02-أغسطس-2023
gettyimages

فرادة إسرائيل ناتجة بشكل أساسي عن طبيعتها الاستعمارية، إذ تتحول فيها النقاشات عن الصالح العام للأمة إلى نقاشات عن أنجع الوسائل لتحقيق المهمة الأيديولوجية (الترا صوت)

ظهرت نسخة من هذا المقال بالإنجليزية في مجلة Mondoweiss الأمريكية.


منذ إصداره في عام 2005، ظل كتاب عزمي بشارة "من يهودية الدولة حتى شارون" مرجعًا أساسيًا لفهم النظام السياسي الإسرائيلي. فطوال السنوات الماضية أكد كثيرون أن الكتاب ليس مجرد سرد تاريخي لنظام سياسي ثيوقراطي، بل حفر نقدي في عمق الديمقراطية الإسرائيلية، التي يستكشف دعائمها الاستعمارية ويكشف عن العلاقة المعقدة بينها وبين الاستعمار المستمر. 

ولعل الإرث المتين للكتاب نابع من قدرته الفذة على استشراف التحديات والتناقضات المستمرة في الديمقراطية الإسرائيلية. ورغم أنه كتب قبل ما يقارب العقدين، فإن وجاهته باقية، ويتردد صداها بشكل مخيف مع الأزمة الحالية التي تحدق بإسرائيل.

وفي حين أن وسائل الإعلام الغربية تصر على تصوير هذه الأزمة على أنها انحراف غير طبيعي عن تاريخ إسرائيل الليبرالي الديمقراطي، فإن كتاب بشارة يقدم رؤى قيمة حول التعقيدات والتناقضات التي شكلت وما زالت تشكل السياسة الإسرائيلية، لا سيما الطبيعة الاستعمارية الاستيطانية التي تمنعها من أن تكون ديمقراطية حقيقية. 

أحد الجوانب الفريدة في إسرائيل هو تداخل الدين مع القومية، فعلى خلاف مع حالات أخرى يتم فيها استخدام الدين لإنتاج خيالات وطنية، أو أنه يستخدم لتشكيل الرموز القومية، فإن سيادة الدولة في إسرائيل مبنية بشكل صريح على مبررات دينية أسطورية تدعم الأيديولوجيا الصهيونية

مهمة أيديولوجية بدلًا من المواطنة المتساوية 

لطالما أشار بشارة إلى أن المواطنة المتساوية هي أساس بناء الأمم الديمقراطية الحقة، لكنه يشدد على أن حالة إسرائيل مختلفة، إذ إن الدولة منذ تأسيسها أخذت على عاتقها مهمة أيديولوجية، استعاضت بها عن المواطنة التي تعد الأداة الأهم لبناء الأمة الديمقراطية. وهذه المهمة، المتجذرة في المخيال الصهيوني عن اليهودية، تهدف إلى جذب اليهود حول العالم وتسهيل الاستيطان في فلسطين، وهي مستمرة اليوم من خلال الاستيطان والضم. 

يؤكد بشارة أن هذه المهمة الأيدولجية شوهت الديمقراطية الإسرائيلية من أساسها، فجعلتها حصرية بدلًا من أن تكون تمثيلية، وهو ما أنتج دولة لناس كثيرين ليسوا من مواطنيها (أي يهود الشتات) وتستثني آخرين هم في الواقع مواطنون فعليون فيها (أي فلسطيني الداخل). ويشير إلى أن هذا الاعتماد على المهمة الأيديولوجية، عوضًا عن الارتكاز على فكرة المواطنة المتساوية، لا يؤثر على الفلسطينيين فحسب، بل يقوض الديمقراطية اليهودية نفسها. 

أحد الجوانب الفريدة في إسرائيل هو تداخل الدين مع القومية، فعلى خلاف مع حالات أخرى يتم فيها استخدام الدين لإنتاج خيالات وطنية، أو أنه يستخدم لتشكيل الرموز القومية، فإن سيادة الدولة في إسرائيل مبنية بشكل صريح على مبررات دينية أسطورية تدعم الأيديولوجيا الصهيونية. وفي حين أن المؤلف ينتقد الطبيعة الثيوقراطية للنظام السياسي الإسرائيلي، فإنه يضع استحالة الفصل بين الدين والقومية في السياق الاستعماري الأوسع الذي نشأت فيه، حيث تصبح النقاشات حول الدين والهوية اليهودية مرتبطة ارتباطًا جوهريًا بسؤال من ينتمي للأمة الاستعمارية ومن هم أحق بالأرض. وضمن هذا الإطار تشكل مهمة الدولة الأيديولوجية طابع الأمة، في حين يلعب تداخل الدين مع القومية دورًا محوريًا في تحديد حدودها. 

تتجلى التداعيات المستمرة لهذه المهمة الأيديولوجية في التهويد المتواصل لفلسطين، فلا تحل محل المواطنة المتساوية فحسب، بل تقوض دور المؤسسات داخل إسرائيل، فهذه المهمة الأيدولوجية مقدمة على المؤسسات ووظائفها، بل وتعتبر أساس الأمة بحد ذاتها، وهو ما يظهر في النقاشات الحالية عن الطابع الحقيقي للدولة. 

على سبيل المثال، يلفت بشارة الانتباه إلى التباين الحاد بين رؤية النخبة الصهيونية الليبرالية عن الدولة - كما تظهر في قوانين أساس وفي دور المؤسسات غير المنتخبة مثل المحكمة العليا - وبين رؤية الأحزاب اليمينية الرئيسية التي تسيطر على المؤسسات المنتخبة. وفي حين أن مثل هذه التناقضات بين المؤسسات المنتخبة وغير المنتخبة شائعة في الديمقراطيات الليبرالية كما يجادل الكاتب نفسه في كتابه "في الإجابة عن سؤال: ما الشعبوية؟" المنشور عام 2019، فإن إسرائيل تمثل مجددًا حالة غير طبيعية. كما يوضح: "ما زالت هذه المواجهة محتدمة وتعتبر من إشكاليات الديمقراطية اليهودية المعاصرة. وتتقاطع مع ثلاثة صراعات أساسية دائمة الحضور: الأول هو الصراع حول العلاقة بين الدين والدولة، والثاني هو الصراع على تضييق الحريات وتوسيعها ومدى خضوعها للمسألة الوطنية وقضايا الأمن (..) والصراع الثالث هو الصراع بين مساواة المواطنين ويهودية الدولة".

التوتر بين الديمقراطية والاستعمار الاستيطاني

إن فرادة إسرائيل ناتجة بشكل أساسي عن طبيعتها الاستعمارية، إذ تتحول فيها النقاشات عن الصالح العام للأمة إلى نقاشات عن أنجع الوسائل لتحقيق المهمة الأيديولوجية. وبالنسبة لأحزاب المستوطنين المتشددين فإن المؤسسات غير المنتخبة تمثل تحديًا مزدوجًا، فهي ليست فقط غير قادرة على الاتساق مع المهمة المذكورة، بل إنها أيضًا تعيق قدرة المستوطنين على تنفيذها. وكما هو واضح في الأزمة الجارية طوال الشهور الماضية، فإن المتطرفين الذين يدعمون "الإصلاح القضائي" يشيرون إلى عدم قدرة هذه المؤسسات أو عدم رغبتها بتحقيق الغاية الجمعية المتمثلة بالتوسع المستمر. 

ولعل أدبيات اليمين فيما يخص هذه المؤسسات تجسد ما جادل به بشارة، إذ يشرح إيريز تدمور، المقرب من نتنياهو، هذه المعوقات في كتابه المنشور بالعبرية عام 2017 "لماذا تصوت لليمين وتحصل على اليسار؟". يشير تدمور إلى أن من أهم المعيقات أمام تحقيق حكم يميني كامل  في إسرائيل، هو وجود مؤسسات غير منتخبة مثل المحكمة العليا. وهو يضيف أن هذه المؤسسات تعيق أداء الحكومة، ومن ثم فهي تعيق تحقيق إرادة الأغلبية في الضفة الغربية. 

ويزعم تدمور أن مثل هذه المؤسسات تغذي بيئة بيروقراطية تتهاون مع الأيديولوجيات المعادية للطبيعة اليهودية للدولة، ويقدم مثالًا على ذلك السماح بترشحَ عزمي بشارة في انتخابات الكنيست. ومن وجهة نظره فإن عدم كفاءة هذه المؤسسات تظهر جلية في الضفة الغربية، حيث تعيق جهود الاستيطان. ويقترح كحل تقليص سلطات المحكمة العليا في الأراضي المحتلة، وخاصة في القضايا التي تتعلق بمصادرة الأراضي وانتهاكات حقوق الإنسان. وهذه المقترحات نفسها تتماشى بشكل وثيق مع القوانين المقترحة كجزء من الإصلاح القضائي الحالي في إسرائيل اليوم.

بالتأكيد هنالك جوانب أخرى للخلاف فيما يتعلق بـ "الإصلاحات"، والتي قد لا تكون متصلة بشكل مباشر بالفلسطينيين، مثل النقاشات حول نمط الحياة والمهام المجتمعية للدولة. لكن الطبيعة الاستعمارية لإسرائيل تؤثر بشكل كبير على التوفيق بين وجهات النظر فيما يخص الغاية من المؤسسات المذكورة وفاعليتها. فبينما تتفق معظم الأحزاب السياسية المتنافسة داخل إسرائيل بشكل عام على الدور الاستعماري للدولة وعلى "ضرورة" ممارسة العنف ضد الفلسطينيين، تظهر الخلافات فيما يخص طرق إدارة مثل هذا العنف وممارسته. 

وكما أسلفنا، فإن هذه المجموعات المتطرفة ليست مخطئة، كما قد يفترض البعض، في اعتبارها أن الديمقراطية الإسرائيلية وسيلة لتطبيق أجندتها الأيديولوجية خاصة فيما يتعلق بالاستعمار المتواصل، لكنها مع ذلك ترى الآن أن المؤسسات غير المنتخبة باتت تقيد وتحد من قدرتها على القيام بممارسات العنف والتوسع المباشرة. وعلاوة على ذلك، فهذه المجموعات تؤكد اليوم على أحقيتها بدور أكبر داخل الدولة، باعتبار أنها ممثلة أفضل لمهمة هذه الدولة الأيدولوجية، المتمثلة بالضم والاستيطان. 

وهم الكيانين المستقلين 

طوال عقود، تداول الصهاينة الليبراليون رواية تؤكد أن احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة يحدث بمعزل عن المبادئ الديمقراطية "في الداخل"، ووفقًا لهذه الرواية، فإن الاستيطان والاحتلال هي عيوب بسيطة، فيما سيكون سوى ذلك نظامًا ديمقراطيًا مستقرًا. لكن هذا المنطق الصهيوني الليبرالي يتجاهل العلاقة المعقدة بين الاحتلال والدولة، إذ يصور الاحتلال على أنه استثناء، والدولة على أنها القاعدة المستقرة.

غير أن الباحثين الفلسطينيين وضحوا منذ فترة طويلة بطلان هذا الوهم، مؤكدين أنه يجب فهم الوضع في فلسطين التاريخية على أنه نظام استعماري متعدد الأوجه يهيمن على جغرافيا واحدة. لتوضيح ذلك، استخدمت مصطلحات من قبيل "الفصل العنصري" و"الاستعمار الاستيطاني" لوصف هذا الواقع. 

من ناحيته، يجادل بشارة في كتابه الأخير بعنوان "فلسطين: مسائل في الحقيقة والعدالة" والذي نشر بالإنجليزية عام 2022، بأن هذه الأطر ليست متناقضة، بل تقدم تفسيرات لبعض أوجه الواقع الهجين في فلسطين. ويؤكد على خصوصية إسرائيل بصفتها دولة استعمارية استيطانية تم فيها بناء الأمة ضمن سياق استعماري، وهي لا تشبه بعض حالات الاستعمار الاستغلالي، التي غالبًا ما يكون بناء الأمة فيها سابقًا على الاستعمار.

الاستعمار المتواصل في الضفة الغربية وقطاع غزة ليس مجرد هفوة في نظام ديمقراطي مستقر، بل إثبات للطبيعة غير الديمقراطية في واقع استعمار استيطاني

كما أن الاستعمار الإسرائيلي، حسب ما وضح باحثون عديدون، ليس حدثًا تاريخيًا، بل بنية مستمرة، وعلى هذا يستمر العنف الاستعماري وتستمر عملية بناء الأمة، مع توسع مستمر أيضًا للنفوذ اليهودي وتصفية متواصلة للسكان الأصليين. وكما يشرح بشارة أيضًا في كتابه الأخير، فإن هناك خصوصية لحالة فلسطين مختلفة حتى عن معظم التجارب الاستعمارية الاستيطانية، إذ إن السكان الأصليين، رغم عمليات التصفية المستمرة، لم يصبحوا أقلية، كما أن دولة المستوطنين الاستعمارية فشلت في تطبيع نفسها تمامًا، وبذلك تتجلى الطبيعة الاستعمارية للدولة في كافة أشكال حكمها.

وفي حين أن نظام الهيمنة متعدد الأوجه في فلسطين التاريخية يفصل قانونيًا ما بين اليهود الإسرائيليين والفلسطينيين العرب، فيفرق بينهم في المعاملة، غير أن التوسع المتواصل يخلق تقاربًا جغرافيًا ما بين المستوطنين والسكان الأصليين. وبالإضافة إلى التجلي المستمر لطبيعة الدولة الاستعمارية، فإن هذا التقارب الجغرافي يطمس الحدود ما بين "القاعدة" والاستثناء، أو العسكري والمدني، أو الطارئ والثابت. ونتيجة لذلك، فإن الإبقاء على دولة ذات قوانين مدنية وديمقراطية حصرية لليهود، وفرض حالة الطوارئ الدائمة هذه على "الأراضي المحتلة" في الوقت ذاته، هو مجرد وهم تواصل الحقائق على الأرض تفنيده. على هذا النحو فإن الاستعمار المتواصل في الضفة الغربية وقطاع غزة ليس مجرد هفوة في نظام ديمقراطي مستقر، بل إثبات للطبيعة غير الديمقراطية في واقع استعمار استيطاني.