محنة الأرشفة وصراع سرقة الذاكرة واستعادتها

محنة الأرشفة وصراع سرقة الذاكرة واستعادتها

دفتر ملاحظات قديم في مبنى مهجور (Getty)

في لغة الأرشيف ليس ما يهم هو الاحتجاج وما يشمله من مضامين ومفاهيم ووقائع، بل ما يهم هو ما يُكتب عنه بكل صدق وموضوعية. للاحتجاج، محطة وغاية، تتوقف عنده مطالبه، وقد يكون مصيره الفشل أو النجاح، أو يصبح بذرة تسقيها الأجيال القادمة وتساعدها على النمو، أما الأرشفة صوتًا وصورة ونصًا، فهي وثيقة خالدة تدين النظام وتتحنط فيها جرائمه وصرخات ضحاياه في متحف الزمن وتخبره إنه "قد يكسب الجغرافيا لكنه من المؤكد إنهُ خسر التاريخ".

تتمثل أهمية الأرشفة والتوثيق من كونهما عذابًا معنويًا لكل مستبد وما يتصل به، فكل حرف يكتب أو صورة تلتقط لتوثيق المجازر التي ارتكبها هي بمثابة الدبابيس التي تغرس في جسده

يقول إبراهيم نصر الله في رسالة لغسان كنفاني في ذكرى اغتياله: "الحكاية التي لا نكتبها، حكاياتنا التي لا نكتبها... تصبح ملكًا لا عدائنا"، ويقول المثل الأفريقي: "ما دامت الأسود لا تكتبُ حكايتها، فنحن مضطرون لسماع حكايات الصيادين عنها".

اقرأ/ي أيضًا: "مؤسسة الدراسات الفلسطينية" تتيح أرشيف جريدة "القدس" مجانًا

تتمثل أهمية الأرشفة والتوثيق من كونهما عذابًا معنويًا لكل مستبد وما يتصل به، فكل حرف يكتب أو صورة تلتقط لتوثيق المجازر التي ارتكبها هي بمثابة الدبابيس التي تغرس في جسده، وتعسرُ عليه صناعة تاريخ موارب ينضح بالزيف ويحاول محو التاريخ وطمس الذاكرة فيما يتعلق بالحقيقة، كما أن الأرشيف يعد درسًا لمن يأتي بعده، وذاكرة حية للشعوب تشتعل وقت حاجتها وتنطلق من اخر قصة دونت في تاريخها، تجنبها اعادة تصدير المشكلات القديمة وتجعلها تتكلم بلغة مشتركة.

في رواية جورج أورويل "1984"، يتولى بطل الرواية وينستون سمث العمل في وزارة الحقيقة، تلك الوزارة التي من مهامها الأساسية إعادة كتابة الأحداث السابقة بحسب رغبة الحزب ومصالحه، وتحريف كتب التاريخ وما كُتب في الصحف واتلاف المعلومات الحقيقية، وهكذا وصولًا إلى خلق ذاكرة موحدة تحول الشعب إلى قطيع لا يعرف الى إين يساق بعد أن وضعت السلطة على عيونه قطعة جلد تحجب عنه رؤية فظائع الاستبداد.

يروي الكاتب العراقي زهير الجزائري في مذكراته يوميات الألم والغضب هذه القصة: يقول: "بعد عمليات (الأنفال) بسنوات ذهبت إلى كردستان مستتبعًا أثر الجريمة على الأرض وفي ذاكرة ناسها... أسأل أهل المدن إن كانوا سمعوا بالأحداث أو عرفوا عنها. الأجوبة كانت: لا، لم نعرف. عرفنا ولكن بشكلٍ غامض. أهلنا أخفوا الأمر عنا. نخاف أن نسأل".

وهكذا تمر جرائم الأنظمة مرورًا شفيفًا وبهدوء مما يؤهلها لصناعة قصة اخرى تضطر الناس إلى سماعها وتصديقها وتصبح المدونة الرسمية في تاريخ الشعوب.

بلا شك أن الأنظمة الحاكمة تمتلك الإعلام، وهي من تتحكم في مساره وتضع الأحداث في مختبرها الأيديولوجي وتقدمها للناس بحسب الزاوية التي ترغب، وأحيانًا تنكرها مهما بلغ حجم بشاعتها.

وبطبيعة الحال لا يمكن إنكار الدور الذي يلعبه الأفراد أو الجماعات لأرشفة الأحداث وإدخال إرث المستبدين في متحف الزمن وتشكل لهم إدانة دائمة، لكن الرهان في صمود هذا العمل أمام هزات التغيير وتحولات الزمن هو التحدي الصعب الذي ربما يجرف كل ما عملوه لتصبح الأحداث التي وثقوها مجهولة لا دليل عليها بعد أن يسدل عليها الزمن ستاره.

إنَّ العمل على خلق ذاكرة مشتركة للشعوب والتي تتطلب كشف الحقيقة تشكّل بموجبها ذاكرة البلاد تحتاج الى عمل مؤسساتي ضخم، ينخرط تحت لوائها جميع الافراد الذين يهمهم هذا الأمر، في تحفيز ابقاء ذكرى المذابح وحفلات الابادة حية تجبر المستبدين على الاعتراف بهول ما جرى.  هذا هو الغياب الواضح والذي لمسناه في كل الاحتجاجات والمآسي التي عاشها عالمنا العربي.

في كتابه "الحرب حقيقتها وآثارها"، يقول الصحفي كرس هدجز: "إنَّ العالم مليء بالمقابر المجهولة الهوية. وهي تذكرنا بأنَّ العدالة لم تأخذ مجراها. لكن هذه المقابر عادت لتقض مضاجع الجناة بعد عشرات السنين من الجريمة.. ويعلق هدجز على عمليات نبش القبور ويقول: "إنَّ كشف مثل هذه الحقائق على الملأ يطيح بالأنظمة الحاكمة المسؤولة ويعيدُ كتابة التاريخ كما يجب أن يُكتب".

المجتمعات التي لا تستوعب دروس الماضي تبقى أسيرة لتضليل إعلام السلطة، ولا خيار لها إلا بحفظ تاريخها عبر إنشاء مؤسسات تهتم بالأرشفة والتوثيق

وعلى الرغم من جهود القتلة في إخفاء معالم جريمتهم، لكن محاولتهم تبوء بالفشل إذا توفرت جهود مضادة للمعارضين وحراس الذاكرة الذين يريدون الحقيقة كي لا تبقى خارج التاريخ، يقول الروائي ميلان كونديرا: "إنَّ كفاح الإنسان ضد السلطة، هو في جوهره، السعي لنشر الحقائق وتوثيقها؛ كي لا تُنسى".

اقرأ/ي أيضًا: أفكار من الأرشيف

هذه المسؤولية وإن كانت صعبة على المجتمعات التي تقبع تحت نير الحرب والاستبداد، لكن هذه مهمتها الأساسية وعليها أن تعترف بنصيبها من المسؤولية، لأن المجتمعات التي لا تستوعب دروس الماضي تبقى أسيرة لها عبر التضليل الرسمي لإعلام السلطة، ولذلك لا خيار لها إلا بحفظ تاريخها عبر إنشاء مؤسسات تهتم بالأرشفة والتوثيق، تكون ذاكرة حقيقة تميط اللثام عن الحقائق المزيفة والخرافات التي تتغذى عليها الأنظمة المستبدة، وتمكنها من إعادة تصدير نفسها من كونها حارسة الديمقراطية والحرية في كل مناسبة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

بلدان غير مكتوبة.. بلدان أُميّة

دفن النكبة.. عن طريقة إسرائيل الممنهجة في إخفاء جرائمها