04-نوفمبر-2022
غرافيتي لـ بانسكي

مشت خطواتها الأولى في المطار برهبة من هبط على سطح القمر. كانت عائدة في زيارة قصيرة إلى البلاد بعد خمسة عشر سنة من الغربة في بريطانيا.

مضى اليوم الأول في مخططات متعثرة ولقاءات متلعثمة ومحاولات يائسة للتصديق، ومنذ صباح اليوم التالي شرعت تحصي الخسارات والمفقودات والغائبين: والدها؛ شجرة التوت أمام منزل أهلها؛ ابتسامات الجيران؛ جلسات القهوة الصباحية؛ متسكعو الأماسي الأنيقون؛ صوت أم كلثوم في المقاهي؛ قرص الفلافل "على البيعة"؛ بشاشة البائعين ودلال الزبائن في الأسواق؛ ثرثرة سائقي التكاسي؛ الحرارة في الـ "أهلًا وسهلًا"..

قال، من بين الأشياء الكثيرة التي قالها، إن العالم خارج حدود بلادنا ما هو إلا غابة كبيرة تعج بالكواسر والمفترسين، محيط شاسع متلاطم الأمواج أسماكه الكبيرة تلتهم أسماكه الصغيرة بلا رحمة

وفي السهرة اليتيمة التي نجحت في عقدها بعد جهد مضن، راحت تحملق في وجوه أصدقائها القدامى، منتزعة من عينيها الذاهلتين ابتسامة ملوثة بالشفقة.

سألها صديق: "هل نستحق الرثاء إلى هذه الدرجة؟". بوغتت فأطرقت في صمت مديد. شعرت بأنهم اكتشفوا الصورة المعذبة التي ارتسمت في خيالها: ما هؤلاء المساكين الذين يتحلقون حولها إلا ركاب سفينة موشكة على الغرق، يخدعون عيونهم بسراب يابسة ويلهثون وراء قوارب نجاة لا وجود لها..

وبالأمس فقط كانت قد أقسمت أنها لن تعود إلى هنا ثانية، وها هي الآن تقسم في سريرتها أنها لن تبر بقسمها، وأنها ستعود قريبًا وسريعًا، ستعود لتغرق هي أيضًا، ذلك أنها لن تحتمل أن تنام ليلة واحدة هناك، في هدوء سرير مريح وغرفة دافئة، فيما تصم أذنيها صرخات كل هؤلاء الغرقى..

*

لم يترك لنا إلا خيار الإصغاء في تلك السهرة. فقد كان يتحدث بلا هوادة، بلا انقطاع، وبلا اكتراث بأنه المتحدث الوحيد وبأن صمتنا قد طال كثيرًا..

قال، من بين الأشياء الكثيرة التي قالها، إن العالم خارج حدود بلادنا ما هو إلا غابة كبيرة تعج بالكواسر والمفترسين، محيط شاسع متلاطم الأمواج أسماكه الكبيرة تلتهم أسماكه الصغيرة بلا رحمة. وقال إن بلادنا لا تزال عامرة بالمحبة والمشاعر الإنسانية، فيما الناس في الغرب قد تحولوا إلى ماكينات بلا قلوب ولا أرواح. ثم راح يعدد بعض مظاهر العنف والقسوة السائدين في الحواضر الغربية: اغتصاب فتاة كل ثلاث ساعات في نيويورك، قطع أثداء النساء على قارعة الطريق في برلين، المارة الذين يقفزون بلا اكتراث فوق الجثث المتجمدة في شوارع مونتريال الصقيعية، تقطيع أوصال المهاجرين في مكان نسي اسمه في دولة لم يعد يتذكرها بالضبط...

وقال إن الذين يهاجرون حمقى وأغبياء يهربون من بعض المنغصات هنا ليتحولوا إلى طعام للأسماك في بحار الهجرة أو ــ إذا ما نجوا من الغرق ــ إلى زبائن دائمين في عيادات الأطباء النفسيين هناك.. وكان في جعبته الكثير من الأمثلة التي تؤكد ذلك: صديقنا سامر الذي أدمن الكحول ويعالج الآن في إحدى مصحات هانوفر، وصديقنا بسام في هولندا الذي اكتشف أن ابنه يتعاطى المخدرات وأن ابنته قد صارت من رواد "علب الليل"، وصديقتنا ابتسام في السويد التي حاولت الانتحار ثلاث مرات و....

ولم يُتح لنا فرصة لنسأله من أين عرف كل هذه المعلومات، والأهم لنخبره بأن هؤلاء ليسوا أصدقاء لنا وأننا نسمع بأسمائهم لأول مرة..

أمين معلوف: "علمتني حياة الكتابة أن أحذر الكلمات. فتلك التي تبدو أكثرها شفافية هي في أغلب الأحيان أكثرها خيانة"

أخيرًا توقف. صمت لحظة ثم هب واقفًا، ودعنا بتشويحة من يده وانصرف مسرعًا. كنا منهكين ومخدرين، وبعد دقائق استفاق صديق وقال: "مسكين.. هو على هذه الحالة منذ عشرة أيام.. منذ اليوم الذي ذهب فيه ليجدد جواز سفره فأخبروه أنه ممنوع من السفر".

*

أمين معلوف: "علمتني حياة الكتابة أن أحذر الكلمات. فتلك التي تبدو أكثرها شفافية هي في أغلب الأحيان أكثرها خيانة. أحد هؤلاء الأصدقاء المزيفين هو بالتحديد كلمة "هوية". فجميعنا نعتقد معرفة ما تعنيه هذه الكلمة ونستمر بالثقة بها حتى عندما تبدأ هي بقول العكس بمكر".