متكرر داخل رواياتي. فهو خليط مكون من الجنس والموت. إن وجود الجنس والموت وارتباطهما قدر الإمكان معًا، هدف دائم في رواياتي.

هل تنطوي حياتك في أي من مراحلها على جموح كالذي يتمتع به خيالك؟

كلا، لقد كانت حياتي أشبه بحياة راهب، فقد كنت أقرب إلى الكاهن الذي يأتي إليه الناس، ويقصون عليه قصصهم الفظيعة. فقد كانوا في حاجة ماسة لأن يدلوا باعترافاتهم لشخص ما، وعادة ما كنت أنا ذلك الشخص.

في الحقيقة، لا أحب أن أستقي قصصي من وسائل الإعلام المختلفة -فمثل هذه القصص سوف يعرفها الجميع- ولكني أحب أن استمع إلى القصص السرية، التي لن يتاح لأحد سماعها إلا من أصحابها الأصليين.

فمن خلال الأماكن التي يُدلي فيها الناس باعترافاتهم، مثل مجموعات الدعم، أو عن طريق الهاتف كما أفضل أنا، أو من خلال خطوط المناقشات الجنسية، تستطيع الاستماع لساعات من قصص أناس يتحدثون عن أوهامهم أو حتى خصوصياتهم. فلدى كل منهم شيء ما يؤرقه، يحتاج للتنفيس عنه من خلال الكلام.

وكيف تصل إلى الأشخاص الذين يُخبرونك بقصصهم السرية؟

أُطلق على تلك الطريقة، صيد السمكة الكبيرة باستخدام السمكة الصغيرة. إذ أختار إحدى القصص الصغيرة التي أراها بالفعل قصةً جديدة ومشوقة، ومن ثم أطرحها في المناقشة.

وفي كل مرة أطرح فيها تلك القصة الصغيرة، يبرز أمامي أحد الأشخاص الذين مروا بتجربة مشابهة في حياتهم الخاصة، ولكن بملابسات أكثر حدة. فالناس تتبارى في الادلاء بما لديهم عندما يكونون طرفًا في نقاش ما، ويطرحون تجاربهم في هذا النقاش بناءً على المساهمة السابقة.

اقرأ/ي أيضًا: ميلا كونيس: لا ترفعك هوليوود إلا لتطيح بك

وبالتالي، تتوارى القصة الغريبة التي طرحتها للنقاش، والتي عادةً ما تكون أحد تجاربي الشخصية، على الفور وراء نسخة مطابقة للقصة الأصلية من حياة شخص آخر، ولكنها أكثر جموحًا.

ومن ثم يأتي شخص ثالث يروي قصته الأكثر جموحًا من سابقيها. أدرك تمامًا أن هناك أحداث مشتركة تربط حياة الناس ببعضهم البعض، ولكن من بين كل هذه الاحداث المتشابكة، أبحث عن القصص الأكثر جموحًا.

"يجب أن تكون الكتابة نفسها متطرفة جدًا، وجامحة جدًا، وغاية في المرح، وذلك بغض النظر عن قدرتك على بيع الكتاب أم لا".

ما سبب هذا التطرف الشديد في الكتابة؟

لكي تستطيع توضيح تلك الأشياء التي تحدث لكل شخص. يجب أن تبدأ بشيء يخلق ألفة مبدئية، ويظل عالقًا في عقول الناس، ومن ثم، يجب أن تتجه إلى كتابة نسخة نهائية شاملة لكل التجارب المشتركة التي استقيتها من قبل.

وقد أخبرني مُعلم الكتابة الخاص بي، أنه يجب دائمًا أن تتحلى بالجرأة، ويجب أن تكون الكتابة نفسها متطرفة جدًا، وجامحة جدًا، وغاية في المرح، وذلك بغض النظر عن قدرتك على بيع الكتاب أم لا.

 

لقد قلت ذات مرة أن رواية "Fight Club" كانت مجرد نسخة محدثة نوعًا ما عن رواية "غاتسبي العظيم". فإذا كانت تتحدث عن الجيل الضائع في عشرينات القرن الماضي، ورواية "Fight Club" تتحدث عن خيبة أمل الرجال في تسعينات القرن الماضي. ما الذي تقدمه لتعبر عن ثقافة الجيل الحالي؟

أنا لن أجازف بالكتابة عما يمثله الجيل الحالي. فأنا أكره فكرة الكتابة أو التعبير عن الأحداث الحالية. فبمجرد الانتهاء من الكتابة عن الأحداث الحالية، سوف تصبح هذه الأحداث قديمة. منذ عدة سنوات، عندما زرت وكيلي الأدبي للمرة الأولى، أراني حافظة بطاقات مليئة بعشرات حبكات القصص التي كتبها عديد من الكتاب عن القساوسة الذين يتحرشون بالأطفال، وكان السبب وراء ذلك، امتلاء نشرات الأخبار طوال ذاك الأسبوع بحدث من هذا القبيل.

 

تشاك بولانيك: الأمر يتلخص في أحد خيارين، التركيز على الطريقة التي تسير بها الأمور بشكل رائع، أو التي تسير بها الأمور بشكل بائس

كان الجميع لديه نفس الفكرة، وكان الأمر كله مضيعةً للوقت. لذا، بدلًا من تتبع الأحداث الجارية، أهدف وأحاول أن أكتب شيئًا جديدًا كليًا، لكي أُوجه الثقافة قدر الإمكان، لا أن أتبعها.

لماذا يشير كتابك الجديد "Beautiful You" صراحةً إلى رواية "Fifty Shades of Grey"؟

صحيح، لقد كان عنوان العمل في الكتاب " Fifty Shades of the Twilight Cave Bear Wears Prada". فأنا مُغرم للغاية بفكرة إدمان الإثارة، والتي يبدو أنها مشكلة شبابية على الأغلب، كالألعاب الإلكترونية، والمواد الإباحية، وغيرها.

اقرأ/ي أيضًا: ماريون كوتيار: كان حلمي بسيطًا

وكانت فكرة القصة، محاولة استكشاف إدمان الإثارة، ولكن في إطار هزلي ارتجالي، من خلال تصويرها مع النساء، وهم الشريحة الأقل عرضة لهذا النوع من الإدمان. كما أردت أيضًا اقتباس بعض قصص مشاكل المرأة العصرية، واستخدام المشاكل التي يُنظر لها بجدية داخل القصة.

مشاكل المرأة العصرية، مثل ماذا؟

يظهر ذلك من خلال الشخصية الرئيسية في القصة، فتاة بيضاء فاتنة، لها صديقة سوداء جميلة، تلك الفتاة السوداء وقحة جدًا. لذا فكرت في تلك التهكمات التي تُلقى علينا مرارًا وتكرارًا، أن "نستخدم هذه التهكمات على أنها نكات، ونرى قدرة الناس على فهمها".

أعتقد أنهم سيفهمونها. وهو ما يدعوني لأن أقول أنك بالفعل تكتب عن واقعنا المعاصر

أريد أن أكتب عن كيف أن الكثير منا، عندما يعيدون النظر في الأحداث الكبرى في حياتنا، لا يعتقدون أنها حدثت بالفعل. إنها أفلامنا المفضلة، وكتبنا المفضلة، أشياء لم تشكل تجارب كاملة، تم تسهيلها من خلال منتج اشتريناه. وهكذا، فقد أردت أن أكتب عن ذلك. أنه أمر يحزنني جدًا.

هل سبب ذلك أن الناس يعيشون فقط من خلال وجوه مزيفة؟

بالضبط. فهم يجدون هوياتهم في سلسلة من المنتجات، ومن خلال تجربتهم لهذه المنتجات، وذلك بدلًا من الخروج من هذا الإطار والتحلي بالقوة، وخوض تجارب فريدة خاصة بهم.

لقد اشتريت منذ سنوات شواهد قبور لأجدادي، ومن ثم ألهمتني إحدى المقابر بفكرة جديدة، وهي حفر عدة شعارات لمنتجات مختلفة على شاهد القبر، لتعبر من خلالها عن هويتك للعالم.

اقرأ/ي أيضًا: كريستيان بيل: لا أعتقد أنّي خلقت من طينة المشاهير

فقد بين لي شاهد القبر أن هذا القبر خاص بفتاة صغيرة لقيت حتفها في حادث سيارة. وكانت هذه الفتاة لاعبة كرة طائرة جيدة، لذا، حفر والداها شكل كرة طائرة Voit على شاهد قبرها.

رباه! أعتقد أن ذلك غاية في الإحباط!

لقد كان جدي مزارعًا، وكان هناك مندوب مبيعات يعرض لي الجرارات الزراعية -جرارات جون دير الزراعية، أو جرارات الحصاد الدولية- قد يكون ذلك هو الرمز المناسب لكي أحفره على شاهد قبر جدي، والذي قد يبرز هويته عبر العصور.

هناك العديد من الصفحات التي بها شعارات للشركات التي قد تكون مناسبة لحفرها على شاهد قبرك، بجانب اسمك وتاريخ ميلادك وتاريخ وفاتك. إنه أمر محزن.

إن مثل هذه الفكرة يطبقها الناس الذين يعيشون حياتهم من خلال سلسلة من الخبرات التي يكتسبونها من مجموعة من المنتجات، كانت تمثل جزءًا كبيرًا من الكتاب الجديد. أعتقد أن شباب الألفية الجديدة يكافحون من أجل تحقيق أهدافهم وقيمهم الخاصة.

على صعيد آخر، هل أتعتقد أن حقوق المثليين تمثل مشكلة حقيقية في الوقت الراهن؟

هذه واحدة من بين العديد من القضايا الراهنة، ولكنني أخشى أن تكون هذه القضية مجرد مظهر آخر من مظاهر المساواة في الحقوق، مثل الموجة الثالثة من حقوق المرأة، عندما تطرح حقوق المرأة على نطاق واسع، وتقاتل من أجلها. ولكن ما زلنا بحاجة ماسة لرؤية جديدة تحفزنا للنظر إلى مسألة تتجاوز مسألة الحقوق وحسب. 

 

تشاك بولانيك: لن أجازف بالكتابة عما يمثله الجيل الحالي. فأنا أكره فكرة الكتابة أو التعبير عن الأحداث الحالية

وما طبيعة هذه الرؤية في رأيك؟

ما زلت أنتظر أن تطرأ فكرة ما في عقل أحدهم. لذلك لدينا أشياء من قبيل مهرجان "Burning Man". فمثل هذه المنظمة مثلًا تعد بمثابة مختبر يدخل إليه الناس لخوض تجربة تتعلق بالهيكل الاجتماعي والهوية. إنه أحد المختبرات الصغيرة التي تدعمها ثقافتنا الجديدة. وهذا هو السبب في أن كثير من كتبي تدور حول هذه التجارب الإنسانية البسيطة، التي تتسم بقصر أجلها، وتنطوي على المرح والإثارة، مثل حفلات التحطيم في رواية "Rant"، أو "Fight Club".

إن هذه المختبرات الجامحة التي سوف تمنحنا هذه الرؤية، رؤية لا تنتمي إلى الرأسمالية، ولا إلى الماركسية. أنت خارج هذه المنظومة، وبشكل ما، أنت خارج نفسك. الجميع متساوون، والجميع مضطرون للمشاركة، لا يمكنك أن تكون مجرد مشاهد.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مونيكا بيلوتشي: أحب أن أستكشف الجانب المظلم في البشر

فرانسيس فورد كوبولا: ليس لدي وقت للانتظار