لوحة لـ سامي برهان/ سوريا

هَلْ تنقُشُ اسمًا فوق الماءْ؟

أمْ فوقَ الحجرِ القاسي؟

أمْ في دفتر أسماءِ المفقودينْ؟

هَلْ بالنارِ

أم الحبرِ

أم الإزميلِ

أم السكّينْ؟

يا هذا الرجلُ الصفصافُ

دموعُكَ تجري من أعلى جفنيكَ على قدميكَ

فتشربُها الأرضُ العطْشى

ويطولُ نُواحُكَ بين يَدَيْ عرّافِ الريحِ

كأنّكَ أُرغنُ أحزانِهْ

فإلامَ

تدومُ أغانيكَ الثَكْلى؟

- وخيالُكَ يَسقُطُ عن سَرْجِ حصانِهْ -

أنتَ صَنَعْتَ بحارًا

في ذاتِكَ حتّى... تَغْرقَ فيها

وقِطارًا.. حتّى يرحلَ عنكَ

وصيّادًا حتّى يصطادَكَ من طلقته الأولى

وأقمتُ صُروحًا كُبرى لرفاتِكْ:

أهراماتٍ

ونواويسَ

وزقّوراتٍ خرساءْ

وقبورًا يتمنّى لو يسكُنُها الأحياءْ

الدودُ تسلّى بعظامِكَ أيّامًا

وزَحافاتُ الأرضِ السُفلى

عاشَتْ أيامًا أخرى، وَقَضَتْ

وَقَضَيْتَ، فَمَنْ يأكلُ مَنْ؟ عَجَبي

وأراكَ تشاغلُ نفسَكَ بالصورةِ أو بالتمثالْ

تجعل أنفكَ أجملَ

والعينينِ

ومهوى العنقِ على الكتفينْ...

لكأنّكَ في جبل "الأولمبِ" يحفُّ بك الأبطالْ:

اللفتَةُ لَحْظُ غزالْ

والنظرةُ أَصْلُ الحكمةْ

والشفتانِ صُراخُ الشهوةْ

فإذا ما اكتملَتْ صورتُكَ المرسومةُ بالياقوتْ

أو تمثالُكَ وهو على قاعدةٍ وسط الدنيا

يتعالى فوق سنامِ الكونِ على صهوةِ مهرٍ جامحْ

أبصرتُكَ تهوي مثل الظلِّ على الطرقاتِ

وتذوي كالخِرقةِ، ثم تموتْ.

كيفَ تموتْ؟

عَجبًا...

كيفَ تموتْ؟

هل أنتَ دمٌّ

وعظامٌ

ومفاصلُ يضربها النقرسُ حتى تَهوي

أم أنتَ الجَبَروتْ؟

قَطَفَتْ رأسَكَ سالومي في رقصتها

فتدحرجَ بين النِطْعِ وحدّ السيفِ

أَجِبْ يا ... يوَحنّا.

- لم يُبْعَثْ يوحنّا حيًّا -

فلماذا تُبْعثُ أنتَ

ولستَ سوى

ملِكٍ

أو لصٍّ

أو مجنونْ؟

لستَ سوى "نيرونْ"

وإذا كنتَ مسيحًا

فلماذا لم تُصَلبْ؟

وإذا كنتَ رسولًا

فلماذا لم تَخرُجْ من أرضِكَ

أو تُقْتَلْ

أو تُغْلَبْ؟

وإذا كنتَ من الشعراءِ

فَمنْ منهم يبقى؟

وبأيِّ لغاتِ الأرضِ

تَتُمُّ مخاطبةُ الفانينْ؟

وإذا كنتَ من العشّاقِ

فحبُّكَ ممهورٌ بالموتِ

وقلبك منذورٌ للتنينْ

انظرْ

هل تبصر غير سحابٍ

يرحلُ خلف سرابٍ

يرحل خلف سحابٍ

خلف سرابٍ

...  حتّى آخر أيامِ التكوينْ؟

وسطورُكَ هل هيَ إلّا

سطرٌ في الماءِ

وسطرٌ في الريحِ

وسطرٌ في الرملِ

وسطرٌ في ألواحِ الطينْ؟

أَتْقِنْ خَطَّكَ فوق الماءِ

وخَلِّ الريحَ تُثبّتْ أقدامَكَ في هودجها

وعلى الرمل أقمْ كالنملِ قصورَكَ واسكُنْها

سترى أنّ الممحاة ستكتُبُ سيرتك الكبرى في الطينْ

ولماذا أنتَ تغامرُ

تحتَ سماءٍ لا تُبصرْ؟

أو فوق ترابٍ لا يَسمعْ؟

يا هذا الغافي

المفتوح العينِ، وليس يرى..

حبلُكَ مقطوعٌ

من سُرّةِ آدمَ حتّى يومِكَ هَذا:

لم يوصَلْ بالباءِ اللامُ، فماذا تصنَعْ؟

لكأنّ إمامَ الشكّ الضاحكَ،

حتّى تبرزَ في الليل نواجذُهُ،

والساخرَ من سائمةٍ هَلْكى

ومن البشرِ الخاوينْ

لكأنّ إمامَ الشكِّ، المبصرَ في قاعِ عماهُ، خطوطَ الحكْمةِ

أكثر ممّا يبصرُ صقرٌ جارِحْ

يُقبِلُ نحوكَ مندهشًا

ويُشيرُ بسبّابتِهِ: أُنْظُرْ

هل تحلمُ

أم تقفزُ مثل الجُنْدبِ في ماءٍ مالحْ؟

هَلْ يَخْفُقُ حولَكَ غيرُ فراغٍ مزدحِمٍ

وفراشاتٍ تصعد في جوفِ التاريخِ

لتحرقها شمسُ التكوينْ؟

يا لجمال رمادِ التكوينْ!

يا لجمالِ العَدَمِ المتراكمِ في القاعِ

كما يتراكم وَحْلٌ فضيُّ

في بئرٍ مهجورة!

حدّقْ في أصل الصورة

حدّقْ في ذاتِكَ

هَلْ تبصرُ فيها شيئًا مّا؟

طفلًا يحبو؟

ولدًا يلعبُ

أو رجلًا مكتمل القوّة يسعى في الأرضِ

يحبّ امرأةً

يتزوّجُها

ينجب أطفالًا وبساتينْ؟

هل تبصرُ حقًا، أطفالًا، وبساتينْ؟

طفلًا يحبو

ولدًا يلعبُ

أوْ... رَجُلًا..

أمْ لا شيْءَ على المرآةِ

ولا شيْءَ أمامك أو خلفَكَ

أنتَ الآنَ وحيدٌ

وتحدّقُ في هوّةِ أحزانِكْ..

ترسم فوق الماءِ خطوطًا ودوائر متقنةً

وتسميّها الأيامْ

وتعمّر منها بيتًا

مَجْدًا

بحرًا وتسافر فيهِ

سريرًا

عرشًا

قبْرًا... وتنامْ

فَنَمْ... حَرَسَتْكَ الأحلامْ

ونَمْ.. حَبَستْكَ الأحلامْ

لكنْ

حاذِرْ

فالنومُ على حدّ الرؤيا

كالنوم على حدّ السكينْ

حاذِرْ

حاذِرْ

حاذِرْ

ح

ا

ذِ

رْ.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الوباء سرّي الصغير