مكتبة منصورة عزّ الدين

مكتبة منصورة عزّ الدين

الروائية منصورة عزّ الدين

ألترا صوت - فريق التحرير

يخصّص "ألترا صوت" هذه المساحة الأسبوعيّة، كلَّ إثنين، للعلاقة الشخصية مع الكتب والقراءة، لكونها تمضي بصاحبها إلى تشكيل تاريخٍ سريّ وسيرة رديفة، توازي في تأثيرها تجارب الحياة أو تتفوّق عليها. كتّاب وصحافيون وفنّانون يتناوبون في الحديث عن عالمٍ شديد الحميميّة، أبجديتُهُ الورق، ولغته الخيال.


منصورة عزّ الدين روائية وقاصة من مصر. بدأت تجربتها بمجموعة قصصية "ضوء مهتز"، بعد ذلك أصدرت روايتها الأولى "متاهة مريم"، لتتبعها برواية "وراء الفردوس" ومجموعة قصصية بعنوان "نحو الجنون". آخر إصداراتها مجموعة قصصية بعنوان "مأوى الغياب".


  • ما الذي جاء بكِ إلى عالم الكتب؟

منذ الصغر وقعت في غواية الكلمات، كنت أختلق قصصًا ومواقف خيالية لا لشيء سوى لاستخدام كلمات بعينها لفتت نظري أو أحببتها من دون فهم معناها بالضرورة. في ذلك الوقت لم يكن يعنيني الصدق أو الحقيقة إنما اللعب مع كلماتي المفضلة. كنت أبتكر للكلمات وللحروف شخصيات تخصها وإيحاءات قد لا تحملها في الحقيقة. ثمة حروف انحزت لها وأخرى راوغتني وبدت لي صعبة النطق ثقيلة الإيقاع. الإيقاع تحديدًا كان ما قادني للهوس بالحكايات الشفاهية والحواديت الشعبية. وُلِدت لعائلة من الحكائين، أو ربما كانوا فقط يحكون استجابة لإلحاحي. هكذا استمعت إلى قصص الأنبياء والسيرة الهلالية وحواديت شعبية رحت لاحقًا أبحث عن ما يشبهها في الكتب التي قادتني بدورها إلى الكتابة.

كانت القراءة وسيلتي لتوسيع عالمي الضيق ومدي بخبرات لم أكن لأمر بها في الواقع، كانت أيضًا أداتي للبحث عن أجوبة لأسئلتي المؤرقة، أما الكتابة فكانت، وما زالت،  طريقتي لفهم نفسي والعالم من حولي ولطرح المزيد من الأسئلة.

  • ما هو الكتاب، أو الكتب، الأكثر تأثيرًا في حياتكِ؟

من الصعب اختيار كتاب محدد، كثيرة هي الكتب المؤثرة في حياة قرّائها، وفي بعض الأحيان قد لا ينتبه القارئ نفسه إلى مقدار تأثير هذا الكتاب أو ذاك عليه إلّا بالصدفة وبعد سنوات، وفي حالات عديدة قد لا يكون الكتاب الأكثر تأثيرًا كتابًا جيدًا أو مفضلًا حتى، إذ قد ينبع التأثير من أن عملية القراءة حدثت في مرحلة مبكرة من عمر القارئ ودفعته صوب اتجاه معين لم يكن ليفكر فيه لولا هذا الكتاب. في حالتي هناك كتب قرأتها في الطفولة وأثرت عليّ أكثر من غيرها، لكن ذائقتي تجاوزتها في ما بعد. وكتب خفيفة فتحت لي أبواب الحلم والتخييل ولم أعد لها مرة أخرى. وأخرى متخصصة عاشت معي ولم ينته تأثيرها عليّ حتى وإن كانت خياراتي الحياتية قد أبعدتني عن مجال تخصصها، ضمن الفئة الأخيرة أتذكر مثلًا أن كتب الكيمياء خلال مرحلة دراستي الثانوية جعلتني أنظر إلى العالم والعلاقات بين عناصره بطريقة مغايرة تمامًا. أحببت هذه المادة جدًا ورغبت في التخصص بها، لكن في النهاية درست الصحافة والإعلام وأخذت حياتي منحى آخر.

لكن بالتركيز على الحاضر، تحضرني الآن عناوين مثل: "لسان العرب" لابن منظور الذي أنظر إليه كمصنف إبداعي رفيع المستوى، وليس فقط كمعجم قديم، و"كتاب الطاو" للاوتسو، و"ألف ليلة وليلة"، ومؤلفات جاك دريدا خاصة "في علم الكتابة" و"صيدلية أفلاطون" و"الكتابة والاختلاف". معيار الاختيار هنا أن هذه الأعمال  كانت ملهمة لي ومحفزة لخيالي.

  • من هو كاتبكِ المفضل، ولماذا أصبح كذلك؟

لا يمكنني تخيل حياتي دون قراءة أبي العلاء المعري، المتنبي، طرفة بن العبد وامرئ القيس. أحب الشعر العربي القديم عمومًا، لكن هؤلاء الشعراء مفضلون عندي. أحب أيضًا الجاحظ والنفري وآخرين. بالنسبة للروائيين وكتاب القصة فلا يوجد كاتب بعينه، بل كتاب عديدون يجذبني نحو كتابة كل منهم شيء محدد. تلفت نظري مثلًا قدرة جوان ديديون على أن تكتب نصًا جميلًا عن لا شيء تقريبًا، لا شيء على الإطلاق. تعجبني استطرادات خابيير مارياس التي تبدو -لوهلة- بعيدة عن متن العمل، ثم تكتشف لاحقًا أنها المتن، وأيضًا مهارته في خلق عالم كامل الواقعية ظاهريًا لكنه لا يشبه الواقع المألوف، إذ يغربل مارياس الواقع -إن جاز لنا استخدام تعبير مماثل- للتخلص من عناصره غير الفنية مبقيًا فقط على ما يراه فنًا خالصًا. أستمتع بمشهدية زيبالد وتطويعه لأدب الرحلات وفن الريبورتاج وأنواع كتابية عديدة لصالح فن الرواية بطريقة تخصه وحده. أحب خيال برونو شولتز وبولغاكوف وكورتاثر، وانفتاح نصوص كافكا على تأويلات لا نهائية، ومهارة بورخيس في الاستفادة من منجزات ثقافات مختلفة وصهرها في بوتقته الإبداعية الخاصة. أتوقف أمام قدرة فوينتس على رسم مشاهد ذات شحنة شعرية عالية ناتجة من العلاقة بين عناصر كل مشهد. هذه مجرد أمثلة، يمكن الإضافة إليها دون أن يعني هذا الإعجاب بكل ما يكتبه هؤلاء.

  • هل تكتبين ملاحظات أو ملخصات لما تقرئينه عادة؟

نادرًا ما أكتب ملخصات لما أقرأ، لكن في الغالب أدون ملاحظات وهوامش أو أضع خطوطًا تحت الفقرات التي تلفت نظري وأرغب في العودة لها لاحقًا. الكتب الفكرية والفلسفية تحديدًا أفضِّل قراءتها بالورقة والقلم.

  • هل تغيّرت علاقتك مع الكتب بعد دخول الكتاب الإلكتروني؟

في تقديري أنها تغيرت، إذ أخذت وقتًا كي أعتاد على القراءة عبر الشاشة، والأهم كي أكتفي أحيانًا بالقراءة فقط دون تدوين هوامش وملاحظات تخصني. الآن بإمكاني قول إنني اعتدت القراءة الإلكترونية بدرجة تقارب اعتيادي القراءة الورقية، غير أنني لا أضع هذين النمطين موضع التقابل إنما موضع التكامل. فالقراءة الإلكترونية تكون -في حالتي- لإكمال نقص ما، مثل عدم توفر الطبعة الورقية لكتاب ما، أو في حالة منعه أو نفاد طبعاته من الأسواق. وهناك كتب أقرأها إلكترونيًا وتعجبني فأعيد قراءتها ورقيًا لأن القراءة الورقية تتيح درجة أعلى من التركيز والتذوق، وهذا ليس كلامًا مرسلًا أو رأيًا يخصني، إنما خلاصة دراسات وأبحاث علمية حديثة.

  • حدّثينا عن مكتبتك؟

هناك أكثر من مكتبة، الأولى تخص كتبي في مرحلتي الطفولة والصبا، وكانت مكتبة متنوعة لكن أبرز ما فيها كان روايات من الأدب الروسي لتورجينيف، جوجول، ديستوفيسكي، تولستوي إضافة للأعمال الكاملة لتشيخوف، طبعة دار رادوغا. وأعمال نجيب محفوظ ويوسف إدريس ومحمد البساطي وإدوار الخراط، وروايات بوليسية، وعناوين أخرى لإدجار آلان بو وآخرين. هذه الكتب انتقيتها بنفسي، وما زلت أتذكر قصة تعرفي لأول مرة على كل كاتب من هؤلاء، إذ كان كل كتاب يقودني إلى كتب أخرى وكُتَّاب آخرين. في المرحلة الثانوية قرأت أيضًا أعمالًا للعقاد وطه حسين وزكي نجيب محمود من مكتبة مدرستي. بالانتقال إلى القاهرة للدراسة ثم العمل شرعت في تكوين مكتبة أخرى أضعت بعضًا من مكوناتها خلال التنقل من سكن إلى آخر.

مكتبتي الحالية هي نتاج مقتنياتي من الكتب مع مقتنيات زوجي الكاتب ياسر عبد الحافظ، وبالتالي فهي مزيج من اهتماماتي واهتماماته، وفيها بعض العناوين المكررة، وتتسع لكتب في مجالات شتى من التراث والمعاجم القديمة وعلم الاجتماع وعلم النفس والأدب والنقد. من وقت لآخر تحتاج المكتبة إلى إعادة نظر في عناوينها، ونضطر للتخلي عن بعضها لإفساح المجال لعناوين أخرى أكثر أهمية. يشبه هذا الأمر ضخ دماء جديدة في شرايين المكتبة والنظر بعين نقدية إلى ما تحتويه، فكما يقول بورخيس: "أن ترتب مكتبتك هو أن تمارس النقد الأدبي بطريقة صامتة."

ساعدت الكتب الإلكترونية في عملية المراجعة هذه دونما شعور بالذنب، فهي لا تشغل حيزًا ملموسًا، لذا يمكنها تخفيف الضغط عن المكتبة الورقية. على سبيل المثال نادرًا ما أعود إلى مجلدات "لسان العرب" الورقية الموجودة في مكتبتي، رغم قراءتي له بشكل شبه يومي، لكن عبر موقع "الباحث العربي" الذي يضم أكثر من معجم من بينها "لسان العرب".

  • ما الكتاب الذي تقرئينه في الوقت الحالي؟

أقرأ كتاب "تحولات الجسد" للفيلسوف الأمريكي ألفونسو لينجِس، وكنت قد انتهيت قبلها من قراءة كتابه "عواطف خطرة"، بالتزامن مع إعادة قراءة روايات كلاسيكية روسية مثل "الأنفس الميتة" لجوجول و"المعلم ومارغريتا" لبولغاكوف.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مكتبة خالد زيادة

مكتبة هشام البستاني