مسلسل لا تطفئ الشمس.. سيرة الحب

مسلسل لا تطفئ الشمس.. سيرة الحب

من المسلسل

رغم خلوه من نجوم الصف الأول وتعرضه لبعض الانتقادات الفنية وتوريطه في شأن سياسي في غير موضعه، يظهر مسلسل "لا تطفئ الشمس" كواحد من أميز الأعمال الدرامية التي قدمتها الشاشة المصرية في موسمها الرمضاني هذا العام. المسلسل مقتبس عن رواية بنفس الاسم لإحسان عبد القدوس، في ثالث اقتباس لها، حيث قّدمتها السينما عام 1961 في فيلم بالاسم ذاته للمخرج صلاح أبو سيف، من بطولة فاتن حمامة ونادية لطفي وعماد حمدي وشكري سرحان، كما أخرج نور الدمرداش مسلسلًا تلفزيونيًا غير مشهور عن الرواية، من بطولة كرم مطاوع وصلاح السعدني ومديحة سالم. في محيطنا العربي، يبدو الأمر صعبًا حين تحاول تقديم عمل أدبي ظهر من قبل على الشاشة الكبيرة والصغيرة، فما الذي اختلف هذه المرة؟

تشير الشمس في عنوان مسلسل "لا تطفئ الشمس" إلى الثورة والتغيير

كوّن السيناريست تامر حبيب والمخرج محمد شاكر شراكة فنية حققت نجاحًا ملحوظًا في الموسم الرمضاني الماضي بمسلسل "غراند أوتيل"، المقتبس بدوره عن مسلسل إسباني، فحاول الثنائي هذا العام استثمار نجاحهما السابق وأعادا تقديم رواية إحسان عبد القدوس الكلاسيكية برؤية عصرية ونَفَس مختلف. الكاتب والمخرج لم يكتفيا بإعادة قراءة الرواية وإنما غامرا ببناء عالم فني متكامل بأبعاده النفسية والاجتماعية وما يختزنه من تفاصيل لحيوات تتراءى أمام المشاهد كغابة متشابكة ومعقدة من المشاعر والرغبات والنقلات والانقلابات الدرامية، محققين جانبًا كبيرًا من المتعة في أغلب فترات العمل.

اقرأ/ي أيضًا: محمد صبحي الذي كنت أحبه

قارئ الرواية أو مشاهد الفيلم المأخوذ عنها سيعرف أننا أمام أسرة مصرية تنتمي للطبقة فوق المتوسطة مكونة من أرملة رحل عنها زوجها تاركًا لها 5 أبناء، يقوم شقيق الأم برعاية هذه الأسرة وتدبير احتياجاتها، ما يعني أنه مسيطر بشكل ما على أفرادها، الابن الأكبر يعاني اهتزازًا في شخصيته لعدم قدرته على منافسة خاله الذي يقوم بدور الأب الغائب، بينما الأم تحاول تسيير رعاية أبنائها بمفردها وتطويع جرأة أعمارهم واختلاف شخصياتهم وأهوائهم، أما الشمس المشار إليها في العنوان فهي شمس الثورة والتغيير، حيث تنتقل الأسرة إلى بيت جديد بعد وفاة عائلها في فترة الخمسينات التي شهدت فيها مصر تحولات سياسية واجتماعية جذرية.

هذه عن الرواية والفيلم، أما المسلسل فهو مختلف كثيرًا عن الأصل، لأن الأحداث انتقلت إلى وقتنا الحالي وبالتالي اختلفت التفاصيل والمواضيع التي ستملأ الحلقات الثلاثين. يبدأ المسلسل بإيقاع سريع تقديم حكاية عائلة أبو المجد بعد انتقالها إلى منزلها الجديد عقب وفاة الأب، وسريعًا تتشكّل أمامنا خريطة بشرية من خلال تتبع الكاميرا لمسارات الأبناء المختلفة في سعيهم نحو الحب والتحقق. الابن الأكبر أحمد (محمد ممدوح) شاب ضخم، طيب وخلوق، يرجئ كثيرًا من أمور حياته التي تنتظر الحسم، وينزلق بسبب ذلك إلى هاوية جلد الذات وإذلالها، أما الابن الأصغر آدم (أحمد مالك) فهو "الولد الوسيم الشقي" طالب الهندسة الذي يعمل سائقًا لحساب شركة "أوبر"  ويتمسك بحبه إلى النهاية رغم الفروقات والمصاعب، فيما تبدو الابنة الكبرى أفنان (ريهام عيد الغفور) على النقيض من أخيها الأصغر، فهي طبيبة صارمة لا تتوّرع عن دفن جمالها تحت تلال من الرجولية تتقنّع بها لتفرض على نفسها حصارًا يبعد عنها الآخرين ويجعلها أشبه بمنبوذة، وعلى العكس منها تأتي الابنة الوسطى إنجي (أمينة خليل) صاحبة الجمال الهادئ والشخصية الودودة الحانية، رمانة الميزان حاملة الحكمة، وأخيرًا هناك الابنة الصغرى آية (جميلة عوض) الشغوفة بالموسيقى والمنفتحة على الحياة بخفة لا مبالية، ستكون سببًا في إدخالها دوامة من العلاقات المربكة.

الأبناء الخمسة وأمهم يشّكل الحب لهم مطلبًا أساسيًا ودافعًا رئيسيًا لكثير من التحولات الطارئة التي تشهدها حياتهم، الأمر الذي يتيح وصف "لا تطفئ الشمس" بأنه سيرة درامية للحب، ولكن السيناريو لا يعتبر الحب محطة وصول نهائية لحكايته بل ينسج من خلاله حياة كاملة بتفاصيلها ومواقفها القادرة على جذب المشاهدين وإدخالهم في عالم حكايته، وهو عالم يزيد عن عالم الرواية الأصلي بشخصيات مضافة وأحداث مغايرة. وعلى ذلك، يتطرق المسلسل، أثناء حكاياته الممتدة والمتوالدة التي تتخذ من الحب مرتكزًا لها، إلى عدد من المواضيع والأفكار التي تضفي بعدًا واقعيًا للدراما، مثل علاقة الفرد بالمجتمع وما يفرض عليه من عادات وتقاليد، أو مسألة التفاوت الفكري والاقتصادي بين الطبقات. ولكن ما يعيب ذلك الاتجاه من صناع المسلسل لتوسيع نطاق الدراما هو الأخذ من الإيقاع السريع المميز للعمل في حلقاته الأولى، فكلما دخلنا أكثر في حكاية المسلسل يبدو واضحًا تأثير التزام السيناريست بخطة الثلاثين حلقة المطلوبة، وتغدو الأحداث مشوبة بالافتعال والتطويل.

ليس الفن محاكاة للطبيعة ولا إعادة تمثيل له، بل مساحة صالحة لعرض أي شيء

حفل مسلسل "لا تطفئ الشمس" بأداءات تمثيلية لافتة، خاصة في النصف الأول منه، جلبت إلى تجربة المشاهدة متعة إضافية. فحتى وإن قلت أصاب تطويل الأحداث متعة المسلسل في نصفه الثاني الحافل بانقلابات درامية متعددة، ستكون متابعة أداء كل من ريهام عبد الغفور وأحمد مالك ومريم الخشت جديرة بإنفاق الوقت أمام الشاشة. كاميرا بيشوي روزفلت نجحت في تتبيل الصورة بشكل مبهر، يتناسب مع تقلبّات الحكاية ويخّدم على الروح المطلوب إظهارها، بتنوع اللقطات والكادرات والقدرة على التقاط الانفعالات الحادة بالقدر ذاته مع التعبيرات والإيماءات الرهيفة.

اقرأ/ي أيضًا: 5 من تترات المسلسلات المصرية الأكثر مشاهدة في رمضان

ربما برز صوت الموسيقى العالي الذي طغى على أصوات الممثلين في بعض المشاهد كمسلب أساسي في أغلب تعليقات المتابعين، ولكن في المجمل فإن "لا تطفئ الشمس" يقدّم وجبة درامية دسمة وممتعة تستفيد من قدرات ممثليها ولا تستقوي بشعارات كبيرة عن رسالة ما يحملها المسلسل، فهو يبكي ويضحك، ويصف ولا يحكم.

أخيرًا، يبدو أن التقييم الأخلاقي للمسلسل استهوى كثيرين ممن رأوا في المسلسل "انفلاتًا" ودعوة "زائدة" للتحرر، مدللين على ذلك بصورة الأم التي يظهرها المسلسل امرأة متصابية تتناقض مع الوقار الذي ميّزها في الرواية الأصلية، أو أن شخصية آية قُدّمت في المسلسل بطريقة شهوانية ومنفلتة بطريقة مغايرة لما قّدمته فاتن حمامة في الفيلم المأخوذ عن الرواية، أو تلك الحرية في إقامة العلاقات العاطفية والجنسية التي تتناثر شواهدها في المسلسل. والحقيقة أن مثل تلك القراءات التي لا -ولن- تكفّ عن الظهور تخالف في أساسها ما يقوم عليه الفن جماليًا، فالفن ليس محاكاة للطبيعة ولا إعادة تمثيل له، بل هو كيان جمالي مستقل لا يمكن إضفاء الصفات على مواضيعه، فهو مساحة صالحة لعرض أي شيء، والفيصل في تقييم ذلك هو طريقة المعالجة ومدى نجاحها وفقًا لمعايير الفن بالأساس، وليس معايير خارجة عنه.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الرواية المصرية على شاشة رمضان.. أي مستقبل؟

5 ملاحظات على مسلسل "واحة الغروب".. ماذا قال بهاء طاهر؟