مكتبة ممدوح عزام

مكتبة ممدوح عزام

الروائي ممدوح عزام

ألترا صوت - فريق التحرير

يخصّص "ألترا صوت" هذه المساحة الأسبوعيّة، كلَّ إثنين، للعلاقة الشخصية مع الكتب والقراءة، لكونها تمضي بصاحبها إلى تشكيل تاريخٍ سريّ وسيرة رديفة، توازي في تأثيرها تجارب الحياة أو تتفوّق عليها. كتّاب وصحافيون وفنّانون يتناوبون في الحديث عن عالمٍ شديد الحميميّة، أبجديتُهُ الورق، ولغته الخيال.


ممدوح عزام روائي من سوريا، وضعته أعماله الروائية في طليعة الروائيين العرب. تنشغل رواياته بالكفاح الإنسانيّ وعوالم المهمشين وتحدي الفرد في تعبيره عن ذاته داخل مجتمع مغلق، لكنه يضع تلك الأفكار وغيرها في بيئة الجنوب السوري بصحرائه وجبله وسهوله، ما يجعل أعماله شديدة الخصوصية. رواياته: "معراج الموت"، و"قصر المطر"، و"جهات الجنوب"، و"أرض الكلام"، و"نساء الخيال"، ومؤخرًا صدرت روايته "أرواح صخرات العسل". إلى جوار ذلك كتب عدة مجموعات قصصية منها "نحو الماء".


  • ما الذي جاء بك إلى عالم الكتب ؟  

دائمًا كنت أفكر بكتاب ومكتبة حين يوجّه لي مثل هذا السؤال، أما الكتاب فهو "بائعة الخبز"، وقد قرأت الرواية، وهي أول كتاب أقرؤه، وأنا فتى في الثالثة عشرة من عمري أو أقل، وأما المكتبة فهي مكتبة المركز الثقافي في مدينة المالكية أو ديريك. كان هذا حظًا فريدًا أن يكون أستاذي هو مدير المركز الذي عرف غرامي بالقراءة، فأدخلني إلى عالم الكتب والذخائر بيده وقال لي: اقرأ ما شئت هنا! لم يشر إلى أي كتاب بل ترك لي حرية الاختيار. هكذا رحت أنقب في المكتبة المسحورة كل يوم وأقرأ ما يمكن أن يستهوي الفتى في تلك السن. أساطير العرب والأغريق. الروايات التي كانت تصدرها دار العلم للملايين. مغامرات الرحالة المشاهير. وفيما بعد، حين انتقلنا من المدينة، كنت أستعير الكتب أحيانًا من المركز الثقافي في السويداء، وأنا أحلم  بالمكتبة التي ستكون لي.

  • ما هو الكتاب، أو الكتب، الأكثر تأثيرًا في حياتك؟

هذا محير. ففضلًا عن أنني بنيت مكتبتي التي يزيد فيها عدد الكتب عن خمسة آلاف كتاب، فإن لكل واحد من تلك الكتب قصة حميمة وتأثيرًا تراكميًا معلمًا في حياتي الأدبية. لهذا أحسست وأنا أحاول أن أتذكر الكتاب أو الكتب الأكثر تأثيرًا في حياتي بالشفقة تجاه الكتب الأخرى التي استبعدتها. بينما كانت هي تنظر إليّ معاتبة، أو غاضبة أو خائبة من أن تكون قد أضحت في خلفية الذكريات عن الكتب الجميلة والمؤثرة. ولكن لا يمكن نسيان "دون كيخوته"، وقد سعدت بالترجمة الجديدة التي أنجزها سليمان العطار بعد عبد الرحمن بدوي، ولا يمكن تجاهل "الصخب والعنف" لفوكنر فهو المعلم الأكبر الذي يحل لي معظم المشاكل في السرد الروائي. ولـ"موبي ديك" رواية هرمان ملفيل قوة وزخم الكتابة، فيما يقف نجيب محفوظ كي يعلمك كيف ترى الواقع من حولك، ويأتي بعد ذلك نقاد عرب مثل فاروق عبد القادر وعلي الراعي ومحمود أمين العالم وغالي شكري، كما لا يمكن أن أتجاهل الأثر الكبير لمؤرخ عظيم مثل إريك هوبزباوم أو لمؤرخ للفن مثل أرنولد هاوزر. القائمة طويلة جدًا وهؤلاء هم من خطروا ببالي الآن.

  • من هو كاتبك المفضل، ولماذا أصبح كذلك؟

يمكن أن أقول إنهما كاتبان، الأول منهما ماركيز والثاني فارغاس يوسا، أما ماركيز فسيد الخيال بلا منازع، والكاتب الأكثر قدرة على انتزاع الصورة والاستعارة المدهشة من لغة كنت تحسب أنها بليدة وكسولة ومتراخية. وحتى لو كنا نقرأ مؤلفاته مترجمة، فإن الفكرة التي يمنحها للقارئ عن الطريقة في اكتشاف إمكانات اللغة العربية تكاد تكون بلا نهاية، ولهذا فإن قراءته منذ أن ترجمت روايته "مئة عام من العزلة" عملت على إحداث منعطف حقيقي في علاقتي مع بنية لغة الكتابة. ولكن فارغاس له مفعول مختلف، فالكاتب قادر على تقديم أكثر المسائل السياسية والفكرية لشخصياته بسلالة شبه معجزة، وتحدي يوسا أكثر صعوبة بكثير من التوافق مع ماركيز.

  • هل تكتب ملاحظات أو ملخصات لما تقرأه عادة؟

أكتب ملاحظات، وترافقني في القراءة، وأنا أقرأ منذ أكثر من أربعين عامًا وأنا جالس إلى طاولة القراءة، أوراق أو دفاتر بيضاء غير مسطرة أكتب فيها ملاحظاتي، أو المقبوسات التي أستحسن أخذها من الكتاب، مسجلًا رقم الصفحة أيضًا.

  • هل تغيرت علاقتك مع الكتب بعد دخول الكتاب الإلكتروني؟

لا بالطبع، وأنا كاتب، وأطبع رواياتي ورقيًا، وأوزعها وأهديها لأصدقائي ورقيًا، لا يمكن أن يكون لأي عمل تكنولوجي قدرة على مضاهاة الكتاب الورقي، فالكتاب الإلكتروني يقدم خدمة وظيفية مجردة من المشاعر، بينما يحتوي الكتاب الورقي على جملة أفعال إنسانية تتغلغل في ذكريات البشر: شراء الكتاب، وحمله إلى البيت، وتصفحه، ورائحة الورق، وملمسه، وشكل الحروف، وسماكة الكعب، وألوان الغلاف، ونوع الكرتون، كل هذه الميزات والصفات ترافق الكتاب الورقي، بما في ذلك اهتراء الورق أو ظهور علامات الاستعمال عليه حين يقرأ أكثر من مرة، ويعار، ويسرق، ويستعاد وقد طرأت عليه بعض التغيرات العميقة أو الطفيفة. وقد أمضيت أسبوعًا كاملًا وأنا أمحو الكتابات والخطوط التي وضعها شخص استعار أحد الكتب من مكتبتي، ولا أزال أشعر بالسعادة لأنني استطعت الحصول على ممحاة جيدة أزالت أثر السطو عن صفحات الكتاب.

  • حدثنا عن مكتبتك

تبدأ الحكاية حين كنت أستعد للتقدم إلى امتحان البكالوريا، كان المقرر في مادة القراءة كتاب فرانز فانون "المعذبون في الأرض" وكانت النسخة المدرسية مفلترة بحسب ما يريد المشرفون على التعليم منها، فذهبت إلى المكتبة واشتريت نسخة دار الطليعة البيروتية، بترجمة سامي الدروبي وجمال الأتاسي، لا تزال النسخة في مكتبتي وهي مطبوعة عام 1966، وثمنها خمس ليرات لبنانية، أو ست ليرات سورية. ومنذ ذلك اليوم استهوتني الكتب، كنت معلمًا عازبًا وكان راتبي يكفي لتغطية نفقات شراء الكتب، وفيما كان زملائي في قسم اللغة العربية يكتفون بالمحاضرات التي يلقيها الأساتذة، كنت أسجل أسماء المراجع التي ترد في الكتب التي أقتنيها وأشتريها من المكتبة خلال أيام. وخلال أيام كنت أبدأ في قراءتها، وأسجل عناوين المراجع التي قد يتضمنها أي كتاب، وهكذا بدأت المكتبة تزداد وتتراكم، وكلما ازدادت معارفي كبرت المكتبة، وكلما كبرت المكتبة ازدادت معارفي، وازداد شعوري بالحاجة للمزيد من التراكم المعرفي. هذه سلسلة من الغوايات لا يمكن معرفتها إلا حين تغرم باقتناء الكتب. وفي هذه الأيام يتقاسم مكتبتي بيتان أحدهما هو بيتي في قريتي حيث كنت قد قررت أن أستقر بشكل دائم، والآخر بيتي المستأجر في السويداء حيث اضطررت للسكن هنا بعد أن ابتدأت الحرب السورية، وكانت شظاياها قد بدأ تصل إلى شرفات البيت في القرية، لا أعرف أحيانًا لم أحمل بعض الكتب في طريقي إلى بيتي الدائم، ولم أعود بعدد آخر منها إلى بيتي المستأجر!

  • ما الكتاب الذي تقرأه في الوقت الحالي؟

أقرأ كتابين بشكل متناوب، أما الجديد منهما فهو كتاب "الأمة والرواية" لباتريك بارندر، وهو يبحث في تاريخ الرواية الإنجليزية غير أنه يستطيع أن يلقي الضوء على الرابط القوي بين نشوء الروايات وعلاقة ذلك بالتاريخ القومي لأي أمة. أما الكتاب الثاني فهو إعادة القراءة المتواصلة لروايات فوكنر، أقرأ اليوم، بل أعيد قراءة روايته "نور في آب". ولدى فوكنر حلول فريدة لمشاكل التقنيات الروائية، وبناء الشخصيات، وكيفية التخلص من المآزق المغلقة في مسار الأحداث الروائية، وهي ضرورات أحتاج لها دائمًا في عملي أثناء كتابة الرواية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مكتبة جوني منصور

مكتبة جمال جمعة