مقاومة المرأة الفلسطينية في زمن الليبرالية الجديدة

مقاومة المرأة الفلسطينية في زمن الليبرالية الجديدة

Photo by NurPhoto/NurPhoto via Getty Images

للمرأة الفلسطينية دور نضالي كبير عبر التاريخ الفلسطيني الحديث، إذ كانت وما تزال جزءًا لا يتجزأ من المقاومة الشعبية الفلسطينية التي ساهمت منذ عشرينيات القرن الفارط في مناهضة الانتداب البريطاني، وصولًا إلى مقاومة حالة الاستعمار الإسرائيلي الممتد منذ عام 1948.

أما بعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية وتوقيع اتفاقية أوسلو عام 1993، فانحدر خط المقاومة وضعف بشكل كبير، لاسيما لدى المرأة في فلسطين، ويُعزى ذلك لأسباب عدة سنركز من خلال هذا المقال على أحدها، وهو دخول الليبرالية الجديدة، ممارسة ومفهومًا، لحقل الفعل الفلسطيني وتأثيرها على قطاع عمل المرأة الفلسطينية سياسيًا واجتماعيًا، بل وثقافيًا كذلك، وعلاقته بالمقاومة ضد الاحتلال.

الليبرالية الجديدة في فلسطين.. ضيف ما بعد أوسلو

التحرر الوطني من الاحتلال  ومقاومة الاستعمار بكافة الطرق هو التحرر الحقيقي الذي يجب أن تدركه المرأة الفلسطينية

نشأت الليبرالية الجديدة في سبعينيات القرن الماضي، من أهم الأسس التي قامت عليها هي حرية السوق وحماية رأس المال وتراكمه، وإضعاف الدولة في مقابل السوق، حيث يتمركز دور الدولة في هذا النظام بحماية رأس المال وتسهيل تنقله وتراكمه. من جهة أخرى تعتبر السيطرة الاجتماعية بأشكالها المختلفة واحدة من أهم أدوات الليبرالية الجديدة، حيث تتنكر الليبرالية الجديدة حسب ديفيد هارفي* بزيٍ ثقافيٍ، لتضمن سيطرتها وشرعيتها بالرغم من اللامساواة الهائلة التي تُحدثها في المجتمع، بدعمها للقلة القليلة التي تمتلك رؤوس الأموال فيه، وفي هذه الحالة تُفرض فكرة الحرية المشوهة، وهي الحرية التي تعمل على بناء ثقافة نيوليبرالية شعبية قائمة على سوق استهلاك تفاضلي محايد، وتحررية فردية مكذوبة.

اقرأ/ي أيضًا: متلازمة "الجيب" الفلسطينية

وهو ما ناقشه الفيلسوف سلافوي جيجك في كتابه "سنة الأحلام الخطيرة"* من فرض النظام الليبرالي لموضوعات الهيمنة والأيدولوجيا في المجتمع، بالإضافة إلى فرض المتعة الاستهلاكية، التي ساهمت في تشكيل القيم في المجتمع وتحويلها إلى ما يفيد النظام ويحكم سيطرته عليه، فيكون دور الأيديولوجيا في تحديد شروط المتعة التي تتم عبر وسائل الإعلام المختلفة والتي تحدد الخطاب العام الموجه بما يفيدها ويضمن استمرار هيمنتها.

بينما في فلسطين، وبعد توقيع اتفاقية أوسلو وبناء جهاز السلطة الفلسطينية، تم النص بشكل صريح في القانون الأساسي الفلسطيني في المادة 21 على "يقوم الاقتصاد الفلسطيني على أساس مبادئ السوق الحر".

ومع تولي سلام فياض لرئاسة وزراء الحكومة الفلسطينية عام 2008 شكَّلت عملية "إصلاح" القطاع المصرفي التي جرت في عهده جانبًا مهمًا من جوانب زيادة النفوذ السياسي النيوليبرالي التي لعبت إثرها المؤسسات المالية الفلسطينية دورًا كبيرًا في تسهيل عمليات الإقراض، والتي ساعدت في إحداث تغييرات كبيرة في المجتمع الفلسطيني وإدخاله بقوة أكبر ضمن المنظومة النيوليبرالية اللاستهلاكية، بالإضافة إلى المعونات الدولية التي تُضخها الحكومة والمنظمات غير الحكومية التي تتدخل بأدق التفاصيل الحياتية للشعب الفلسطيني"*، وهذا زاد من السيطرة على المجتمع وساهم في التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي واحتواء المقاومة بسهولة أكبر.

المرأة الفلسطينية والليبرالية الجديدة.. السيطرة المركبة

الاستهلاك موجود منذ الأزل، لكن درجة الاستهلاك العالية والهوس في نمط الحياة الاستهلاكي هو الجديد

إن منظومة الاستهلاك الموجودة ضمن النظام النيوليبرالي ليست جديدة، فالاستهلاك موجود منذ الأزل، لكن درجة الاستهلاك العالية والهوس في نمط الحياة الاستهلاكي هو الجديد، والذي يشكل خطرًا على المجتمع. تُستهدف المرأة بشكل مباشر ضمن هذه المنظومة بوسائل عدة، منها وسائل الإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي، والمؤسسات غير الحكومية لا سيما النسوية منها.

فالإعلانات التجارية على سبيل المثال التي تُبث عبر وسائل الإعلام أغلبها موجه للمرأة، وتساهم في تحديد شكل المرأة ونمط حياتها حتى يتناسب مع شكل المرأة ونمط استهلاكها المطلوب من السوق والشركات الكبرى لزيادة الربح.

أما وسائل التواصل الاجتماعي فأصبح ينتشر من خلالها أسلوب تسويقي جديد وجذاب من خلال بث أيقونات الجمال العربية التي تنشر تفاصيل حياتها اليومية من طعام وملابس وشكل خارجي، فيصبح شكلهن ونمط حياتهن هوسًا لدى أغلب السيدات المتابعات لهن والذي يشجعهن بدوره على استهلاكٍ مماثل.

إقرأ/ي أيضًا: مدارس غزة.. للأمهات أيضًا

ناهيك عن نمط العمل الذي تفرضه الليبرالية الجديدة على المرأة، فيسوَّق عبر هذه المنظومة بضرورة عمل المرأة وحريتها في اختيار عملها، ولكن أي عمل؟ أغلب العاملات من الطبقة الفقيرة والمتوسطة يعشن ظروف عمل صعبة لا تُحترم فيها أدنى حقوق المرأة وبأجور منخفضة جدًا، ومستغلة لوضعهن الاجتماعي الصعب، إلى جانب وضعهن، أي النساء العاملات، في سلة من الاستغلال المادي والمعنوي بناء على استضعاف مسبق لموقعهن في البنية الاجتماعية كنساء/إناث.

لقد تأثرت المرأة الفلسطينية بهذه التمظهرات بشكل واضح، وضمن دراسة ميدانية قمت بها منذ أشهر على عينة عشوائية مقصودة لفحص أثر هذه التمظهرات على المرأة الفلسطينية، كانت النتائج إيجابية، أي تثبت التفاعل الكبير والتأثر بمظاهر النيوليبرالية لأغلب السيدات المشاركات في العينة، ورغم صعوبة تعميم النتيجة نظرًا لبساطة العينة ومحدودية حجمها، إلا أنه كان من النتائج الملاحظة والمثيرة للاهتمام، إنه عند سؤال المشاركات في العينة عن معنى الحرية لهن؟ وما هي أكثر العوامل المقييدة لحريتهن في مجتمعهن؟ جاء السواد الأكبر من الإجابات مفيدًا أن العادات والتقاليد هي المقيد الأهم، ولم تذكر أيّ من المشاركات الاحتلال الإسرائيلي كمقيّد، رغم أهمية الأولى لكن في وطن محتل لا يمكن غض البصر عن كون الاحتلال هو أهم مقيّد لحرياتنا جميعًا، وهو بؤرة السيطرة والتحكم الجبري الأساسية.

وهذه من أبرز مخاطر الليبرالية الجديدة التي غزت مجتمعنا الفلسطيني الواقع تحت الاستعمار. إن قوة المرأة الفلسطينية لا يمكن إنكارها في أيامنا هذه، لكن تحولت هذه القوة عن العمل الوطني إلى قوة المرأة الفردية الليبرالية التي تسعى لإبراز قوتها الفردية، وتحولت من امرأة مجتمعية إلى امرأة فردية أنانية، ولعل بروز الأنا بهذا الشكل يشكل خطرًا في وطن محتل، فالمرأة الفلسطينية سياسيًا ضعفت بشكل كبير عما كانت قبل اتفاقية اوسلو وأصبحت أكثر ميلًا نحو فردية أكثر واستهلاكية أكبر.

المؤسسات غير الحكومية النسوية.. تلك الحكاية!

 نمط العمل والتحولات القيمية المفروضة عبر  الليبرالية الجديدة على المرأة يزيد من حدة تركيب معادلة الاستغلال المادي والمعنوي 

ساهم عدد كبير من المنظمات غير الحكومية النسوية في فلسطين في تمرير السياسات الليبرالية الجديدة، وقد غيَّر الدعم الخارجي -المقدم سواء من الاتحاد الأوروبي أو الأمم المتحدة وغيره- في عمل هذه المؤسسات عما كان قبلها، فتحول العمل النسوي من نسوي إضافة إلى الوطني، إلى نسوي بحت بمعايير جديدة أتت مع دفق التمويل.

تقول الدكتورة إلهام أبو غزالة* في مقابلة خاصة أجريت لأهداف الدراسة: " للأسف بعد أوسلو تحول النشاط النسوي من نشاط وطني إلى جانب النسوي، إلى نسوي كامل وذهب الوطني بمجمله، قبل أوسلو كان وطنيًا سياسيًا وكانت النساء يخرجن في التظاهرات لاستشهاد أي شخص من جميع المحافظات، ويحرضن على التظاهر للتعبير عن رفض القتل والاحتلال، أما الآن فأصبح التركيز فقط على تقوية المرأة وتمكينها، وهذا جيد لكن في وطن محتل لا يكفي، لأن الحركة النسوية شكلت جزءًا مهمًا من مقاومة الاحتلال منذ بدايتها، فلم يكن هنالك مناصب ولا مراتب، كانت المرأة من المجتمع وللمجتمع ولم تفصلها عنه لا مراتب ولا مناصب".

يلحظ أن الرأي السابق يثير قضية هامة جدًا عن دور هذه المنظمات المدعومة في خلق طبقة جديدة داخل المجتمع منفصلة عنه، طبقة مؤدلجة مُمأسسة تتمتع بمزايا مالية واجتماعية كثيرة جعلتها تنظر بفوقية وأنانية نحو مجتمعها، وهنا لا نعمم لكن نصف الصورة بشكل عام عن أغلب العاملين في هذه المؤسسات.

إقرأ/ي أيضًا: المرأة السورية.. عبء التقاليد وأعباء الثورة

إن إخراج الاحتلال من دائرة اهتمام المرأة الفلسطينية وتركيز اهتمامها على قضاياها الخاصة ومشاكلها المتعلقة بكونها جزءًا من مجتمع يوصف بالذكوري ومتمسك بعاداته وتقاليده لا أكثر، هي واحدة من أهم مخاطر الدعم الخارجي للمنظمات غير الحكومية النسوية، وعليه لا بد من توعية المرأة حول هذه المخاطر حتى تعود إلى القيام بأدوارها الطبيعية سواء من خلال عملها ضمن المؤسسات غير الحكومية النسوية أوغيره، وإلا فسنعيش احتلال طويل الأمد.

إن التحرر الوطني من الاحتلال الإسرائيلي للمرأة الفلسطينية ومقاومتها للاحتلال بكافة الطرق هو التحرر الحقيقي الذي يجب أن تدركه المرأة الفلسطينية؛ لأنها بدونه ستبقى مقيدة ضمن الأطر والحياة التي يفرضها الاحتلال عليها وعلى المجتمع بأكمله؛ ودون مقاومتها ومشاركتها في عملية التحرر سيكون التحرر صعب المنال.

ـــــــــــــــــــــــ

هوامش:

(1) هارفي، ديفيد. 2013. الوجيز في تاريخ النيوليبرالية. دمشق: وزارة الثقافة
(2) جيجيك، سلافوي. 2013. سنة الاحلام الخطيرة. لبنان: دار التنوير للطباعة والنشر.
(3) دعنا، طارق. 2014. " الرأسمالية الفلسطينية المتمادية". موقع الشبكة.
(4) د.الهام ابو غزالة: كاتبة ومحاضرة في اللغة الانجليزية في جامعة بيرزيت لعدة سنوات ومن أبرز الناشطات النسويات في فلسطين، ومن المشاركات في تأسيس برنامج دراسات المرأة في جامعة بيرزيت.

إقرأ/ي أيضًا:

الماجدات أولًا.. الحرّات أولًا

نساء غزة يطرّزن ذاكراتهن