مصر.. الشعب من دون قيمه

مصر.. الشعب من دون قيمه

بدأ هذا التغيير بشكل واضح مع النظام الانفتاح في الثمانينيات

في مصر، أينما وليت وجهك يصفعك "مهرجان" شعبي بموسيقاه الناشزة، وكلماته الركيكة والمتداخلة والمحملة بـ"الفتونة" و"الإجرام" والخروج عن القانون، والانتماء إلى الغابة والإنسان البدائي. ليس هذا بجديد، فربما منذ بدأ الفن والبعض يقومون بتفسير "الغناء الشعبي" تفسيرات مختلفة، أحيانًا تلقي به في الدرك الأسفل من الفن.

البعض يقومون بتفسير "الغناء الشعبي" تفسيرات مختلفة، قد تلقي به في الدرك الأسفل من الفن

قديمًا قالوا "الشعر ديوان العرب"، لكن في الخمسين سنة الأخيرة يمكن القول إنّ "الأغاني الشعبية" هي الديوان الجديد للمصريين، الذي عادة ما تقوم بتوثيقه فئة لا علاقة لها بالتاريخ، لذا يظل تاريخًا مشوهًا. والسؤال هل القافية "حكمت" وقدمت هذا التداعي، أم أن الانهيار كامن في "القلب"، أم هو اصطفاف "شعبي" في صالح قوى "الشر" التي تمثلها الدولة؟

23 تموز/يوليو 1952 كانت حدثًا جارفًا فى "تغيير  خريطة مصر الثقافية"، بسببه أصبح للبطل الشعبي في السينما مكانًا دائمًا بعد أن كان أحد ديكوراتها، وأصبحت الموسيقى ذات الطابع الشعبي أيضًا أساسية في الحياة، وغدا محمود شكوكو بمونولوجاته يُقدم بجانب عبد الحليم حافظ وأم كلثوم، وأصبحت الطبقة المتوسطة تجد نفسها قادرة على تغيير شكل "التتر" السينمائي، ووضع موسيقاها الخاصة.

عندما جاءت نكسة 1967 مثلت أيضًا فاصلًا مهمًا ودخل الفن مرحلة "الإسفاف"، التي انتهت ببروز "سينما المقاولات"، بما رافق ذلك من موسيقى "هابطة" تدور في غرز ممتلئة بـ"الحشيش" والمخدرات.

التغيير الحاد الذي لحق بالغناء الشعبي كان في الجزء الثاني من فترة السبعينيات، وفي الثمانينيات من القرن الماضي، أي حينما أتى "النظام الانفتاحيّ" أُكله، وأفرخ لنا طبقة اجتماعية قادمة من "العشوائيات" سوف تفرض ثقافتها على المجتمع. لكن ما كان يميز هذه المرحلة شيئان الأول أنها كانت محملة بعدد من "الأخلاقيات" الشخصية، التي قصدت بها هذه الطبقة الصاعدة أن تحتفظ بها أو تدعي ذلك ومنها "الجدعنة"، والشيء الثاني هو "الصوت الجميل" الذى تبنته هذه الطبقة ليعبّر عنها وتمثّل فى أحمد عدوية، الذي رغم تفاهة بعض أغنياته، ظلّ، مثل كل ممثلي هذا النوع، يخاطب فئة معينة تعتقد أنها "الشعب"، على اعتبار أن ذلك نوعًا من مواجهة "الحيتان الكبرى" التي تمثلها طبقة رجال الأعمال.

 شعبان عبد الرحيم أرسى فكرة أن "الطبقات العليا" تتقبل بسهولة جدًا الاستماع إلى موسيقى العشوائيات

حدث ذلك في الكثير من الأفلام، لكنّ "سلام يا صاحبي"، أحد أشهر أفلام عادل إمام التجارية هو الأكثر تعبيرًا عن هذه الفكرة. الفيلم الذي شارك في بطولته سعيد صالح وسوسن بدر، تدور أحداثه حول مرزوق وبركات، المحتالين اللذين يلتقيان مصادفة ليصبحا صديقين ويتحديان أحد أساطين المال والنفوذ، لينتهي الأمر بمقتل أحدهما وانتقام صديقه له. ورغم أنه مأخوذ من فيلم أمريكي اسمه borsalino، إلا أن "سلام يا صاحبي" يعكس مرحلة من الانهيارات القيمية التى عاشتها مصر السبعينيات، فالصديقان لا يملكان شيئًا سوى الجرأة، مجرد شطّارين بالمفهوم التراثي. هكذا كرس الفيلم، وسواه بالطبع، ثقافة معينة انتشرت في تلك المرحلة وبعدها.

فى السنوات الأخيرة، تم استنساخ هذه الثقافة بطريقة مختلفة بعض الشيء، وذلك بخروج فن "المهرجانات" الشعبي، والذي تبنته سينما "السبكية" بما تنتجه هذه الأسرة في السنوات الأخيرة، وألصقته بأبطالها الذين لا يصلحون أن يكونوا أبطالًا إلا في "زمن المهرجانات الشعبية" الذي يطرح معه ثقافة "شعبوية" خطرة، لأن أسسها قائمة على فكرة "الأحادية" و"الجرأة" و"الخيانة" و"المغامرة" غير المحسوبة".

كان شعبان عبد الرحيم قد أرسى فكرة أن "الطبقات العليا" في المجتمع تتقبل بسهولة جدًا الاستماع إلى موسيقى العشوائيات، وعليه انتشرت فرق المهرجانات بشكل "كبير" في طول البلاد وعرضها، ساعد على ذلك الحال الاقتصادي المتردي فى إنتاجها وتنوع مستهلكيها بين الطبقات العليا والدنيا، وأصبحت مصر حافلة بالفرق التي المتكاثرة يوميًا والتي تبحث عن مكان لها عن طريق تحويل كل شيء إلى عشوائيات.

في 2015، كان الشارع المصري على موعد مع مهرجان "مفيش صاحب" لفرقة "شبيك لبيك"، الذى تجاوزت مشاهدته الـ10ملايين، في فترة قصيرة ليؤكد أن الأمر تطور أكثر بعد عادل إمام، الذي كان يفعل كل شيء لكنه يقر بقيمة "الصاحب" أو الصديق. لكن هنا فى حياتنا الجديدة لا وجود لـ"صاحب" ولا حتى لـ"رجل". تقول كلمات إحدى الأغاني: "صاحب راجل صاحب فاجر/ صاحب بيزئك في مشاكل/ منش قادر منش فاكر/ دي الصحوبية بتتقاتل".

هذه المهرجانات تحمل فى جوهرها أيضًا نوع من دوافع الانتحار، ليس بالشكل المجازي بل بشكل حقيقي، لأنها تحمل فى داخلها عددًا من الاستعارات الكبرى منها "رئيس جمهورية نفسي، أنا القانون، أنا الحكومة، هتعورني هعورك"، ما يجعل الشعب المصري الذي تنزف قيمه الآن يسكن على حافة الخطر. تقول أغنية أخرى: "صاحبنا كتير تعبنا كتير/ من الصحاب شايفين الويل/ مصاص دماء بينتشر/ ودي الحقيقة يا بشر/ وفي الختام يحلى الكلام".