ميسي مع منتخب بلاده.. جانٍ أم مجني عليه؟

ميسي مع منتخب بلاده.. جانٍ أم مجني عليه؟

شُحذت سكاكين النقد الغليظ ضد ميسي بعد خروج الأرجنتين من الدور الثاني في مونديال روسيا (Getty)

تعرّف بعض متابعي كرة القدم، خاصة أولئك الذين يشاهدون ويهتمون ببطولات الفئات العمرية، إلى ليونيل ميسي في مونديال 2005 للشباب الذي أقيم في هولندا، حيث قاد منتخب بلاده للتويج على حساب نيجيريا في النهائي، وقد حصل يومها على لقب هداف المسابقة بستة أهداف، وكذا لقب أفضل لاعب في البطولة.

عادة ما يختفي نجوم بطولات الشباب والناشئين، لكن ميسي وبعد إنجازاته في مونديال 2005 للشباب، بدأ يرتقي سريعًا سُلم النجومية

يختفي الكثير من نجوم بطولات الشباب والناشئين بعد تتويجهم بالجوائز الفردية والجماعية خلالها، لكن ميسي بدأ يرتقي إلى النجومية بسرعة وبدون أي إهدار للوقت. ففي آذار/مارس 2007، سجل ليونيل ميسي لفريقه برشلونة هاتريك مدهش في مرمى ريال مدريد في السانتياغو برنابيو، فأصبح ابن الـ19 سنة محط أنظار الجميع.

اقرأ/ي أيضًا: ميسي لديكم.. لا خوف عليكم

وصل ميسي إلى القمة بين 2009 و2012 تحت قيادة بيب غوارديولا، حيث توّج بكرته الذهبية الرابعة قبل أن يتمّ عامه الـ25. وأصبح حديث الناس والملهم لملايين الأطفال حول العالم. الطفل الذي عانى من مشاكل في النمو وفي التواصل، وقضى ساعات طويلة في عيادات الأطباء، وصاحب الـ169 سنتيمتر طولًا، والذي كان يُلقب بـ"البرغوث" بسبب ضآلة حجمه، أصبح طفل برشلونة المدلل في مدة قياسية. 

انتقل ميسي  إلى برشلونة في سن الـ12، ولعب في أكاديمية لاماسيا بجيلها الذهبي مع فابريغاس وبيكيه وفالديز وبوسكتس والباقين، وانتقل بسرعة إلى الفريق الأول، وأصبح اللاعب رقم واحد في التشكيلة ابتداءً من موسم 2008\2009.

في برشلونة لا يواجه ميسي ضغوطات كبيرة. هو محبوب الجماهير، والملك رقم 10، يلعب عالجناح الأيمن فيبدع، يلعب في خط الهجوم وحيدًا، كما في دوري 2011، فيسجّل 50 هدفًا في الليغا، يتأخر إلى نصف الملعب قليلًا  لصناعة اللعب كما في دوري هذه السنة، فيتفوق على الجميع، ليصبح هداف الدوري وأكثر من صنع أهدافًا، وأكثر من قام بمراوغات، وأكثر من سجل ضربات حرة وأكثر من خلق فرصاً سانحة للتسجيل. حقق الحذاء الذهبي للمرة الخامسة، مع أنه ليس رأس حربة صريحًا.

في برشلونة لا يواجه ميسي أي ضغوطات، فهو محبوب الجماهير والملك رقم 10 (Getty)
في برشلونة لا يواجه ميسي أي ضغوطات، فهو محبوب الجماهير والملك رقم 10 (Getty)

ورغم كل الحب الذي تكنّه جماهير برشلونة لميسي، إلا أنه يبقى غريبًا بشكل أو بآخر عن المجموعة الكاتالونية، ففي صيف 2010 كان سبعة من زملائه يتوّجون مع إسبانيا بمونديال جنوب إفريقيا، فيما كان منتخب بلاده يدفع ثمن تخبط الاتحاد الأرجنتيني، والتجربة المارادونية الكارثية في التدريب، فيخسر برباعية مهينة أمام ألمانيا.

قضية كاتالونيا التي يتبناها بيكيه وتشافي وباقي الكتلان في الفريق، وفي الإدارة، لا تعنيه إلا من باب الوقوف الأخلاقي إلى جانب أصدقاء الطفولة. في برشلونة يلعب ميسي لأجل المتعة والفوز، لا يجادل الحكام كثيرًا، ولا يتكلم كثيرًا مع زملائه في الملعب، تصريحاته الصحفية قليلة جدًا، ولا يعرف إلا لغة الكرة، لا يبالغ في الاحتفال في الأهداف، ويكتفي برفع سبابته إلى السماء، كتحية لجدته التي كان لها دور كبير في حياته وفي مسيرته. في برشلونة يبني ميسي عالمًا صغيرًا له ويعيش داخله.

الطفل المدلل الذي يجعل المعلّقين على مبارياته يخرجون أفضل ما عندهم لدى التعليق على أهدافه، فيقول له الشوالي: "أنت بابا روما الحقيقي"، ويقول الكعبي عنه: "قاتل يراقص موتاه"، أما العتيبي فيتوجه لجماهير برشلونة بالقول: "ميسي لديكم لا خوف عليكم"، فيما يعتبر محمد أبو تريكة نجم الأهلي ومنتخب مصر السابق،  في لحظة عاطفية، أن ميسي هو "أفضل اختراع للبشرية بعد الكهرباء".. وجد ميسي نفسه بعد مونديال 2014 والخسارة أمام ألمانيا في النهائي، وبعد خسارة نهائيين متتالين في كوبا أمريكا، كالفتى الذي يصبح فجأة مسؤولاً عن شؤون البيت، والذي ألقيت المسؤوليات على عاتقه.

لم يعد ثمة كلام في الصحافة الأرجنتينية الرياضية سوى عن ميسي، وبات اللاعب مُطالبٌ بتحقيق المونديال بإثبات جدارته وولائه لبلاده الأرجنتين، وإلا فهو "متخاذل"! أما بالنسبة لعشاق ميسي، وهم كثر حول العالم، وبينهم مدربون عالميون وصحفيون ومحللون، فإن "ليو" قد طبع مكانًا في قلوبهم للأبد، وهو ليس مطالباً بأي شيء، ولا شيء عليه إثباته.

في مونديال روسيا 2018، تحول ميسي، الطفل المدلل، إلى رجلٍ مسؤول عن منتخب بلاده ويحمل كل همه

في التصفيات المؤهلة إلى كاس العالم، غاب ميسي عن سبع مباريات لمنتخب التانغو، بسبب الإصابة والإيقاف. حققت الأرجنتين سبع نقاط فقط بدون ميسي، وسجل لاعبوها ستة أهداف. وفي المباراة الحاسمة ضد الإكوادور، كانت الأرجنتين بحاجة للفوز للتأهل إلى مونديال روسيا، تأخر رجال المدرب سامباولي بهدف مبكّر، وظهر ميسي في الوقت المناسب، وسجل ثلاثة أهداف بمجهود فردي، وقاد رفاقه إلى العرس العالمي.

اقرأ/ي أيضًا: ميسي.. هل رأيتم يومًا قاتلًا يراقص قتلاه؟

في روسيا 2018 ظهرت نسخة جديدة من ليو ميسي، فشاهدنا الطفل الذي صار رجلاً، احتفال جنوني بالهدفين ضد نيجيريا، ومحاججة الحكام باستمرار، وتوجيه وتحفيز لزملائه، والحديث مع المدرب لدى توقف الكرة، وفي المقابل يمكنك أن ترى في وجهه الحزن طوال الوقت، وكأنه يحمل كل الهم وحده. لقد أُخرج ميسي من عالمه الصغير، وبات رجل البيت فجأة، والحكم على تجربته المونديالية ليس بهذه البساطة، وليس كما يحاول اختزالها بعض المحللين الذين يطلقون النار على رأسه بعد أي إخفاق.

بعد إهدار ميسي لضربة الجزاء أمام أيسلندا، شحذ بعض النقاد والمحللين سكاكينهم، ووضعوا ميسي على المشرحة، فاتهموه بأنه "متخاذل" و"لا يمتلك شخصية قيادية" و"صنيعة تشافي وإنييستا"، وغير ذلك. وبالطبع قارنوه برونالدو الذي سجّل هاتريك في الليلة السابقة، وتحدثوا عن الكاريزما والانتماء، وعن الروح القيادية، في إطار المقارنة مع رونالدو. 

احتاجت للأرجنتين لبعض الحظ للبقاء في المونديال والتأهل إللى الدور الثاني، وقدم ميسي شوطًا أول كبير ضد نيجيريا، وسجل هدفًا جميلًا، وأصاب القائم. فازت الأرجنتين بهدف متأخر سجله ماركوس روخو، وأطلق الحكم صافرة النهاية. ارتمى ميسي على الأرض؛ لقد زال كابوس الخروج من الدور الأول، وشعر كارهوه بالإحباط.

ليس من الإنصاف الحكم على ميسي من خلال بطولة كأس العالم (Getty)
ليس من الإنصاف الحكم على ميسي من خلال بطولة كأس العالم (Getty)

تجمّع زملاؤه حوله، عانقهم وعانقوه، احتفل معهم بصفته قائد الفريق، ثم ذهب إلى ماسكيرانو ، ماسكيرانو الأخ الكبير في أسرة برشلونة والذي يفهمه جيدًا. وضع ميسي رأسه على صدر ماسكيرانو، هناك حيث يشعر بالأمان  وبالراحة بعد مباراة شاقة بدنيًا وذهنيًا، وبكى كما يبكي الأطفال، لقد عاد الرجل طفلاً لثوان قليلة.

في مبارتها أمام فرنسا، خسرت الأرجنتين، وخرجت من الدور الثاني، وفشل ميسي مرة أخرى في تحقيق الكأس الأغلى، وكذلك خرج كريستيانو رونالدو -أفضل لاعب في العالم في آخر سنتين- من الدور نفسه، فيما خرج محمد صلاح أفضل لاعب في إنجلترا في الموسم الحالي من  الدور الأول، اللاعبون الثلاثة الذي كانت لهم الفرصة الأكبر للمنافسة على الكرة الذهبية، خرجوا باكرًا، بينما تلقى دايفيد دي خيا، صاحب أكبر عدد من التصديات هذا الموسم مع مانشستر يونايتيد، والمرشح ليكون أفضل حارس هذا العام، ستة أهداف من سبع تسديدات. كذلك خرجت البرازيل أمام بلجيكا رغم المباراة العظيمة التي قدمها لاعبوها.

ليس ميسي النجم الوحيد الذي خرج من الدور الثاني للمونديال، فكذلك خرج رونالدو، ومن قبلهما صلاح من الدور الأول

إذًا، هل يعكس كأس العالم القيمة الحقيقية للنجم؟ وهل هو المسابقة الصالحة للحكم عليه؟ أم أن المنتخب الذي يتوّج باللقب، هو الذي يملك تشكيلة متجانسة ومتكاملة وبالتالي قد يدفع النجوم ثمن الثغرات والشوائب التي تشوب منتخباتهم؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

ميسي بات مسؤولاً عن كلمة جديدة في القاموس الإسباني

ميسي.. أسطور العالم بلا كأس