هل كان يمكن لحدودٍ مختلفة أن تنقذ الشرق الأوسط

هل كان يمكن لحدودٍ مختلفة أن تنقذ الشرق الأوسط

(Getty)

في السادس عشر من أيار/مايو الجاري يكون قد مر مائة عام على توقيع اتفاقية سايكس بيكو، التي يرى كثيرون أنها وضعت بذرة الصراعات العنيفة التي تجتاح الشرق الأوسط اليوم، لكن هل كان يمكن لرسمٍ مختلف للحدود أن يقود إلى نتائج مختلفة؟ في هذا المقال يعرض الكاتب والمحلل السياسي الأمريكي نك دانفورث مشاريع دول وحدود مختلفة بدت ممكنة خلال تلك الفترة، وهي المشاريع التي يدفع بأنها لم تكن لتؤدي إلى نتيجةٍ تختلف كثيرًا على أية حال.

عندما سيطرت فرنسا على ما يعرف اليوم بسوريا، كانت خطة باريس هي تقسيم المنطقة إلى دويلاتٍ أصغر تحت السيطرة الفرنسية.

_____

ربما ليس هناك الكثير مما يتفق عليه تنظيم الدولة الإسلامية وجون ستيوارت ورئيس كردستان العراق، لكن هناك شيئًا: الآثار الوخيمة لاتفاقية سايكس بيكو، وهي خطة سرية لتقسيم الشرق الاوسط وقعتها بريطانيا وفرنسا هذا الأسبوع منذ مائة عام. أصبح من الحكمة التقليدية المجادلة، كما فعل نائب الرئيس جوزيف بايدن مؤخرًا، بأن مشاكل الشرق الأوسط تنبع من "خطوطٍ اصطناعية، خلق دولٍ اصطناعية مكونة من مجموعاتٍ عرقية ودينية وثقافية شديدة الاختلاف".

ليس هناك شك في أن الإمبريالية الغربية كان لها تأثيرٌ ضار على مسار تاريخ الشرق الأوسط. لكن هل اتفاقية سايكس بيكو هي الهدف الصحيح لهذا الغضب؟

ظهرت الحدود التي توجد اليوم -والتي يزعم تنظيم الدولة الإسلامية إزالتها- عام 1920، وتم تعديلها في العقد التالي. هي لا تعكس خطةً بعينها ولكن سلسلة من المقترحات الانتهازية من قِبل خبراء استراتيجيين متنافسين في باريس ولندن بالإضافة إلى الزعماء المحليين في الشرق الأوسط. أيًا ما كانت المشاكل التي سببتها تلك المشاريع فإن الأفكار البديلة لتقسيم المنطقة ربما لم تكن أفضل كثيرًا. خلق دول من مناطق متنوعة هي عملية عنيفة ومنقوصة.

اقرأ/ي أيضًا: عندما كانت أوروبا تحب الإسلام

سايكس وبيكو يضعان مخططهما


في مايو 1916 صاغ الدبلوماسي البريطاني مارك سايكس والفرنسي جورج بيكو اتفاقية لضمان حصول بلديهما على نصيبهما العادل من الغنائم بعد هزيمة الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى.

 البلدان منحا نفسيهما سيطرةً مباشرة على مناطق كان لهما بها مصالح اقتصادية واستراتيجية معينة. كان لفرنسا روابط اقتصادية بالشام، كما رعت طويلا المسيحيين بتلك المنطقة. كانت بريطانيا ترغب في تأمين طرق التجارة إلى الهند من خلال قناة السويس والخليج العربي.

بقدر ما حاولت خطة سايكس بيكو وضع الجماعات العرقية أو الدينية أو الثقافية المحلية أو تصوراتها بشأن المستقبل في الحسبان، فإنها قدمت وعدًا مبهمًا بتأسيس دولة أو عدة دول عربية – تحت النفوذ البريطاني والفرنسي بالطبع.

أحلام فيصل بمملكةٍ عربية موحدة


 

في مارس 1920 أصبح فيصل بن الحسين، الذي قاد الجيوش العربية في تمردها المدعوم بريطانيًا ضد العثمانيين خلال الحرب العالمية الأولى، زعيم مملكة سوريا المستقلة وعاصمتها دمشق. امتدت حدوده الطموحة عبر ما يعرف اليوم بسوريا والأردن وإسرائيل وأجزاء من تركيا (لكن ليس العراق).

هل كانت خريطة فيصل لتقدم بديلًا حقيقيًا للحدود المفروضة من الخارج التي أتت في النهاية؟ لن نعلم أبدًا. هزم الفرنسيون، الذين عارضوا خطته، جيشه في يوليو من نفس العام.

لكن حتى إذا لم يفعلوا، كانت مطالبات فيصل لتضعه في صراعٍ مباشر مع المسيحيين الموارنة فيما يعرف اليوم بلبنان، ومع المستوطنين اليهود الذين كانوا قد بدؤوا مشروعهم الصهيوني في فلسطين، ومع القوميين الأتراك الذين سعوا إلى توحيد الأناضول.

اقرأ/ي أيضًا: الولايات المتحدة صامتة بينما حلب تحترق

فرنسا تقسم سوريا


عندما سيطرت فرنسا على ما يعرف اليوم بسوريا، كانت خطة باريس هي تقسيم المنطقة إلى دويلاتٍ أصغر تحت السيطرة الفرنسية. كانت تلك الدويلات مقسمة حسب خطوط عرقية وإقليمية وطائفية: تصور الفرنسيون دولةً للعلويين، وأخرى للدروز، وثالثة للأتراك، ودولتين أخرتين حول أكبر مدينتين سوريتين، دمشق وحلب.

كان الغرض من استراتيجية فرق تسد تلك هي إجهاض دعوات القوميين العرب لـ"سوريا الكبرى". اليوم، وبينما تدخل الحرب الأهلية السورية عامها الخامس، تم اقتراح تقسيمٍ مشابه للبلاد كبديلٍ أكثر واقعية للدولة السورية المصطنعة. لكن عندما حاول الفرنسيون تقسيم سوريا منذ قرنٍ مضى قاوم سكان المنطقة بشدة، مستلهمين أفكار الوحدة السورية أو العربية ومدفوعين من قِبل زعماء قوميين جدد، حتى تخلت فرنسا عن الخطة.

الأمريكيون ينقذون الموقف؟


في عام 1919 أرسل الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون وفدًا لتصميم طريقة أفضل لتقسيم المنطقة. قام عالم اللاهوت هنري كينج ورجل الأعمال البارز تشارلز كرين بإجراء مئات المقابلات من أجل إعداد خريطة تقوم على فكرة حق تقرير المصير الوطني.

هل كانت تلك فرصةً ضائعة لرسم الحدود "الحقيقية" للمنطقة؟ هذا أمرٌ مشكوكٌ فيه. بعد دراسةٍ متأنية، أدرك كينج وكرين مدى صعوبة المهمة: لقد وفقوا بين جعل لبنان مستقلة أو جعلها جزء من سوريا باقتراح "حكمٍ ذاتيٍ محدود". كما اعتقدوا أنه من الأفضل للأكراد إلحاقهم بالعراق أو تركيا، وكانوا متأكدين من أن السنة والشيعة ينتمون معًا إلى عراقٍ موحد. في النهاية، تجاهل البريطانيون والفرنسيون تلك التوصيات. فقط إذا كانوا استجابوا، لربما كانت الأمور وصلت إلى نفس الوضع بدرجةٍ أو أخرى.

اقرأ/ي أيضَا: