أكرم رسلان: ناجي العلي السوري

أكرم رسلان: ناجي العلي السوري

أكرم رسلان بريشة الفنان عماد حجاج

أكبر دليل على هشاشة الأنظمة القمعية التي تملك آلاف الشبيحة والبراميل المتفجرة والجنود، هو خوفها من بعض الخربشات باللون الأسود على الأوراق البيضاء، أكرم رسلان كان الخربشة السوداء التي خافها النظام، حتى أن رفاقه أسموه "ناجي العلي السوري".

أكبر دليل على هشاشة الأنظمة القمعية هو خوفها من بعض الخربشات باللون الأسود على الأوراق البيضاء

كان أكرم رسلان يعمل في الجهاز الحكومي السوري، وكل ما فعله أنه كان يرسم حقائق عن الثورة السورية إبان سلميتها في السنوات 2011 و2012، لكن طبيعة عمل الأجهزة السورية، خاصة الإعلامية منها، أنها كانت تعمل وفق نظام يجعل من أي صوت يخرج عن النغمة الاستخباراتية الجمعية يدفع ثمن شجاعته.

اقرأ/ي أيضًا: أبو نضاره.. حكاية الساخر المصري الذي ألهم ثورة

دخل رسلان مباشرة إلى عمق الأزمة السورية الحقيقة ومكمن ألمها نظام الأسد، وضع يده على مكان الجرح وضغط بشدة فصور بجرأة لا تتناسب مع صرامة الرقابة في الأوساط الإعلامية وقتها. بالنسبة لرجل يعمل في مجال الصحافة الحكومية وفي أجواء تتسم بالفاشية والشمولية، كما هو الحال في الحالة السورية فإن رجلًا يسبح عكس التيار لهو على يقين على ما ستؤول إليه الأمور.

لعل الصورة التي رسم فيها شعار المرحلة البليد "الأسد أونحرق البلد" هي التي جعلت مصيره على المحك، ولربما هي التي تسببت في اختفائه إثر اعتقاله في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر عام 2012 من قبل أجهزة النظام السوري.

انتقد أكرم رسلان تشرذم المعارضة وهشاشتها في مواجهة النظام السوري، وعلى الرغم من ذلك كان يرسم فقط ليعبر عن دواخله، وكانت رسوماته صرخات خاصة في الوقت الذي ملأ فيه الآخرون العالم ضجيجًا. ورسم صورته الأكثر تعبيرًا لامرأة تقف على أطلال درعا، وهي تقول بخاطرها صباح الخير يا درعا، في إشارة إلى الخراب التي تسببت فيه قوات النظام فخربت الحجر والبشر وحرقت الأخضر واليابس. كما عبرت رسوماته عن مراوغة النظام السوري وبطشه وعن الدعم الذي يتلقاه من حلفائه الخارجيين.

حصل رسلان وهو في المعتقل على جائزة الشبكة الدولية لحقوق رسامي الكاريكاتير "كرني" عام 2013، وجاءت الجائزة تكريمًا له على شجاعته الاستثنائية في مواجهة أجواء العنف والتعبير عنها في رسومه.

حصل أكرم رسلان وهو في المعتقل على جائزة الشبكة الدولية لحقوق رسامي الكاريكاتير "كرني" عام 2013

اقرأ/ي أيضًا: كارلوس لطّوف.. فنان حرافيش الثورة بلا منازع

مصادر إعلامية معارضة كشفت عن مقتل الفنان السوري التشكيلي أكرم رسلان منذ عامين ونصف في أقبية سجون الأسد، حيث تدهورت حالته الصحية وقضى نحبه، لكن رسلان الفكرة والسمت التعبيري والشجاعة والقدرة على مواجهة الواقع، يمثل أفكارًا لن تموت. الدكتاتوريات تختار أن تموت منتحرة بنفسها، وسُمّها الذي تنتحر به هو أن تقتل راسم الصورة وكاتب الكلمة، ومصور الحدث، أو أنها ببساطة تختار أن تبطش بخسة دون أن تشعر أنها تخالف سنن التاريخ التي لا تتغير. 

تنبأ رسلان في أعماله أن البطش الذي تواجه به قوات النظام الثورة السورية، قد يجعل سوريا تتحول إلى ملعب كبير للقتل تتدخل فيه أطراف أخرى، وهذا للاسف ما آلت إليه الأحوال لاحقًا. كان في إمكان رسلان أن يكتب ما يعجب السلطة، ووقتها كان سيكسب على الأقل أن يكون حليفًا مثقفًا جديدًا، يضاف إلى قوائم المثقفين المخجلة التي اشترت رضا النظام السوري، أو حتى أن يختار الصمت والخروج الآمن من سوريا كما فعل كثيرون، فليس في البقاء داخل سوريا في تلك الظروف أي بطولة، ورقبة الكاتب والرسام وأي معبر عن الرأي تحت مقصلة آلهة الشر هناك، إلا أنه قرر الوقوف حتى النهاية، ليمر عليه قطار التنكيل والتعذيب فيلتهم في ذاكرتنا كل اسم نبيل حملته سوريا. رحم الله أكرم رسلان شهيد الحقيقة. 

اقرأ/ي أيضًا:

بانكسي في ميونيخ.. درس الشارع وفنونه

فضيل حدهم.. يسكن صورة وينام