من هو العدو؟

من هو العدو؟

مقطع من لوحة لـ بسيم الريس/ سوريا

تركضُ خلف اللقمة كأنها خلفَ فراشة،

تفرح كطفلة، تبكي كفانوس،

تقولُ إنها لم تزل صغيرة،

ستة أبناء وغيابين ولم تكبَر بعد!

أليست الطفولة الدهشة والملذات الصغيرة؟

إذًا، من لا يشبع لا يكبَر حتى لو هرم.

*

 

للحياة أصحابها، ملاكها العقاريون، مثقفوها، مزيفوها، أسراب الذباب، النمل، الطاعون الزواحف العملاقة، بكتيريا الفاقة، متلازمة الاكتئاب اللعين، حتى ذبابة تسي تسي.

حقًا الفرح بالملذات الصغيرة نعمة فائضة.

اسألوا الذين خانتهم أوطانهم ورمتهم في الحضيض.

أو الذين لم يجدوا مكانًا يسعهم خارج القفص،

قفصٌ بعلم وطني وزي رسمي، مكان لائق لإفراغ الكرامة الإنسانية عن بكرة أبيها، والخروج من الحائط على صهوة منام.

إذًا، عليك أن تختار بين أن تموت حرًّا، أو تموت طليقًا،

في بلاد الـ"عاش.. عاش" هذه.

حقًا عاش، ما الذي سيمنعه من العيش إلى هذه الدرجة،

ما دام الوطن واسعًا كفيّلا، خاصًّا كحمام،

والجميع فيه كلاب مدربة، أو خدم مخلصون.

والفائضون عن الأسوار - الذين لا أوطان لهم في وطنهم - يساقون باكرًا جدًا للدفاع عن الكرامة الوطنية.

كل يوم أراهم يدلفون من أول الزمهرير إلى معسكراتهم المرسومة بدقة في خرائط العدو!

ومن هو العدو؟

من هو العدو؟؟

أظنه البقال في الحارة المجاورة،

رجل لئيم بنصف طقم أسنان، وبصلعة مهترئة.

مع أن للإذاعة رأيًا آخر،

إلا أن والدي يميل إلى رأي إمام الجامع الذي ينطبق توصيفه للعدو على جارنا عازف البزق.

من هو العدو؟

اختلط الدم بالدم في حوانيت التوابل والأفاويه وحقوق الإنسان،

وفار البيبسي كولا في عروقنا.

يسألني عن الوطن... أُشير إلى الخِرقة الملونة التي ترف على سارية الحديد،

يقول أين يقع بيتك؟

ينتابني خجلي وأنا أشير إلى الطرف المهترئ: كان هنا.

*

 

قال أعطوني غرفة في هذه البلاد لأموت دفاعًا عنها!

رأيته، كان جادًا كجبل، منتفخًا كضفدع،

بعد شهرين طويلين استُشهد تاركًا كل ذريته في الشارع.

ثلاثة أطفال أليسوا ذرية كاملة؟؟

*

 

ما أقسى الوطن وهو يمضغ قلوب الأمهات اللواتي لا حول لهن ولا منديل،

ما أشرسه وهو يلقي الأيتام في حاويات القمامة،

بأم عيني رأيت ثلاثة منهم،

للوهلة الأولى خلتني أمام الحلقة المفقودة بين الجرذ والإنسان، عكس ما زعم داروين،

ثم أدركت أنهم مجرد أطفال غير مهمين، يلتقطون بعض الأشياء المهمة،

وعرفت أنهم في أوقات الفراغ يربون الدمع والأظافر دون هدف واضح،

ويحلمون بأن يصبحوا - حين يكبرون - رجال شرطة، بمسدسات حقيقية.

في المرة القادمة، سألقي علبة فول كاملة في كيس القمامة، وقطعة كبيرة من الآيس كريم.

*

 

ينبغي سبع مقابر لإقامة فندق،

سبع أسر مشردة لاستدراج سائح،

سبعة سجون لبناء قصر،

أليست أثماناً زهيدة للدّخول إلى نادي المتحضرين؟

ثمة وصفات أكثر شعبية لدى نادي روما الاقتصادي، مع القليل القليل من هستيريا صندوق النقد الدولي، يمكننا القفز إلى القرن الجديد، مدججين بالديمقراطية والمسدسات.

طوبى للخبز والطغاة،

طوبى للعدالة التي التهمت نصفنا وأقعت ككلب عند أقدامهم،

طوبى لأفق مغمض العينين.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الشيّال

ديريك والكوت: الغريب الذي أحبّكَ