أن تكون اللاجدوى عراقية!

أن تكون اللاجدوى عراقية!

دبابة أمريكية أمام المتحف العراقي 2003 (Getty)

في بغداد يمكنك أن تطأ الأسفلت ساخنًا وقد يعلق في قدمك بعض السواد، وربما يلتقط قميصك رائحة البارود أيضًا، أعني أن تسير فوق قطعة محترقة من الشارع لا زال دخانها يلوث الهواء، وأنت بين جموع أخرى بعضهم سابلة، وبعضهم يبحثون عن ذويهم إن كانوا قضوا أو أصيبوا في الانفجار.

بعد نهاية الحرب كانت الفوضى، وحتى الفوضى كانت تغير إيقاعها منعًا لحدوث الملل

قبل يومين قالت خالتي المسنة إن الإعلام لا يأبه للعراق، لا يذكر قتلاه إلا ببضع كلمات مسرعة تمر بالـ"سبتايتل" أسفل الشاشة. أخبرتها أن الموت في العراق خبر روتيني لا جديد فيه. منذ أيام أعلن التيار الصدري بدء اعتصام في بغداد، كانت الإشاعات أقوى من الخبر، والخوف أقوى من جميع التطمينات، لكن رغم ذلك مساء الجمعة امتلأت صفحات التواصل الاجتماعي بصور الشباب في شارع المتنبي، مبتسمين كأنهم في الجنة وكأن لا جسور حولهم مغلقة بالكونكريت ولا شوارع مقطوعة بالأسلاك الشائكة.

اقرأ/ي أيضًا: دفاعاً عن "ألمان" بغداد

تقول أمي كنا نسمع صافرات الإنذار في حرب الخليج الأولى ونحن نتسوق، تقول أمي هذا وأرى أصدقائي لا يتحدثون في ذكرى الحرب الأخيرة عن شيء سوى العاصفة الترابية التي تزامنت مع الحرب، يومها صبغ الغبار الأحمر سماء عدد من المحافظات العراقية، كنت ألعب الدومينو والطاولة مع بنات خالي بعد أن انقطع التيار الكهربائي ولم يعد مجددًا، كان كل شيء طبيعيًا سوى صوت القصف ومضادات الطائرات الأرضية ولا أستطيع أن أحصي من ساعات الخوف طوال الشهر الذي قضيته خارج البيت ما يؤلف يومًا كاملًا.

بعد نهاية الحرب كانت الفوضى، وحتى الفوضى كانت تغير إيقاعها منعًا لحدوث الملل، الحرب الأهلية كانت الشبح الأقسى على سكان العاصمة. ربما لم يخلُ حي أو ضاحية في بغداد من جثة مجهولة، رغم ذلك سمعنا أكثر الطرف مرارة تناقلها سائقو الأجرة بينهم: أن رجلًا خرج من بيته ليشتري الخبز صباحًا فصادفته نقطة تفتيش وهمية تحمل على عاتقها وظيفة قتل أبناء الطائفة الأخرى، سأل أحد مسلحي النقطة الرجل عن مذهبه إن كان سنيًا أم شيعيًا فأجاب "لا والله أنا كلب ابن كلب، قالوا لي بالبيت لا تخرج.. لا تخرج، بس أني أصريت"، ويروي الناس أن المسلحين أطلقوا سراح الرجل لأجل خفة دمه.

لسان حال الشارع يقول ما قاله سعد زغلول قبل أكثر من نصف قرن في مصر: "مفيش فايدة"

لقد تمادينا في لا جدوانا بعد كل هذه الفجائع، حتى أصبحنا نتعاطف بتغيير صورنا الشخصية في مواقع التواصل مرة إلى علم فرنسي، وأخرى بلجيكي، ولا أعرف ما العلم القادم إن أصاب أمن بلد ما الزكام، وعطست الحياة إثر ذلك هناك مرة واحدة. أقل من شهر يفصلنا الآن عن الذكرى الثالثة عشر لغزو العراق، ثلاثة عشر عامًا ولم يفارق المنديل يد بغداد المريضة. 

خلال أيام ستشهد البلاد احتقانًا سياسيًا من صنف خاص! هل سينهي الصدر اعتصام أنصاره أم ينفذ تهديده ويدخل المنطقة الخضراء؟ هل سـ"يشلع" و"يقلع" الطبقة السياسية الحالية، هل ستتغير الحكومة؟ هل سيستغل تنظيم الدولة (داعش) سيولة الوضع ويصول على بعض الأسواق الشعبية والمدن بسياراته المفخخة؟ لكن بعد أيام ستجري مباراة بين الغريمين برشلونة وريال مدريد، ستتزامن مع الاحتقان السياسي المرتقب. لكن من يأبه لكل هذا؟

اللاجدوى العراقية مهتمة بالـ"كلاسيكو" أكثر، فلسان حال الشارع يقول ما قاله سعد زغلول قبل أكثر من نصف قرن في مصر: "مفيش فايدة".

اقرأ/ي أيضًا:

الليل في أبي غريب

دجلة القتيلة