5 روايات لجمال ناجي

5 روايات لجمال ناجي

الروائيّ الأردنيّ الراحل جمال ناجي (1954 – 2018)

وجد الكاتب والروائيّ الأردنيّ الراحل جمال ناجي (1954 – 2018) في الاشتغال في حقل نبش وفحص بيئة وتضاريس المجتمع، لا سيما مجتمع المدينة وعوالمه السفلية المليئة بما هو مسكوت عنه، مشروعًا روائيًا ومهمّة حملها على عاتقه حتّى وفاته قبل أيام قليلة من الآن. ذلك أنّ "المسكوت عنه في السلوك الاجتماعيّ والسياسيّ والثقافيّ أكثر بكثير مما تكشّف، ويحتاج إلى نبش من جديد" كما أكّد جمال ناجي في أحد الحوارات معه. وتاليًا، ومن خلال التمعّن في أعمال جمال ناجي الأدبيّة، نجد أنّها جاءت، غالبيتها، ردًّا واضحًا وصريحًا على همجية العالم وقسوته من جهة، ولفضح المجتمعات التي تردي ثوب الفضيلة والعفّة من جهة ثانية.

نستعرض في هذا المقال خمسة من أهم أعمال جمال ناجي التي ننصح بقراءتها.


1. الطريق إلى بلحارث

ليست "الطريق إلى بلحارث"، الصادرة للمرّة سنة 1982، هي أفضل أعمال جمال ناجي الروائيّة. ولكنّها، على نحوٍ ما، أساسها. ذلك أنّ هذه الرواية، وهي أولى أعمال ناجي الأدبيّة المنشورة، نقلت اسمه بعد صدورها من الأوساط المُغلقة إلى الأوساط الثقافيّة العامّة. ونالت حفاوةً أخرجت صاحبها من الهامش، ولكنّها لم تضعهُ في المتن أيضًا. ونمّت في الوقت نفسه عن إلمامه جمال ناجي بتقنيات السرد الروائيّ، ومهارته في الحكي التي سوف يعمل جاهدًا على تطويرها في أعماله اللاحقة.

وضع جمال ناجي في روايته هذه الريف السعوديّ تحت المجهر، مُتفحِّصًا بيئته الصحراويّة بدرايةً مُستمدّة من معايشته لها أثناء عمله مُعلِّمًا لعدّة سنواتٍ في قرية "بلحارث" الواقعة أسفل جبال عسير. هكذا، وبناءً على تجربته الشخصيّة، ومعايشته لأجواء هذه القرية، يروي جمال ناجي حكاية عددٍ من المعلمين الذين هاجروا إلى هذه القرية بحثًا عن حياة أفضل. ومن خلال هذه الحكاية، يُصوِّرجمال ناجي واقع الحياة في قرية "بلحارث"، حيث تتشابك معاناة سكّان القرية مع معاناة المُعلّمين. وفي أحد الحوارات، قال جمال ناجي أنّ بلحارث "خاضت صراعًا ضاريًا مع الطبيعة ومع الزمن ذاته من أجل البقاء. جنود هذه الحرب هم أهل بلحارث، رجالًا ونساءً وأطفالًا، كلّهم شاركوا في حرب البقاء تلك".

الطريق إلى بلحارث

2. مخلّفات الزوابع الأخيرة

في روايته الثالثة "مخلّفات الزوابع الأخيرة" (المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، 1988) أعاد جمال ناجي، بطريقةٍ ما، كتابة أجزاء من سيرة وتاريخ الغجر، وإن بطريقة مواربة وغير ظاهرة. هكذا، كوّن جمال ناجي صورةً أطاح من خلالها بالصورة النمطيّة السائدة عن الغجر، لجهة العادات والتقاليد والتاريخ، والحكايات الميثولوجيّة التي نُسجت حولهم أيضًا. واستنفر جمال ناجي هنا ذاكرة شخصيّات الرواية المُتعدّدة في رسمه لمسار حياة هذا الجمع البشريّ، مُستعرضًا أيضًا أسباب شتاته وتفرِّقه، ومحاولًا في الوقت نفسه التقاط جوهر هذه الحياة القائمة على الترحال والتنقّل المستمرّين، ومن ثمّ بلورتها للقارئ.

الحكاية هنا تبدو لأوّل وهلة حكاية بسيطة، غير أنّها تسلك خطًّا سرديًا مُعقَّدًا فيما بعد. هي حكاية عائلة غجريّة صغيرة مكوّنة من رجل يُدعى "سبلو" وزوجته وابنتهما، تقُرِّر هذه العائلة فجأةً الانفصال عن جموع الغجر والعيش بعيدًا عنهم، لتستقرّ في وادٍ مُقفر سوف تدور به أحداث الرواية بعد قتل عصابة لزوجة سبلو، وبحث الأخير عنها من أجل الثأر لزوجته. وفي موازاة هذه الأحداث، يستقرُّ في الوادي نفسه أعدادًا كبيرة من الغجر، لتأخذ حكاية جمال ناجي هنا منحىً آخر بعد عودة مالك الأرض التي اشتراها الغجر ممن ادعى أنّه مالكها. هكذا، تتشابك الأحداث والمصائر في تلك البقعة من الأرض، وتُحاك المكائد والمؤامرات ضدّ سكّان الوادي الذي صار فيما بعد "وادي الغجر".

يُذكر أنّ الرواية تحوّلت إلى مسلسل تلفزيونيّ سنة 2010.

مخلّفات الزوابع الأخيرة

3. ليلة الريش

قدّم جمال ناجي في "ليلة الريش" (المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، 2004) جديدًا كتابيًا لجهة مضمون الراوية، وذلك باشتغاله على نبش وتفحّص عالميّ الأعمال والمال بدرايةً وعمق، كاشفًا تأثير هذين العالمين على مصائر البشر، وإمساكهما بالقرارات السياسيّة الداخليّة والخارجيّة لدول العالم، وإذ بنا إزاء بيئة يلفّها الغموض، مُشيّدة على الركض خلف ما يدرُّ ربحًا، في ظلّ غيابٍ واضحٍ للمشاعر الإنسانيّة والروابط الاجتماعيّة لصالح "المادّيات" التي شوّهت وقوّضت على نحوٍ مخيف علاقات البشر ببعضهم البعض.

يختار جمال ناجي عبر هذه الرواية الحديث عن مصرفٍ يحقق بسرعة فائقة انتشارًا ونجاحًا عالميين، وصلا إلى درجة إقراض المصرف المال لبعض الحكومات التي تعاني من أزماتٍ اقتصادية. غير أنّه، وفي الوقت نفسه، ينطوي على خلافاتٍ داخليّة حادّة بين مديره، الفاسد، وبعض الموظّفين الذين يؤسسون نواة حركة احتجاجية نقابيّة للإطاحة به، وتعيين أحد الموظفين مديرًا بدلًا منه. هكذا، يضعنا جمال ناجي إزاء مؤامراتٍ ومكائد تستهدف الجميع داخل أروقة هذا المصرف، قبل أن تخمد تلك الاحتجاجات بفعل "المال" الذي يتّخذ منه المدير الجديد للمصرف وسيلةً لإسكات الموظفين.

ليلة الريش

4. عندما تشيخ الذئاب

"عندما تشيخ الذئاب" (منشورات وزارة الثقافة الأردنيّة، 2008) هي الرواية السادسة في رصيد جمال ناجي، ولربّما الأكثر شهرةً على المستوى العربيّ كونها وصلت إلى القائمة الطويلة لـ"الجائزة العالميّة للرواية العربيّة/ البوكر" في دورتها الرابعة سنة 2010. وفيها، نبش جمال ناجي القاع السفليّ لمدينة عمّان، ليضيء بذلك أمكنةً معتمةً تغرق، بسكّانها، في مستنقعات تبدو فرص النجاة منها منعدمة. ليضعنا إزاء "عمّان" مختلفة ومجهولة، تطغى فيها المصالح على المبادئ، وتعيش حالة خراب يصوّر ناجي من خلالها خراب المجتمع الأردنيّ الغارق بدوره في مستنقعات الفساد.

هي حكاية عزمي الوجيه الذي لا يملك صوتًا خاصًّا به في فصول الرواية، وذلك استكمالًا للعبة جمال ناجي السرديّة الذي وظّف فيها تقنية الأصوات المتعدّدة، تلك التي تسرد جميعها هذه الحكاية نيابةً عن صاحبها، وتغرق في الوقت نفسه في صراعاتٍ متعدّدة، سياسية واجتماعيّة. هكذا، نتعرّف إلى "الشيخ الجنزير" الذي يستغّل مكانته لتحقيق مصالحه السياسيّة بالدرجة الأولى، حيث حوّل مزرعته إلى دويلة صغيرة يُقرّر فيه الإطاحة بفرد ما وتقليد آخر مناصب مختلفة. وأيضًا، نتعرّف إلى "جبران" السياسيّ اليساريّ المعارض للسلطة، طالما أنّه ليس فردًا فيها. جبران الذي يختلف مع "الشيخ الجنزير" في الخلفيات الأيديولوجية، يتّفق معه فيما تبقّى من الأمور الأخرى، ولا سيما السياسيّة منها. وإذ بالأفكار والخلفيّات والمواقف السياسيّة لا تتعدّى كونها مجرّد أقنعة لا غير. وفي العودة إلى عزمي الوجيه الانتهازي وحجر العثرة في طريق "الشيخ الجنزير"، نكتشف في نهاية الرواية أنّه "ابن حرام".

عندما تشيخ الذئاب

5. موسم الحوريات

مع اندلاع ثورات الربيع العربيّ، وجد جمال ناجي نفسه إزاء حاجة ملّحة لكتابة عمل روائيّ يواكب هذا التحوّل التاريخيّ الكبير، ولكن بشكلٍ غير مباشر، أي أنّه تناول المرحلة التي تلت الربيع العربيّ لا الربيع نفسه، ليحاول معالجة ما أفرزته هذه الثورات ورصد المتغيّرات السياسيّة والاجتماعيّة التي طالت دولًا عدّة. وذلك في روايته ما قبل الأخيرة "موسم الحوريّات" (مؤسّسة قطر للتنمية/ دار بلومزي، 2015).

تتحدّث الرواية عن رجل أعمال أردنيّ يُدعى الباشا فواز، يجلب له مدير أعماله عرّافةً مغربيّة لتقرأ له طالعه، وذلك كهدية له في يوم ميلاده. هكذا، يكتشف "فواز" أنّه سوف يلقى حتفه على يد ابنه، كما أخبرته العرّافة، ليبدأ بعد ذلك بالبحث عن هذا الابن المفترض، ذلك أنّ زوجته غير قادرة على الإنجاب. سوف يستعيد فواز هنا علاقة جنسيّة قديمة أقامها مع إحدى موظّفاته في فرنسا، ليتأكّد من حقيقة نبوءة تلك العرّافة، ويكثّف من بحثه عن "الوليد" ليتخلّص منه قبل أن يصل إليه. على الطرف الآخر، نتعرّف إلى "الوليد" وحكايته على لسان والدته التي روت تفاصيل ليلتها برفقة فواز الذي تخلّى عنها فور عودته إلى الأردن، لتجد في زواجها السريع فرصةً لإنقاذ حياتها والطفل الذي تحمله في أحشائها، والذي سوف يلتحق لاحقًا بالحركات الجهاديّة في أفغانستان قبل سفره إلى سوريا ليقود تنظيمًا جهاديًا هناك.

موسم الحوريات

اقرأ/ي أيضًا:

5 روايات سورية من إصدارات 2017

4 روايات عربية من الممكن أن تصبح أفلامًا