25-نوفمبر-2020

لوحة لـ نيكولاس دي ستايل/ روسيا

أشياءُ وحيواتٌ وأتباعُ بَدَدٍ وغرقى

ومكلومو قلوبٍ وحيارى وعاطفيون

نرحلُ في الماءِ والنارِ والحديدِ والكذبةِ

في الكتابة وتناسخِ أصواتِنا والكناياتِ

لكأننا جمعٌ غفيرٌ في رأسٍ واحدٍ!

 

(مشهد: تلكَ حصةُ الكوميديا

في مسرحِ الطوفان، حصتُنا):

نغرقُ ونجدّفُ نحو الأعماق

وثمّةَ جمهورٌ لهذا العَرضِ الحَيّ

يَستقي من أرواحِنا مادةَ الضحكِ

ويُصفّقُ كُلّما اشتدّ بالممثلِ الألم!

 

نتركُ الحياةَ الأرضيةَ، حياتنا

شُهبًا إلى أعلى، طيورًا تحترقُ

ومشهدًا ضبابيًا عنِ القيامات!

(استدراك: عشنا القيامةَ

كانتْ الحربُ قيامتُنا الحقيقيةُ

ونتيجةَ خطأ إلهيّ في التوقيتِ

 صار آخرنا أولُنا، ونبتنا نحوَ الأسفل

مثلَ أشجارٍ ليليةٍ مقلوبةٍ على رأسها..

لكننا قمنا، حقّا قمنا!)

قالوا لنا: ستذهبونَ إلى الفردوسِ البعيدةِ

وقالوا: جميلةٌ، ونجومُها شاماتٌ مضيئةٌ

وقالوا أيضًا: الله يحبّكم، فصدّقنا ما قالوا

وقلنا: نحبّ الفراديس!

واشترطنا في الحبّ أنْ يتوقفَ القتلُ

لتكونَ لنا فرصةُ إنجابِ المعنى ثانيةً

ثمّ اتخذنا من نقطةِ "الآه" استراحةً

منسلخينَ عن جلودنا القديمةِ كالأفاعي

كانَ منامُنا طويلًا، وأحلامُنا مظاهرات!

 

(ما يرتبطُ بصندوقِ الفرجة والإيثار الرسولي:

كانت فرصتنا كمهرجين أنْ نموتَ مطمئنين

محقونين بأدرينالين السعادةِ، ومجانيةِ العطاء)

حينَ أدّيّنا أدوارَ النجاةَ، مقتطعينَ لها من روحِنا

كأنّها ذئبٌ جريحٌ في السهوبِ، ونحنُ نصفُ نبي!

 

(نتيجةٌ أولى: لمْ نصلْ بعدْ

رُبّما عطلٌ أخلاقي يتربّصُ بنا):

ونخافُ من الأشرار الذين مَعنا

أنْ يثقبوا عجلةَ سيارتنا الكونيةِ

فنهبطُ ثانيةً إلى الحياةِ التي هجرناها

ليسَ كملّاك حيّزٍ من الفراغ، إنّما كسوّاح

لهم علاقاتُهم معَ الأمكنةِ بدءًا من الفندقِ

مرورًا بالوجبةِ السريعةِ وانتهاءً بالكاميرات!

كُنا قلنا عن الأشرار: يا أصدقاءنا!

دخلنا من باب البدو سرابَهم وديانتَهم

واكتشفنا أنّنا نعومُ في خديعتِهم وخذلانِنا

وإذ عُدنا خطوةً إلى الوراء مُحمّلينَ بالخطأ

غصنا مثلَ النعاجِ في وحلِ الاعتذارات..

(هامش خطأ: كانَ الأولى بنا وبالصدفةِ

ألّا نحملهم معنا، لكننا توهمنا التوازن).

 

لمْ نتركْ على الأرضِ حوائجنا

أو لم تكنْ لنا ثمّةُ حوائجُ مهمّةٌ

بَخَسَتنا الحربُ نحنُ وأشياءنا الثمينةَ

وفيما لو فشلَنا في هذا المعراجِ الأليمِ

وعدنا إلى الأرضِ من رحلتِنا الفاشلةِ

سنكونُ الوجهَ الآخرَ للوهمِ

المعنى المجازي لتحولاتِ الصفرِ

واقطاعيينَ وأرضهم عدمُ.

 

(صورة: لا شيءَ سنحرصُ عليه اليومَ

حينَ جسرٌ يَضيقُ على آخر فرسانِ أحلامنا

وطريقٌ شَعبويٌّ يفضي إلى التهلكةِ):

 نتأرجحُ بينَ جحيمين كخطّاءٍ تائبٍ

فلا المنازلُ منازلُنا، ولا الذهبُ ذهبنا

ولا الحنطةُ بذرناها لنا، وقلنا:

"هي للطير وماقَسَمَ الله" وللا أحد

فكانت رزقًا هيّنًا للوحوشِ العاطفيةِ

وكنا وهبَ الالتباسِ بينَ ضفتي نار!

 

كانَ الله في الأعلى 

يرى أحزاننا الصغيرةَ من منظارهِ

وكانتْ الشياطينُ أسفلَ الكرةِ الأرضيةِ

تتظاهرُ أنّها تمسحُ عدسةَ الكون، ليرانا الله! 

وفي الحقيقةِ كانَ الغَبشُ يحجبُ عنا الرؤيا.. 

فلا يرانا أحدٌ

ولا نرى أحدًا

كُنا بعيدين جدًا

معقدين كمعادلةٍ العالمِ المستحيلةٍ

وبسيطينَ ليصطدم رأسُنا بالحقيقةِ

فنعرفُ كم نحنُ أبناءٌ بررةٌ بالمقابر 

وحبلُ سرّتنا خيطُ دلالةِ الموت!

 

(في أسِّ الصراع: ماتتْ شياطينُ كثيرةٌ

في تفسيرِ الملائكةِ الأوليّ لنزوحِنا الجهنَمي

فاحتَلنا على الله، وخلقنا بأنفسِنا لأنفسِنا مُسوخًا

ربيناها بما ينفعُ الرحلةَ العجائبيةَ نحوَ النهايات!).

 

مرّت علينا العشرُ سِراعًا

صرخنا مِلءَ أعينِنا جهةَ الأصوات

واستثمرنا في خريطةِ الأوهامِ واقعنا:

تقاسمنا ما نملكُ ولا نملكُ، وأصبحنا أثرياء مؤقتين

تمامًا مثلَ أمراء حربٍ أو قطّاعِ طرقٍ أو بائعي أحلام

كُنا حُرّاسُ المسافاتِ الغازيةِ وأرضُنا ندمُ

 

ولا شيءَ

سوى أنّنا الآن أنصافُ حلولٍ

صغارٌ جدًا على هذه المجرّةِ

لم نخدش صخرةً أو قطعةً من سماء

وأظافرنا المثلومةُ لا تحرثُ إلّا قلوبنا

لكننا عُشّاقٌ نهبُ الحربَ اسمًا جميلًا لنتقاتل

ونقنعَ فيما لو لمْ نستطعْ اجتيازَ صِراطَ النجاة:

بأنّ الحياةَ القليلةَ ممكنةٌ، ولا بأس بهذا القليل الكثير.

(في المجَاز البدويّ:

كُنّا نوّني حولَ خيامِنا

ولسانُ حالِنا ثاراتٌ ودَم).

 

تهنا في الهيولى

ولولا أنَّ مُصوّرًا هاويًا

كانَ يكمنُ في السديمِ المحيطِ بنا

التقطَ ورَمًا على هيئةِ غيمةٍ فاتحةٍ

لمْ يكُ صلبًا مقدودًا من حجر الحكمةِ

ولا سائلًا من ماغما جحيمِ الذكريات

ولا غازًا مُعمّدًا بأسرارِ الكيمياءِ الحرّةِ

لكنّهُ كتلةُ قهرٍ أيضًا، وأسرارهُ نوّمُ.

 

ولولا أنَّ المصوّرَ

أحاطَ غلالةَ الشؤمِ بدائرةٍ حمراءَ

وأشارَ إلينا بسهمِ الدلالات: هؤلاء الغريبُ

لكنّا صدّقنا أنّنا كسبنا حربنا ونجونا من الحياة

(هامشٌ أخير: ثمّة طائرٌ جمريٌّ

يتفلّتُ في صدورِنا نحو فناءِ الحياةِ الخلفي

لديه عطشٌ للعودةِ السهلةِ، وطريق السماء سرابٌ).

 

اقرأ/ي أيضًا:

خازنُ الشوق

القيامة الآن