وإني سميتها كرامة

وإني سميتها كرامة

"وإني سميتها كرامة" (Getty)

"كرامة، سأسميها كرامة" همست وهي تمسك يده بشدة ونبضات قلبها تسارع الزمن بهجة.

ابتسم خالد وقال: ماذا إن كان ولدًا؟..

لحظات الفرح محدودة في حياة إيلياء، فهي لم تبصر النور منذ قدومها إلى الحياة.

يقولون إنها فائقة الحسن، لكنها لم تر ملامحها يومًا، ولا تعرف معنى الجمال قط. يستهويها شعرها الناعم المنسدل على كتفيها ويشعرها بأنوثة طاغية تعزز ثقتها بجمالها. تحب رائحة عطر الياسمين كثيرًا وتضعه على الدوام. شعرها وعطرها من أحب الأشياء إلى قلبها، فهما الوحيدان اللذان رافقا كامل حياتها بحلوها ومرها.

لكن أحلى ما في حياتها حصل عندما التقت توأم روحها وارتبط اسمها باسمه. وعدها يومها أن يصبح عينيها ووعدته أن يكون نورهما. لم يشعرها بعجزها ونسيت معه كل معاني الحزن. أهداها الحب والسكينة فأثمرا حملًا بعد سنة من الزواج، لم تسعهما الدنيا من فرط السعادة يومها، كانت أول مرة تختلط فيها دموع الفرح والحزن معًا على وجنتي إيلياء، فرحها بنبض الأمومة في أحشائها وحزنها على ما أفقد حياتها كل بهجتها.

مرت الأيام بحلوها ومرها الذي يصاحب كل حمل، كانت غبطتها تتعاظم وتكبر مع كبر بطنها تدريجيًا ومع كل حركة تصاحب تقلبات فلذة كبدها في رحاب مملكتها العظمى.

اتفقت مع خالد ألا يكشفا عن جنس المولود المنتظر إلى حين قدومه، لكن حدسها طالما حدثها عن أميرة قادمة تشد أزرها وتكتم سرها، فأعدت لها الفساتين والألعاب وحادثتها ليال طويلة وأعدت لها رسائل صوتية باحت لها فيها بكل خواطرها.

حل الشتاء ببرده الشديد وبدأت خطوات إيلياء تتثاقل وجسمها يكتنز معه، تضاربت مشاعرها وبدأت تسبح في بحر هائج تجرفها أمواجه المتلاطمة تارة إلى القاع خشية من القادم وترفعها طورًا إلى عنان السماء فتحلق فوق السحاب وتنسج أحلامها الوردية احتفاء بقدوم المولود المنتظر.

وفي يوم ممطر، أعدت إيلياء كوب شاي دافئ وجلست حذو النافذة كي تلمس روحها سحر نقر الأمطار على الزجاج مع معزوفة كلاسيكية هادئة منتظرة عودة رفيق دربها من عمله.

كان البرد شديدًا لكنها تشعر بحرارة تسري في جسدها مسرى النار في الهشيم، تحسست أطراف أصابعها وقدميها فوجدتها باردة جدًا، حاولت الوقوف جاهدة فأوقعت كوب الشاي ودوت من حنجرتها أول صرخة معلنة بدء صراع الحياة مع الحياة وتمرد الفرع على الأصل للتخلص من قيوده والانعتاق.

لم تعرف إيلياء هذا الألم سابقًا لكنها متيقنة أنه ألم المخاض، صرخت بكل ما أوتيت من قوة علها تظفر بنجدة أحدهم أو تخفف بعضًا مما تشعر به.

دقات قلبها تتسارع، وأوجاعها تشتد حينًا وتتلاشى آخر. الشعور بالحر يمزق أوصالها، والبرد في أطرافها يفقدها الإحساس بوجودها. كانت كمن يصارع قطيعا من الثيران الهائجة في الحلبة، فيتلقى الطعنات والضربات من كل حدب وصوب ولا مغيث.

خارت قواها ولم تعد تقوى على الصراخ أكثر. لا تعرف كم مر من الوقت وهي على تلك الحالة، كل ما تعرفه أنها نازعت الموت وحيدة داخل نفق مظلم ليس فيه بصيص من النور. لكن حتى وإن وجدت المخرج وغادرت النفق فإنها لن تبصر النور، ستصبح والدة بعد قليل ولن ترى وليدها. أحست بالقهر وقتها، حينها فقط انفجرت دموعها غزيرة، ليس لوجع يقطع جسدها، وإنما لحرمان يدمر حياتها ويشعرها بالعجز.

وصل خالد إلى البيت ليجد شقيقة الروح تتخبط وتصرخ من شدة ما ألم بجسدها، كانت المرة الأولى التي لا تشعر فيها بدخوله، حاول جاهدًا أن يخفي عنها هلعه وحملها إلى المستشفى.

لم يكن الوقت مناسبًا أبدا للعلق في أزمة سير سببتها الأمطار الغزيرة، لا قيمة للوقت عند إيلياء، فالليل والنهار متشابهان لديها، لكنها أحست بطول الليل هذه المرة، لا تعرف حقيقة إن كان ليلًا لكنها تختنق داخل بئر عميق تلفه الغياهب من كل حدب وصوب.

كان يجلس بجانبها وهي على طاولة الولادة وقد تورمت يداه وأدمتها إيلياء وهي تصب وجعها على يديه إلى أن انطلقت صرخة سكتت بعدها صرخات الأم وتحولت إلى ابتسامة رضا. لا تتذكر فيما بعد إلا ردها وهي منهكة على التهاني، انحنى خالد على جبينها وطبع قبلة قائلا "حمدًا لله على سلامة حبيبتي، ها قد حلت بيننا أخيرا." كادت إيلياء أن تطير من الفرحة عندها وردت ضاحكة "وإني سميتها كرامة".