مخفي لنصف قرن: دور بريطانيا الدموي في الحرب الأهلية النيجيرية

مخفي لنصف قرن: دور بريطانيا الدموي في الحرب الأهلية النيجيرية

تورطت بريطانيا بحرب أودت بحياة مليون طفل نيجيري (أ.ف.ب)

في التقرير أدناه، المترجم عن صحيفة الغارديان البريطانية، شهادة عن تورط بريطانيا في واحدة من أبشع المجازر الإنسانية، أي في الحرب الأهلية النيجيرية، يقدمها فريدريك فورسيث، وهو مراسل حربي بريطاني ومؤلف محافظ كان يعمل مع شبكة "بي بي سي"، وغطى الإبادة التي استمرت لثلاث سنوات. 


من الجيد أن يفخر المرء ببلده، لكن من المستحيل أن تفحص تاريخ بلد مثل بريطانيا دون أن تصادف بضع حوادث تبعث على الخزي بدلًا من الفخر. من بين هذه الحوادث إنشاء الطبقة البريطانية الحاكمة في جنوب أفريقيا، معسكرات احتجاز لمحاكمة عائلات البوير، بالإضافة إلى مذبحة أمريستار عام 1919 وإنشاء وإدارة معسكرات هولا أثناء صراعها ضد ماو ماو في كينيا. 

هناك سياسة مقززة للغاية مارستها مؤسسة الحكم البريطانية قد يذكرها كل من يتجاوز عمره الـ 50 عامًا اليوم، وتلخصها كلمة واحدة: بيافرا

لكن هناك سياسة مقززة للغاية مارستها مؤسسة الحكم البريطانية قد يذكرها كل من يتجاوز عمره الـ 50 عامًا اليوم، وتلخصها كلمة واحدة: بيافرا.

اقرأ/ي أيضًا: مخازي الإمبراطورية البريطانية في ذكرى أفولها

تحيل هذه الكلمة إلى الحرب الأهلية النيجيرية التي انتهت في كانون الثاني/يناير قبل 50 عامًا. نشب الصراع بسبب سعي المنطقة الشرقية المليئة بالاضطرابات في نيجيريا إلى إعلان استقلال جمهورية بيافرا. وكما علمت أثناء عملي هناك مراسلًا للبي بي سي، كان لشعب بيافرا ومعظمهم من قبائل الإيبو أسباب لمطالبهم هذه.  

كانت الحكومة الفيدرالية الحاكمة في لاغوس، حكومة عسكرية ديكتاتورية وصلت إلى السلطة عام 1966 بعد سفكها للكثير من الدماء. أثناء ذلك الانقلاب وبعده، عمت مذبحة المناطق الشمالية والغربية في البلاد، وقتل فيها آلاف من شعب الإيبو. ولم تفعل الحكومة الفيدرالية بقيادة العقيد المتعلم في بريطانيا ياكوبو جون،  شيئًا لمساعدتهم. لكن ياكوبو كان مجرد دمية في يد الحكام الحقيقيين للبلاد وهم مجموعة من ضباط الجيش الشماليين. تعمقت الأزمة، عندما سعت المنطقة الشرقية في نيجيريا، والتي تؤوي حوالي 1.8 مليون لاجئ، إلى الانفصال. نظمت بريطانيا حينها مؤتمرًا في غانا للتوصل إلى اتفاق. لكن جون واجه معارضة من قبل ضباطه الذي مزقوا الاتفاقية وانقلبوا عليها. في نيسان/أبريل انفصلت المنطقة الشرقية بقيادة العقيد النيجيري خريج جامعة أوكسفورد إميكا أوجوكو، رسميًا، وفي 7 تموز/يوليو 1967 أعلنت الحكومة الفيدرالية الحرب عليها. 

تجاهلت لندن الأدلة الصارخة على أن لاغوس هي التي انقلبت على الاتفاق وأدانت الانفصال ولم تفعل شيئًا للتوسط بين الطرفين وأعلنت دعمها الكامل لنيجيريا. 

وصلت إلى إينوغو عاصمة بيافرا في اليوم الثالث للحرب. في لندن تلقيت تلخيصًا مفصلًا للوضع من قبل جيرالد واتروس، رئيس خدمة غرب أفريقيا في البي بي سي. ما لم أعلمه أنه كان خادمًا وفيًا لمكتب علاقات الكومنولث التابع للحكومة، وقد صدق كل كلمة للمبعوث البريطاني السامي في لاغوس، ديفيد هانت. وقد استغرقني الأمر يومين في إينوغو لأدرك أن كل شيء أخبرت به كان هراءً محضًا. 

أخبرت بأن الجيش النيجيري المحنك سيخمد التمرد في أسبوعين، أو أربعة على الأكثر. ولحسن الحظ أخبرني نائب المبعوث السامي في إينوغو، جيم باركر، ما كان يحدث حقًا. وقد تبين أن الهراء الذي يؤمن به مكتب علاقات الكومنولث والبي بي سي مصدره المبعوث السامي في لاغوس. كان هانت العنصري والمتكبر، يتوقع أن يقف الأفارقة احترامًا فور دخوله للغرفة، وهو ما كان جون يفعله دائمًا. لكن أوجوكو لم يفعل ذلك في لقائهما الوحيد. وقد كرهه هانت على الفور.  

كانت مهمتي تتلخص في نقل أنباء انتصارات الجيش النيجيري. لكن هذا لم يحدث. وقد ذكرت القصة السابقة بسذاجة. وحين أذيع تقريري اشتكى المبعوث السامي لمكتب علاقات الكومنولث في لندن والذي نقل الشكوى للبي بي سي، والتي اتهمتني بالتحيز للمتمردين واستدعتني إلى لندن. بعد  ستة أشهر، في شباط/فبراير 1968، سئمت من خضوع البي بي سي للحكومة البريطانية، فخرجت من هناك وعدت إلى غرب أفريقيا. انفجر أوجوكو ضاحكًا وسمح لي بالبقاء. وكان شرطي الوحيد أني كما رفضت نشر الدعاية البريطانية، لن أنشر مواد دعائية له، ووافق على ذلك. 

لكن الأمور تغيرت. زاد حجم التدخل البريطاني الخفي زيادة هائلة، وتدفقت الذخيرة والأسلحة، رغم كذب حكومة هارولد ويلسون وإنكارها المتواصل. وبفضل الأسلحة الجديدة وفرق المستشارين السريين، زحف الجيش النيجيري في أرجاء بيافرا، وحاول المدافعون صد العدوان بعدد قليل من الطلقات كل يوم. طافت قاذفات القنابل السوفيتية سماء بيافرا، ملقية 1000 طن من القنابل على قرى القش. لكن تموز/يوليو من ذلك العام شهد تحولًا في الموقف.  

لاحظ بعض المبشرين أمهات يخرجن من الأحراش حاملات أطفالًا تقلصت أجسادهم إلى مثل الهياكل العظمية الحية، لكن ببطون منتفخة. عرف القساوسة الكاثوليكيون أن هذه أعراض نقص البروتين الحاد.  

في نفس الشهر أخرج ديفي كارينز مصور صحيفة ديلي إكسبرس، مجموعة من صور الحرب وطار بها إلى لندن. في ذلك الوقت لم يكن الجمهور البريطاني قد شاهد هذه الصور المفجعة للأطفال الجائعين والمحتضرين. حين وصلت الصور إلى منصات الأخبار، ذاعت القضية في عناوين الأخبار الرئيسية. وشهدت البلاد استجوابات برلمانية في مجلس العموم وتظاهرات ومسيرات عمت البلاد. 

كدليل للفرق الإخبارية الأجنبية، في تلك الفترة، أنهكني هذا الانفجار في الاهتمام الإعلامي بالقضية. لكن في النهاية، فُضح سر انخراط الحكومة البريطانية وكُشفت أكاذيبها. تعرض ويلسون للهجوم. وانتشرت القصة في أوروبا ثم الولايات المتحدة. 

تدفقت التبرعات. بإمكان المال أن يشتري الطعام، لكن كيف يصل إلى هناك؟ قريبًا من نهاية العام ولد الجسر الجوي الإغاثي للكنائس المشتركة. 

ساهم مجلس الكنائس العالمي في شراء طائرات مقاتلة خرجت من الخدمة وحصل على موافقة من البرتغال لاستخدام جزر ساو تومي قاعدة لعملياتهم. عرض طيارون وطواقم طيران إسكندنافية، معظمهم طيارون مدنيون، خدماتهم دون مقابل. وسرعان ما سمي الجسر بالخطوط الجوية للمسيح المخلص. وهكذا ولد أول جسر جوي إغاثي غير قانوني في العالم. 

وفي زيارة لي إلى لندن في ربيع عام 1969 علمت بالجهود التي تبذلها مؤسسة الحكم البريطانية للتغطية على أفعالها هناك. كل مراسل وبرلماني ونبيل من النبلاء الذين زاروا بيافرا وأفادوا بما رأوه هناك وصفوا بأنهم عملاء لبيافرا، حتى جون هانت قائد بعثة الاستكشاف البريطانية لجبل إفرست. 

وعلى مدار عام 1969 حلقت طائرات الإغاثة في الليل، محاولة التملص من طائرات ميغ النيجيرية المقاتلة، لتوصيل حمولتهم الإغاثية من حليب الأطفال المجفف إلى مهبط طائرات في الغابة. ومن هناك حملت شاحنات الحمولة إلى مقرات البعثات، وأعدت الراهبات الأغذية التي أنقذت حياة آلاف الأطفال. 

قدر كارل جاغي، مدير الصليب الأحمر، عدد وفيات الأطفال بمليون طفل، وعدد الأطفال الذين جرى إنقاذهم جاوز النصف مليون. وما زلت حتى الآن في بعض ساعات الصباح الباكرة، أرى خيالات لأطفال هزيلي الأجساد بعيون فارغة ورؤوس متدلية، وأسمع نحيبهم من أثر الجوع.

اقرأ/ي أيضًا: الإمبراطورية البريطانية.. هل كانت مستقرةً حقًا؟

أكثر ما يبعث على الخزي هو أن هذه المجزرة لم يرتكبها "متوحشون"، بل دعمها وساعد في تنفيذها في كل مرحلة موظفون بريطانيون رفيعو المستوى. لماذا؟ هل يحبون نيجيريا أسيرة الديكتاتورية الغارقة في الفساد؟ لا. من البداية حتى النهاية، كان الأمر مجرد تغطية لفشل بريطاني في تقييم الموقف في نيجيريا. والأسوأ من ذلك أن الحياد والدبلوماسية كانا ليجنبا البلاد هذه الأهوال. 

قدر كارل جاغي، مدير الصليب الأحمر، عدد وفيات الأطفال في الحرب الأهلية النيجيرية بمليون طفل، وعدد الأطفال الذين جرى إنقاذهم جاوز النصف مليون

لا أحد في بريطانيا يذكر بيافرا هذه الأيام، فقد غطت حرب فيتنام التي اندلعت في نفس الفترة، على تلك الحرب. مع ذلك تبقى حقارة المؤسسة البريطانية في تلك السنوات الثلاثة مبعثًا على خزي عميق، لا يجب أن ننساه أبدًا.