13-فبراير-2024
كاريكاتير لـ بارت فان ليوين/ هولندا

كاريكاتير لـ بارت فان ليوين/ هولندا

خرج الرئيس الأمريكي جو بايدن منذ أيام بتصريحاتٍ تحدث فيها عن رفض عبد الفتاح السيسي فتح معبر رفح الحدودي مع قطاع غزة أمام المساعدات إلا بعد إقناع بايدن له.

ورغم أنه أدلى بتلك العبارات في محاولة لتقوية موقف وتلميع صورة وكسب بضعة أصوات، إلا أنها انقلبت عليه موجة مدوية من السخرية، ليس لكارثية حديث الإغلاق والإقناع نفسه، بل لوصفه السيسي بأنه "رئيس المكسيك". وللمفارقة أن لقب "عبد الفتاح المكسيكي" هو لقبٌ ساخر يستخدمه معارضو الرئيس المصري.

نال بايدن ما ناله من سخرية من وسائل إعلام ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع ساخرة، وبالطبع منافسه دونالد ترامب الذي نشر صورة لخريطة يتوسطها قطاع غزة، وعلى حدوده الجنوبية الشرقية كُتب "المكسيك"، وأرفقها بعبارة "المصدر: جو بايدن".

بعيدًا عن السخرية، أعادت تلك الحادثة طرح مسألة كبر سنّ الرئيس الأمريكي المرشح لولاية ثانية ومدى جدارته الذهنية على قيادة أقوى إمبراطورية عرفها التاريخ. خصوصًا أن حوادث مشابهة ازداد تواترها مؤخرًا، إضافة إلى توجيه التحيات لأصدقائه الموتى ومصافحة من هم ليسوا مرئيين. تعزز ذلك منذ أيام مع تقرير المحقق الخاص روبرت هور حول تعامل بايدن مع ملفات سرية عُثر عليها في منزله ومكتبه، والذي وصف الرئيس بأنه "رجل مسن حسن النية وذو ذاكرة ضعيفة".

لكن المفارقة الأكبر، وربما الأقل بروزًا وتداولًا في وسائل الإعلام في ما حدث، هي أن دونالد ترامب هو من تصدّر السخرية من زلة لسان بايدن، لأسباب سياسية، وهو الذي يصغره بأربع سنوات فقط، وهو الذي قال، خلال الأشهر الأخيرة فقط إنه ترشح ضد أوباما للرئاسة سبع مرات على الأقل، وادّعى أن نيكي هيلي (منافسته الجمهورية) كانت مسؤولة عن الأمن في مبنى الكابيتول الأمريكي في اقتحام 6 كانون الثاني/يناير 2021، بينما كانت نانسي بيلوسي، وحدد صورة إي. جين كارول، التي اتهمته بالاغتصاب، على أنها صورة لزوجته السابقة مارلا مابلز، لكن ذلك لم يمنعه من الاستفادة من تقرير المحقق الخاص أيضًا، وأصدر بيانًا من خلال أحد مساعديه وصف فيه الرئيس بايدن بأنه "خرف جدًا بحيث لا يمكن أن يصبح رئيسًا".

أعادت حادثة وصف بايدن  للسيسي بأنه "رئيس المكسيك" طرح مسألة كبر سنّ الرئيس الأمريكي المرشح لولاية ثانية، ومدى جدارته الذهنية على قيادة أقوى إمبراطورية عرفها التاريخ

إذن، الأمريكيون اليوم أمام عجوزين يعانيان من الهذيان على الملأ، كلاهما يتجاوز سن التقاعد بسنوات، يتنازعان على المنصب الأهم في العالم، وتؤكد تلك النظرة القاتمة استطلاعات الرأي التي خلصت إلى أن 59 في المائة من الناخبين الأمريكيين هذا العام يعتقدون أن كلا المرشحين كبيرٌ لأن يكون رئيسًا للبلاد، إذ يقول 86 في المائة أن بايدن طاعنٌ في السن، وتنخفض النسبة إلى 62 في المئة بالنسبة لترامب.

من المثير للسخرية أيضًا، وبعض التعجب في هذه الظروف استحضار خواطر الرئيس الرابع والثلاثين للولايات المتحدة، دوايت دي. آيزنهاور، الذي كان عمره أحد العوامل التي أثارت قلقه عند تقييم إيجابيات وسلبيات الترشح لولاية ثانية، إذ كتب في مذكراته في تشرين الثاني/نوفمبر 1954 أن الجدل الذي يدور في ذهنه ضد حملة انتخابية جديدة هو الحاجة إلى "رجال أصغر سنًا في مناصب ذات مسؤولية عليا" في وقت "تتزايد فيه خطورة وتعقيد المشاكل التي تقع على عاتق الرئيس". إلا أن عمره 64 عامًا فقط في ذلك الوقت!

وبطبيعة الحال، تختلف الشيخوخة اليوم عما كانت عليه في الخمسينيات، وقد قرر أيزنهاور الترشح مرة أخرى، لكن حالة بايدن وترامب تبقى متطرفة حتى بالنسبة لمعدلات أعمار قادة الدول والحكومات العالية حول العالم. إذ أظهر تحليل نشره مركز بيو للأبحاث العام الماضي، أنه من بين 187 دولة تتوفر عنها بيانات، ثمانية منها فقط كان لديها قادة أكبر سنًا من بايدن. وهذه مسألة لها متغيرات كثيرة بدورها؛ فليست كل البيانات الشخصية ذات الصلة موجودة في المجال العام. وعلم الشيخوخة ليس 1+1=2، إذ تشير بعض الدراسات، على سبيل المثال، إلى أن إدارة دولة ما لها أثرها على النفس والجسد.

ومع ذلك، فإن الموت من كبر السن ليس الحدث الطبي الوحيد المحتمل الذي ناقشته الأبحاث ونقاشات المختصين حديثًا فيما يتعلق بالرئيس الأمريكي القادم، فالإصابة بنوبة قلبية أو سكتة دماغية منهكة قد تجبر على الاستقالة أو تتطلب الاحتجاج بالتعديل الخامس والعشرين للدستور الأمريكي، الذي يخوّل بعزل الرئيس في حال عجزه عن أداء مهامه ضمن جملة من الإجراءات القانونية شديدة التعقيد، قضايا حاضرة في كل نقاش عمن سيقود الولايات الأمريكية في السنين الأربع المقبلة.

ومع ذلك، كنوع من "الطمأنة"، استنتج الدكتور جاي أولشانسكي، عالم الشيخوخة في جامعة إلينوي، من مجموعة بيانات عن معدلات العمر في الولايات المتحدة وارتباطها بالمورثات وأسلوب الحياة، بالإضافة إلى ما هو متاح للجمهور حول السجلات الطبية للرجال، أن احتمال بقاء كل من المرشحَين على قيد الحياة في السنوات الأربع التالية أعلى من المتوسط.

ويعتقد أن بايدن لديه فرصة بنسبة 95 بالمئة مقارنة بـ 82 بالمئة لرجل عادي في مثل عمره. بينما تبلغ حظوظ ترامب 90 بالمئة مقارنة بـ 86 بالمئة لمعاصريه.

ومع الشكر والتقدير لجهود السيد أولشانسكي، تبقى الأرقام التي وصلت إليها استنتاجاته أبعد ما تكون عن المباشرة. فبالنسبة للناخب الأمريكي، لن يكون من السهل على الرئيس الشيخ القادم تلبية تطلعات أكثر من 55 بالمئة من الناخبين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 سنة، وإن كانت هناك بعض المحاولات البائسة لمشاركة الميمز والتحدث بلغة الشباب من قبل المرشحين لمخاطبة أولئك. أما بالنسبة لمئات الملايين حول العالم الذين سيتأثرون بفعل السياسات الأمريكية الخارجية، ربما يجب أن يكون هناك خوفٌ مضاعفٌ وتمنّي بالعافية وتمام الإدراك في اللحظة التي قد يتخذ بها الرئيس الأمريكي القادم قرارًا يغير حيواتهم إلى الأبد.