04-نوفمبر-2023
أغلفة الكتب

لعبت هذه المؤلفات دورًا مهمًا في تشكيل فهمنا لفلسطين (الترا صوت)

على الرغم من أننا في عالم منفتح يُتيح للأصوات عبور الحدود المادية بنقرة واحدة، وتعج فيه منصات التواصل الاجتماعي بالتجارب الخاصة؛ إلا أن هناك مفارقة مزعجة تكمن في أن هذه المنصات يملكها أفرادٌ أصحاب مصالح وتوجهات وقناعات معينة تدفعهم إلى منع الأصوات التي لا تتناسب مع توجهاتهم ومصالحهم.

وصوت الفلسطيني، لسوء الحظ، من الأصوات التي يجري قمعها في مواقع التواصل. ومن المعروف أن أصوات الفلسطينيين ظلت مكتومة لسنوات طويلة، شأنها شأن قصصهم غير المروية، وتاريخهم الذي يتم التلاعب فيه باستمرار، وهذه المرة أمام أعيننا وأعين العالم.

ومع ذلك، فإن حكاية فلسطين التي يُسكتها صخب الخطاب الصهيوني، نجدها كاملة في كتابات أدبائها، إذ تبرز الأعمال الأدبية الفلسطينية كشهادة قوية على صمود الفلسطينيين الذي لا مثيل له، وتلقي الضوء أيضًا على النسيج المعقد لماضي هذه المنطقة وحاضرها، وتقدم استكشافًا مؤثرًا لما يعنيه أن تكون فلسطينيًا في هذا العالم.

إذ لطالما كانت الكلمة المكتوبة أداة حيوية في كشف الطبقات متعددة الأوجه لهذه الأرض المقدسة، ابتداءً من الأعمال التاريخية التي تتبع جذور الصراع، وحتى تلك الشخصية التي تنقل المشاعر العميقة للشعب الفلسطيني وآلامه وأحلامه وتحدياته وقدرته على الصمود.

وقد لعبت هذه المؤلفات دورًا حاسمًا في تشكيل فهمنا لفلسطين، ورسم صورة حية لها في أذهاننا، كما أنها خلقت وطنًا روحيًا لكتّابها كما قال إدوارد سعيد في كتابه "المثقف والسلطة": "الإنسان الذي لم يعد له وطن، يتخذ من الكتابة وطنًا يقيم فيه".

لذلك، نستكشف هنا خمس أعمال أدبية فلسطينية رائعة تقدم منظورًا فريدًا لما يعنيه أن تكون فلسطينيًا اليوم.


1- رأيت رام الله

"رأيت رام الله" رواية وسيرة ذاتية للكاتب والشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي (1944 – 2021) الذي يروي فيها تفاصيل عودته إلى مسقط رأسه، رام الله، بعد ثلاثين عامًا من المنفى، ولقائه بالمدينة والناس الذين تركهم وراءه.

تقدّم الرواية/ السيرة للقراء وصفًا مؤثرًا وحميميًا لتجربة المنفى، والشوق إلى الوطن، والتعقيدات العاطفية للنزوح. وبينما يتجول البرغوثي في شوارع رام الله، فإننا نمضي معه في تجربة حسية لإعادة اكتشاف ذلك العالم المفقود والموجود في آن معًا. ولذلك فهي تجسّد جانبًا من المأساة الفلسطينية، وتُعيد النظر في آثار الشتات الفلسطيني، وقوة الذاكرة، والشوق إلى الوطن.

 

2- بينما ينام العالم

تتبع رواية "بينما ينام العالم" للكاتبة الفلسطينية سوزان أبو الهوى، التاريخ المضطرب والمأساوي لعائلة "يحيى أبو الهيجا" الفلسطينية، وقرية أجدادهم "عين هود"، التي أعيد تسميتها فيما بعد بـ"جنين"، إذ يمتد السرد لأجيال عدة، ويقدّم استكشافًا عميقًا للمأساة الفلسطينية في الخلفية المضطربة للصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

تبدأ الرواية بميلاد آمال التي ستصبح الشخصية المحورية فيها. ومعها، يتنقّل القراء بين أفراح العائلة وأحزانها على مدار عدة عقود. فمع احتلال القوات الإسرائيلية لجنين، تتعرض عائلة أبو الهيجا وغيرها من عوائل القرية للتهجير وتدمّر منازلهم. وهنا تبدأ الرحلة المؤلمة للعائلة الفلسطينية، حيث يضطرون إلى مغادرة وطنهم والاستقرار في مخيمات اللاجئين، حيث تستكشف الرواية تحديات الحياة في المخيمات، وفقدان الهوية، والصدمة المستمرة التي تصاحب الشتات الفلسطيني.

 

3- أرض البرتقال الحزين

ربما لا تحظى المجموعة القصصية "أرض البرتقال الحزين" للكاتب والروائي الفلسطيني غسان كنفاني بالشهرة التي تحظى بها روايتي "رجال في الشمس" و"عائد إلى حيفا"، إلا أنها لا تقل أهمية عنهما.

تضم المجموعة قصصًا قصيرة تعكس تجارب اللاجئين الفلسطينيين وحياتهم في المخيمات وخارجها، حيث تنقل كل قصة تجربة فلسطينية مختلفة تستعرض عبرها الهويات المتعددة والأوجه المختلفة للحياة في ظل الاحتلال والمنفى.

يتناول كنفاني في قصصه موضوعات مختلفة مثل الهوية الوطنية، والمقاومة، والتضحيات التي قام بها الفلسطينيون في سبيل الحرية. وتُعتبر هذه المجموعة إسهامًا أدبيًا هامًا في الإضاءة على الواقع الفلسطيني ومأساته من جهة، وتعزيز فهم آثار الصراع في المنطقة من جهة أخرى.

 

4- البحث عن فاطمة

"البحث عن فاطمة: قصة امرأة فلسطينية" هي مذكرات للكاتبة الفلسطينية غادة الكرمي. في هذا العمل الشخصي المثير للعواطف، تشارك الكرمي تجاربها الخاصة كفلسطينية ولدت في القدس، لكنها أُجبرت على العيش في المنفى بسبب نكبة 1948. تقدّم الكاتبة وصفًا قويًا لرحلتها من أجل فهم هويتها وتراثها في مواجهة النزوح والخسارة.

تنقسم المذكرات إلى جزئين رئيسيين: تدور أحداث الجزء الأول في القدس، حيث تصف الكاتبة سنوات حياتها المبكرة كفلسطينية تعيش في المدينة قبل نكبة 1948، وترسم صورة حية لمدينة القدس النابضة بالحياة والمتنوعة، وتستعرض كذلك ذكريات طفولتها المنسوجة في السياق التاريخي والسياسي الأوسع لفلسطين.

ويتطرق الجزء الثاني من المذكرات إلى تجاربها في المملكة المتحدة، إذ تشاركنا التحديات والتفكك الثقافي الذي واجهته نتيجة النكبة ورحلتها لبناء حياة جديدة في أرض أجنبية. وطوال هذا الجزء، تتأمل الكرمي في جهودها لإعادة الاتصال بهويتها الفلسطينية، والنضال من أجل العدالة والاعتراف بالحقوق الفلسطينية.

"البحث عن فاطمة" ليست مجرد قصة شخصية، بل هو سرد أوسع للتجربة الفلسطينية، قصة شوق وخسارة وصمود. إنه بمثابة شهادة على القوة الدائمة للذاكرة والهوية والارتباط العميق بالوطن، حتى عندما يكون بعيدًا.

 

5- الملهاة الفلسطينية

الملهاة الفلسطينية هي عبارة عن سلسلة من اثني عشرة رواية – حتى الآن – للكاتب الأردني الفلسطيني إبراهيم نصر الله، تهدف إلى تسجيل 250 عامًا من التاريخ الفلسطيني. هذه الروايات تشكل ملحمة أدبية عن تاريخ شعب لا يُعرف عنه الكثير ولهذا قرر الكاتب تسجيلها، إذ قال إبراهيم نصر الله في أكثر من لقاء معه إنه كان بحاجة إلى الملهاة كقارئ أكثر من حاجته إليها ككاتب، لأنه كان يبحث عن رواية تقول له ماذا حدث للفلسطينيين قبل عام 1948 مثله مثل كثير من القراء وعندما لم يجدها، كتبها.

يُعرف إبراهيم نصر الله بأسلوبه الأدبي الرصين والعميق، وقد حصلت رواياته ضمن الملهاة الفلسطينية على إعجاب واحترام واسعين داخل وخارج العالم العربي، وتمثل هذه الروايات إسهامًا هامًا في الأدب العربي المعاصر وتقدم رؤية ثرية لتجربة الشعب الفلسطيني والتأثيرات العميقة للصراع على حياتهم وهويتهم.

وختامًا، إن فُقد الأمل في إيصال أصوات الفلسطينيين إلى الخارج عبر الشبكة العنكبوتية المنحازة، فإن صفحات الروايات والكتب لا تزال تردد نبض قلب فلسطين وتاريخها والمشاعر المعقدة المتشابكة لأهلها في سرد حكاية منطقة تتصارع مع مصيرها، ومع العالم الذي يغض الطرف عنها.