مماليك ومستعبدون

مماليك ومستعبدون

رسم لـ سيرجيو انجرافالي/ ألمانيا

أصر ليون تروتسكي في منفاه، على تنظيم محاكمة دولية ليدافع عن نفسه وتاريخه أمام خصمه ستالين الذي، كان يتربع على عرش الأمبراطورية السوفياتية يومذاك. المحاكمة التي سعى تروتسكي إليها، لم تكن لتغيّر الكثير في الوقائع السابقة واللاحقة المتعلقة بمصيره الشخصي. لكنه على ما يبدو كان يحدس، بغريزة صائبة، بأن مشاعر الذنب التي قد يشعر بها القتلة والمجرمون، غير ممكنة التحقق من دون محاكمات علنية يترافع فيها المذنب والضحية أو من ينوب عنهما. فمن دون محاكمات يجد فيها الضحايا من يقص سيرهم ويدافع عن مواقفهم، ويبرر سقطاتهم، لا يستطيعون أن يتحولوا إلى ضحايا. كما أن المحاكمات القانونية، من جهة ثانية تتيح للمجرمين أن يدافعوا عن مواقفهم وأفعالهم، وتبرير دوافعها على النحو الذي يخرجهم من خانة الشيطنة الكاملة، إلى خانة البشر الخطأة، الذين يطلبون الرحمة والعفو، والاندراج مجددًا في نسيج المجتمع، ولو بوصفهم مجرمين.

السلوك السلطوي في بعض بلادنا العربية، يساهم في تدمير الاجتماع وتفريق الناس إلى أعداء وخصوم

من دون محاكمات، لا تستطيع ذوات البشر أن تكون ذوات إنسانية. فكل اعتراف، وكل طلب عفو، وكل بوح بالمعاناة، هو في النتيجة والمحصلة، خطاب يتوجه نحو الآخر ويستدعي رد فعل منه، على ما يلاحظ نيتشه. وعلى هذه الاعترافات وطلبات العفو والبوح والردود عليها، تبنى القيم الاجتماعية وتترسخ.

اقرأ/ي أيضًا: هل يتراجع سعيّد عن انقلابه على الديمقراطية؟

لكن معضلة المحاكمات، أنها تقع حصرًا ضمن نطاق الدولة – الأمة. الدولة التي يعرّفها توماس هوبز بوصفها لا تعترف إلا بمنطق القوة: الدولة الحديثة، لا تعترف بأخطائها، ولا تأسف أبدًا على جرائمها، وتعترف فقط بمنطق القوة السافرة: القوة هي الحقيقة، والحقيقة هي القوة.  ما يعني أن الجرائم التي يمكن خضوع مقترفيها للمحاكمة، هي فقط الجرائم التي يرتكبها أي كان عدا الدولة – الأمة.

 ومعظم الدول – الأمم تتأسس على مذابح وجرائم لا تحصى. مع ذلك، ورغم أن الدولة الأمة هي من يعرّف الجريمة، وينصّ العقوبة ويوقعها، إلا أن حصول المحاكمات من شأنه أن ينشئ نوعًا من التكافل الاجتماعي، الذي يقوم على تواطوء حول ما يصح وما لا يصح، وما يصنف في خانة الخير وما يصنف في خانة الشر.

إلى هنا، يبدو الأمر نظريًا بصورة بحتة، وتبدو الغاية منه تعريف مبتسر بطبيعة الدولة الحديثة، مع أن بعض التغيّرات طرأت على مفهوم الدولة الهوبزية، ويمكن البناء عليها، من قبيل الشعور الأمريكي بالذنب على الماضي العنصري للدولة، أو الشعور الألماني بالذنب على التاريخ النازي.

والحق إن المواطن في بلاد كالبلاد التي نتحدر منها، كتبة وقراء، لا يطمح أن تكون دولته متجاوزة للنموذج الهوبزي، على نحو من الأنحاء، كما هي حال ألمانيا أو الولايات المتحدة الأمريكية. لكن المفارقة أن هذه الدول التي تنتمي مواطنتنا إليها، لا تريد أن تحتكر تعريف الجريمة والعقوبة، ولا تطمح لأن تكون دولة هوبزية أصلًا. فالناظر إلى سوريا أو العراق أو اليمن أو لبنان أو حتى تونس والجزائر، لا بد وسيلحظ أن الدولة نفسها هي من تقوم بالجرائم التي يجدر بها أن تعاقِب عليها، وأنها تحوّل المحاكمات إلى مصنع عقوبات جائرة، هذا إذا حصلت وانعقدت تلك المحاكمات ولم تنم الملفات في أدراج المحاكم.

وحين يكون الشك بوجود أفراد من أهل السلطة متورطين بجرائم، مثلما هي الحال في جريمة تفجير مرفأ بيروت، على سبيل المثال لا الحصر، فإن مصير هذه المحاكمات الإهمال أو التجاهل، أو الإعاقة، الأمر الذي لا يمكن اعتباره أقل من اعتداء صارخ على الاجتماع والعلاقات الإنسانية التي يمكن أن تنشأ ضمنه.

اللجوء إلى المحاكم في الاجتماع البشري الحديث، أو إلى شيوخ العشائر ومقدميها في الاجتماع القبلي، ليس أمرًا تنظيميًا بحتًا. إنه إعادة صياغة للحمة الاجتماعية والتكافل بين الناس، وإعادة إنتاج قيم المجتمع على نحو يمكّنه من مواجهة التقلّبات والتغيّرات التي يفرضها الزمن.

واقع الأمر أن السلوك السلطوي في بعض بلادنا العربية، يساهم في تدمير الاجتماع وتفريق الناس إلى أعداء وخصوم. وقد تكون أكثر جرائم سلطاتنا فظاعًة ووضوحًا، هي تلك التي تتصل بحملات التطهير الطائفي أو السياسي أو العرقي. وأكثرها غرابًة وشيوعًا، تلك التي تتصل بالتدمير الممنهج للبنى التحتية والموارد البشرية والطبيعية على حد سواء، تلك الجرائم التي تحدو إليها الرغبة بتحقيق أرباح سريعة، على حساب صحة المواطنين واستقرارهم الاجتماعي والمعيشي. كما لو أن أهل السلطة في هذه البلاد لا يرون أنفسهم من المستقرين فيها، وتبدو نظرتهم إليها، في العمق، أشبه بنظرة عابر سبيل يريد أن يأكل ما أمكنه من ثمار الشجرة التي تتدلى أغصانها، من دون أن يفكر لحظة واحدة في مسؤوليته عن ريِّها وتشذيبها والعناية بثمارها.

فمن دون محاكمات يجد فيها الضحايا من يقص سيرهم ويدافع عن مواقفهم، ويبرر سقطاتهم، لا يستطيعون أن يتحولوا إلى ضحايا

ما الذي يمكن استخلاصه من السرقات المنظمة التي تورطت بها الفئات الحاكمة والمسيطرة في لبنان غير هذا الأمر؟ وما الذي يمكن ملاحظته من سرقة المواد الإغاثية والمتاجرة بها في اليمن سوى هذه الصفة؟ وماذا يمكن أن يقول المراقب حيال قتل المتظاهرين بدم بارد، وإحراق المؤسسات في العراق؟ وما الذي يعنيه التعنت السوري النظامي في مواجهة شعبه، وتفضيل شعوب خارجية عليه، غير التخلي المطلق عن كل تضامن اجتماعي؟ وهذا كله ولم نذكر جرائم سلطات في دول أخرى تستسهل اتخاذ القرارات في الاقتصاد والاجتماع على نحو اعتباطي، كما يجري في تونس والجزائر وغيرها من الدول.

اقرأ/ي أيضًا: فرض الكفاية عين

أن تكون مواطنًا في دولة من هذه الدول، يعني أنك لن تستطيع تمييز حقوقك على أي وجه. عليك أن تعيش كما لو أنك مستعبد أو مملوك. ويتم التعامل معك كما يتعامل السيد مع مقتنياته اليومية. قد تُتلف من دون سبب، وقد تؤكل من دون سبب وتُرمى بقاياك على قارعة الطريق أيضًا. فيما أهل السلطة في هذه الدول ينتظرون بفارغ الصبر لحظة نضوب مواردها، حتى يهجروها إلى دول ما زالت تحترم حدودها.

 

اقرأي/ أيضًا:

في أننا مخيّرون بين هاويتين

الحياة القديمة مفتاح الحياة الجديدة