06-أبريل-2016

محمد الصغير أولاد أحمد في تمثال لــ نجاة الغريسي

عاش مثيرًا للجدل حول شخصه وشعره ومواقفه السياسية، بل وحياته الشخصية، ورحل ليثير الجدل مرّة أخرى حول موته وكلّ الأشياء السابقة، إنّه الشاعر التونسي محمد الصغيّر أولاد أحمد الذي وافته المنيّة يوم 5 نيسان/أبريل 2016 بالمستشفى العسكري بتونس، وذلك بعد يوم واحد من عيد ميلاد ميلاده الحادي والستين.

يعتبر محمد الصغيّر أولاد أحمد من أهمّ الأصوات الشعرية المبدعة والمقاومة للاستبداد في المنطقة العربية

دفن جثمان الشاعر في مقبرة الجلاز بالعاصمة غير بعيد عن رفيقه وصديقه الشهيد شكري بلعيد اليوم، ويتأهب لفيف هام من الشعب التونسي لتشييع جنازة الفقيد الذي شغل الدنيا في حياته وموته، ليكون الشاعر الثاني الأكثر حضورًا والأكثر شهرة بعد شاعر الخضراء أبي القاسم الشابّي. 

اقرأ/ي أيضًا: تونس تودّع أولاد حمد

يعتبر الشاعر الراحل من أهمّ الأصوات الشعرية المبدعة والمقاومة للاستبداد في المنطقة العربية، إذ وظّف شعره لمقارعة دكتاتورية النظام السابق، حاملًا عذابات أهله من أرياف مدينة سيدي بوزيد، مسقط رأسه ومولد الثورة التونسية، ونال جرّاء مقاومته السلمية عقوبات بالسجن في منتصف الثمانينيات، وطرده من الوظيفة العمومية، إضافة إلى حجب دواوينه الشعرية، كما عرف بمعارضته الشديدة لحكم الإسلاميين فيما يعرف بسنوات حكم الترويكا بتونس، وقد وقع اتهامه بالزندقة والكفر من بعض الأصوليين على شبكات التواصل الاجتماعي.

كانت قصيدته "إلهي أعني عليهم" والمنشورة ضمن ديوانه "جنوب الماء" (1992) قد أثارت ضجة كبيرة في الساحة الأدبية والسياسية، وبقيت إلى يومنا هذه عالقة في كلّ الأذهان، وقد سخر فيها أولاد أحمد من أدعياء الحقيقة ومن الحاكمين باسم الربّ على الأرض: "إلهي أعني عليهم/ إلهي لقد تم بيع التذاكر للآخرة/ ولم أجد المال والوقت والعذر كي أقتني تذكرة/ فمزق تذاكرهم يا الهي ليسعد قلبي/ ألم تعد الناس بالمغفرة؟".

لم يكتب أولاد أحمد الشعر من أجل الشعر فقط، بل من أجل الشعب والوطن والحرية فقد التصقت هموم الشاعر بهموم شعبه وجعل من شعره صوتًا أو أصواتًا كثيرة قادرة على المقاومة والتصدّي لمشروع الديكتاتورية أو الظلامية، وكانت قصيدة "أحبّ البلاد كما لا يحبّ البلاد" إحدى أيقونات الشعر في تونس، يستحضرها الصغير قبل الكبير في حبّ البلاد وعشقها.

كان الخطاب الشعري لأولاد أحمد بسيطًا واضحًا، لا يحمل بهرجة اللغة ولا انزلاقات المعنى، كان يصوّب طلقاته، أي قصائده، دون أن يتخفى أو يخاتل أحد، يجاهر بموقفه من كلّ الأشياء والأشخاص والحكومات، وكأنّه يعلن أن الشعر وضوح، والمقاومة وضوح، ومن يريد الوصول إلى قلب القارئ ليؤلبه على الرفض فعليه أن يكون مباشرًا، كأن يكون المعنى فجًا دون فجاجة اللغة: هذا أنا/ مُتفرّجٌ، في المسرح البلديّ، منذُ ولادتي،/ عن قصّة حَلَزُونـةٍ لا تنتهي/ عنوانُها أسطورة الأَحدِ الأحدْ".

لم يكتب أولاد أحمد الشعر من أجل الشعر فقط، بل من أجل الشعب والوطن والحرية

كان الراحل متمرّدًا ومتفرّدًا، يحمل بين ثنايا جسده النحيل وإصداراته روح نيتشه، يقاوم بها كلّ الرداءات من حوله، ولم تكن روح نيتشه فقط تسكنه، بل أيضًا أسلوبه، وهو ما ذهب إليه الكاتب والناقد التونسي كمال الزغباني حيث يقول: "أمّا أولاد أحمد فينحو منحى نيتشويّا بمعنيين: 1- المضيّ إلى الحدّ الأقصى الممكن في فنّ الشذرة (=التكثيف) وممكناته الإبداعية الهائلة بما هو اختراق للحدود التقليدية بين الشعر والنثر من جهة وبين الفكر والفنّ (شعرًا أو نثرًا أو رسمًا أو رقصًا أو موسيقى) من جهة ثانية. هي "تقوّلات" تفكّر في الشعر بأدوات الشعر و"تُشعْرِن" الفكر بأدوات الفكر. كلّ ذلك من أجل إدراك إبداعية ذاك الذي يسمّيه نيتشه "الفيلسوف-الشاعر" والذي هو صنو "الشاعر-الفيلسوف" في حالة أولاد أحمد. 2- إدخال الحركة، تلك الحركة اللعبية الجذلى، في قلب القصيدة حتّى تغدو الكلمات أجسادًا حيّة راقصة متسائلة ملتذّة بذاتها ومقوّضة بالتالي نظام الأنظمة السلطوية في اللغة كما في السياسة والأيديولوجيا والدين والأخلاق والاقتصاد".

اقرأ/ي أيضًا: الإرهاب في تونس.. مورد رزق وفرصة عمل

اختزل أولاد أحمد في شعره السخرية مشككًا في كلّ الولاءات العمياء، وهادمًا في نفس الوقت كلّ الأصنام التقديسية، بطريقة حضر فيها الفلسفي والتاريخي والديني والعاطفي طريقة من طرق أولاد أحمد، ليعجن بها أسلوبه المتمرّد من أجل تلمس طريق سالك للحرية رغم شوكها وجراحاتها.

كان ديوان "الوصيّة"، الذي أبّن فيه نفسه قبل سنوات كثيرة من موته، نقطة فاصلة في أسلوب أولاد أحمد، فقد جعل السخرية اللاسعة واللاذعة شخصية ديوانه، وتعكس في نفس الوقت موقفه من الاجتماعي والسياسي والثقافي، ولم تكن سخريته من أجل الإضحاك فقط، بل أيضًا من أجل تحرير الإنسان والوطن بل سخرية تلتزم بالتغيير: وأنا أريده موتًا مشاعًا/ موتًا عموميًا.. كما يقال/ موتًا منتجًا.. بلغة اقتصاد السوق/ موتًا يدعّم أواصر الأخوّة، والتعاون المتبادل/ في كنف الانسجام التامّ والثقة المطلقة/ بيني وبين التراب الذي جئت منه لأعود إليه".

يتفق الكثير أن أولاد أحمد ليس شخصًا واحدًا، أو شاعرًا واحدًا فهو كثير في واحد، وهو المتعدّد في انسجام وانسياب، هو النتشوي المتمرّد، اليساري الملتزم. عرف في تونس ونال تكريمات عدّة على غير العادة مع شعراء البلاد الذين لا يكرمون إلا بعد موتهم، كرّم في حياته وفي موته، ليكون شاعرًا استثنائيًا في تاريخ تونس المعاصر، لم يصل غيره إلى ما وصل إليه اليوم حتى بعد موته.

اقرأ/ي أيضًا:

الأولياء الصالحون في تونس.. ذاكرة وطقوس

تونس.. الحياة كلبة هنا