30-أغسطس-2023
وائل حلاق

(الترا صوت) وائل حلاق

في عام 2019، صرح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مؤتمر صحفي مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، أن مصر ليست أوروبا، وأن مسائل حقوق الإنسان والحريات السياسية يجب أن تراعي الخصوصيات الثقافية والمحلية. فكرة ستتكرر على ألسنة كثيرة في العقد الأخير، وسيهز مسؤولون أوروبيون كثر، منهم ماكرون، رؤوسهم بالموافقة عليها، أو على الأقل عدم الانزعاج منها. هذه الصياغة الجديدة لواحدة من المقولات الاستشراقية العريضة بأننا لسنا أهلًا للديمقراطية والحرية، أو أنهما قيمتان غربيتان، ستأخذ معنى مختلفًا في سنوات الانقلاب على الربيع العربي.

وفي سنوات عجاف انتهى فيها الاصطفاف بين دعاة الديمقراطية ومناهضيها وبين الشارع والأنظمة، إلى اصطفاف أدائي بين نخب علمانية وأخرى متدينة، وعقب قمع التطلعات نحو مجتمعات ديمقراطية وحرّة دفع من أجلها الشباب العرب أعمارهم ودماءهم، ستمتلئ المكتبات العربية بترجمات كثيرة، وستخصص دور نشر منتجها من الترجمة لنقد الحداثة والديمقراطية والعلم. وفي هذا السياق المركب من الهزيمة والانكفاء على الذات، ستبرز أسماء كثيرة، وسيجد شباب عرب عزاءهم في بلاغة ما بعد حداثية منفصلة عن الواقع. وفجأة، سيصبح بعض نجوم دراسات ما بعد الاستعمار العرب في الغرب، الذين لم يخاطبوا المجتمعات العربية في كتاباتهم أصلًا واختاروا أن يتحدثوا عنها بدل أن يتحدثوا معها، الأكثر قراءة في أوساط كاملة من الشباب المحافظ المحبط من تحولات ما بعد الثورات.

نحن لا نعرف الحرية، والديمقراطية صورة شكلية لا قيمة أخلاقية فيها أو وراءها؛ تلك هي خلاصات وائل حلاق المناهضة للديمقراطية الذي لا يرى النضالات الطويلة من أجل الدولة والديمقراطية وتطوير مؤسسات حديثة في وطن عربي مفتت

على هذه التخوم الكثيرة بين الحلم وانكساره، برزت أسماء مثل اسم الباحث الكندي الفلسطيني وائل حلاق. وفقط في هذا السياق، يمكن فهم كيف لباحث قادم من جامعة كولومبيا أن يخرج عبر عدة منابر عربية، آخرها قبل أيام، منتقدًا بثقة وببلاغة محافظة قد تبدو للبعض تقدمية، كل ما ناضل من أجله ملايين الشباب العرب طوال أكثر من عقد.

عبادة الغرب عبر نقده

في بودكاست مصور، تحدث الأستاذ في جامعة كولمبيا في نيويورك قبل أيام، عن أحد أطروحاته الإشكالية في نقد الحرية السياسية والديمقراطية باعتبارهما بناءين غربيين. من وجهة نظره، فإن التاريخ الحديث والسياسة ما هما إلا تعبيرات عن أبستمولوجيا غربية معولمة، تشكلت بعد القرن التاسع عشر. وعلى هذا النحو، وكما سيقول حلاق وكما كرر في غير مرة، فإننا لا نعرف الحرية أو أننا لا نعرف منها إلا صيغتها الأوروبية. أما الديمقراطية نفسها فمجرد شكل تعسفي يخفي خلفه ما يخفي من أنماط صناعة الرأي العالم. وفي هذا الرأي، فإن المؤلف يعيد على مسامع جمهوره العربي هذه المرة، ما كان قد قاله في كتب ومواضع أخرى، أن الذاتية التي خلقتها الدولة الحديثة هي ذاتية مناهضة للأخلاق.

ثمة ما يصيب في جل ما يقوله وائل حلاق، كما تعلّمنا من النقود الكثيرة للدولة الحديثة. لكن وإن كان ثمة ما هو صحيح نسبيًا في مقولاته المطلقة، فإنه يعكس اغترابًا كاملًا عن واقع من يتحدث معهم وعنهم. فالعالم ليس مناظرة نصيّة، يمكن فيها أن تستوي الدولة الشمولية الحديثة مع الديمقراطية، والأشياء لا توجد بمعزل عن سياقها كما يود أن يدعي. وسياق ما قاله ويقوله هو واقع عربي مشرذم، يناضل فيه شباب ويموتون من أجل دولة وطنية ديمقراطية، بعد أن ذاقوا ويلات الطائفية والعشائرية والاستبداد. ثم إن عديد المفكرين العرب ممن حملوا هذا التطلع الديمقراطي الحديث، كانوا واعين بإشكاليات الديمقراطية والدولة الحديثة، بل ولهم مساهمات نظرية بارزة فيها، لكنهم رأوا في الديمقراطية خيرًا نسبيًا، حلًا حديثًا لمشكلات حديثة.

في صيغته الفجّة، جعل الاستشراق من الغرب مركز العالم والتاريخ، وادعى من بين ما ادعى أن تاريخ العالم الحديث بدأ بالتنوير وانتهى إلى ديمقراطية ليبرالية. وفي زمن صار يصعب فيه على الباحثين المحافظين في الغرب تكرار هذا الادعاء، فإن كثيرين من نظرائهم النقديين أخذوا هذا الدور وإن بعباءة نقدية. وفي سخطهم على الحداثة والغرب، جعلوا الغرب في قلب العالم، منتجًا لكل شيء، وعلة لجميع الأشياء، فلم يعودوا قادرين على تخيل العالم بدونه. أما الواقع اليوم فيتجاوز المفارقة إلى الحسرة، بأن يقول بعض تقدميي المؤسسة الأكاديمية الغربية و"ملونيها" ما لم يعد بإمكان محافظيها أن يقولوه.

نحن لا نعرف الحرية، والديمقراطية صورة شكلية لا قيمة أخلاقية فيها أو وراءها؛ خلاصة سيختار أن يبدأ بها معدو البودكاست، الذين يمولهم نظام عربي لا تزعجه ولا غيره من الأنظمة خلاصات حلاق المناهضة للديمقراطية. أما الباحث القادم من نيويورك، فلن يرى ما يحدث على الأرض، ولا يرى أن النضالات الطويلة من أجل الدولة والديمقراطية وتطوير مؤسسات حديثة في وطن عربي مفتت، تستحق منه أن يعيد النظر في طرحه. ففي صالونات الأكاديميا الغربية على ما يبدو، صار الهجوم على الحرية بلاغة تقدمية والخطاب المناهض للديمقراطية نقدًا. أما على الأرض هنا وفي الشارع، فتقول الهتافات المتجددة التي تطالب بالحرية والكرامة، وستقول دائمًا، سوى ذلك.