مجرد رجل يقف أمام قبر

مجرد رجل يقف أمام قبر

جدار في الجزائر العاصمة، عام 1990 (Getty)

إلا إن الأمور لم تجر وفق ما خطّط لها مسبقًا. فقد مرت سنتان لم يكتب فيهما سوى أفكار تراوده، حيث كان يتحمس لها في البداية، ثم سرعان ما يجد نفسه في زقاق بلا منفذ. لم يعد شيء يلهمه كما في السابق. لا أفكار إلا التي تقود كلها إلى حقيقة أنه أصبح كالرجل صاحب اسمه مجرد خواء، منذ أن قرر أن يزور لأول مرة قبر أمه بعد عشرة أعوام من دفنها، بعد أن اعتقد أنه تخلص من ذكريات الموت، تلك التي نقشت في رأسه منذ طفولته، التي لسبب يجهله، لم تبدأ باكرا، وبالكاد يذكر منها شذرات تصدّقت بها ذاكرته عليه لئلا يصدق فكرة أنه ولد كبيرًا.

كل ما كان على يقين منه أنه جاء إلى هذا العالم وكفى، كان تاسع ولد تنجبه أمه ويبقى على قيد الحياة. حافظ على مرتبته الأخيرة بين إخوته، حتى حين ولدت بعده شقيقة بلا اسم لم تعمر أكثر من أسبوع.

وقتئذ، كان في الرابعة من عمره، وفي هذه السن لم يكن قد امتلك بعد ما يليق من غباء بشري ليصف الموت بأي شيء. لم يكن جميلًا ولا قبيحًا، لم يكن مؤلمًا ولا ممتعًا، لم يكن أمرًا يحبه أو يكرهه. كان الموت موتًا فحسب، غياب من نوع ما.. نوم أطول من العادة.

احتاج إلى سنين أخرى ليفهم بأن الموت شيء بغيض. كفّ كبيرة تأخذ الناس إلى مكان ما، بعيدًا عنه، قريبًا أيضا. كان أمرًا محيّرًا أن يفهم ما يصنع الموت في الأبعاد: قريب وبعيد في آن واحد.

وقتها، أخبرته أمه أن شقيقته ماتت لأن الله يحبها. سألها: "ألا يحبّنا الله نحن أيضًا؟". أجابته "إنه يحبّنا، ولكنه لن يأخذنا إليه الآن". سألها "لم؟"، أجابته "لأنه يحبّنا". كان الأمر محيّرًا أيضًا أن يفهم ما يصنعه الحب في الله أيضًا.

لمدة طويلة، بقي يفكر في الموت على أنه طريقة الله للتعبير عن الحب.. يحبنا جميعًا وحين يشتاق إلينا يُميتنا لنكون معه، ولكنه كان يتساءل أيضًا: "إذا كان يحبنا بهذا القدر، فلم لم يبقنا معه منذ البداية؟ لماذا كان عليه أن يخلقنا ثم يُميتنا لنكون معه؟".

في طفولته، لم يعرف الموت إلا مرة واحدة، تلك التي فيها ماتت شقيقته. تمنى لاحقًا لو أنها كانت آخر مرة يعرفه فيها، بيد أنها لم تكن الأخيرة. رآه مجددا في وجه جدته من والده ثم أبيه وأخيرًا في وجه أمه، فقد كان آخر شخص رأى وجهها.

في قاع القبر وهم يضعون جثتها، تخيّر مكانه ليتمكن من رؤيتها قبل أن توارى التراب.

في لحظة بلا معنى ابتسم وهو يشيح عن وجهها الكفن الأبيض. فعل ذلك فقط ليتأكد من موتها وينصرف أخيرًا إلى حياته، ولكنه وعلى عكس تمنياته، بقي متسمّرًا في تلك اللحظة، يأسره وجه نحيل بفم مزموم وعينين مغمضين. لقد نسي في غمرة تهوّره أن أكثر ما رغب في رؤيته وهو يشيح الكفن عن وجهها هما عيناها البنيتان، الكبيرتان، الشغوفتان بحياة لم تعد فيهما. أدرك وهو يحدّق في وجهها المقنع بالموت بأنها رحلت، وأن أكثر ما حصده لحظتها كان ذكرى وجه لم يعد وجهها.

لم يبك قبل تلك اللحظة. حتى أنه في فجر ذلك اليوم حين أمسك بيدها والروح تنسل من جسدها الضئيل، اكتفى برسم ابتسامة على وجهه، آملًا في أن تكون آخر صورة تحملها أمه معها إلى العالم الآخر.

كان بين الحين والحين يمرّر كفه على وجهها. يضع يده على خدها، مقبلا جبينها، مثلما كانت تطلب منه وهو طفل. فقد كان من عادتها أن تطلب منه فعل ذلك. تقول له: "حبيبي.. تعال. اعطني حنانا"، فيهرع إليها ويفعل ذلك وهي تضحك. أحب فعل ذلك في صباه، وتوسد خصرها كلما واتته الفرصة.

لم يبك لحظة أشاح الكفن عن وجه أمه، ولكنه بمجرد أن أعاده على محياها، انفجر بكاء وهو يحاول الخروج من القبر الذي أرقدوها فيه، غير مصدق أنه امتلك شجاعة حمل جثة أمه في كفنها. لم يصدق حتى وهو داخل القبر أنه نزل فيه طواعية ليضعها فيه، لا لشيء إلا لأنه رغب في أن يكون آخر من يرى وجهها. آخر من يلمس جسدها الذي انفصل عنها بقبلة الموت، ليصبح مجرد جثة فحسب.

لم يكن ما رآه وجهها، كما لم تكن الجثة التي حملها ووضعها في القبر وأهال التراب عليها هو جسد أمه. لهذا ربما لم يرغب في الالتفات وراءه بمجرد أن خرج من القبر، ممتثلًا لصوت هادر في رأسه يأمره بالانصراف بعيدًا وبألّا ينظر خلفه.

استمر الصوت لسنوات في رأسه، يمنعنه كلما اشتاق إلى أمه أن يزورها، حتى توقف الصوت فجأة، وزار أخيرًا قبرها بعد سبع سنوات من موتها.

حين وقف عند شاهد قبرها، قرأ اسمها عليه متصورًا بأنه سيجهش بالبكاء. قرأ تاريخ مولدها ووفاتها، وتلك العبارة السخيفة "المغفور لها"، وكأن ثمة احتمال بوجود شيء يغفره الله لها.

وعلى غير ما توقع، لم يبك. كل ما فعل أنه ظل واقفًا هناك. لم يشعر بشيء أيضًا: لا سعادة ولا حزن. كان مجرد رجل يقف أمام قبر لم يعد على يقين بأن ثمة ما يربطه به.

بعدها، لم تخطر أمه على باله قط، حتى إنه لم يعد يذكر وجهها. كل ما كان على يقين منه، هو أنها قبل أعوام قليلة فقط كانت كل عالمه. أما الآن – في تلك اللحظة- لم تعد شيئًا.

قبل سبعة أعوام، مباشرة بعد أن دفن أمه انصرف إلى حياته. أحب. تزوج. أنجب. كتب كتبًا. سافر. فعل كل ما يجدر بكائن يدّعي أي علاقة بالحياة أن يفعل، وكاد في غمرة كل ذلك أن يقتنع بأنه راض عن حياته. كاد فحسب، فمع ادعائه السعادة، كان يشعر بفراغ يزداد اتساعًا في صدره. وفجأة، ومن غير سبب واضح تمكن الفراغ من ابتلاعه. لم يعد ثمة في الحياة ما يدعوه إلى الحياة، لولا ذلك الضمير البائس الذي أجبره على معاداة الموت، والادعاء كذبًا بأنه أفضل حالًا بقلب ينبض كل يوم.

لم يكن يخشى من الموت، فلم يؤمن قط بأن ثمة شيئًا خلف ستار حياة لم تعد تعني له شيئًا. ولكنه لحظة وقوفه على قبر أمه حدث معه شيء فارق أفرغه منه. شيء ما، سحب كل ذلك الوهم الذي يفترض بكل إنسان أن يحتفظ به في مكان ما من روحه. سُحب منه فجأة من غير سبب محدد يمكنه تذكره.

ليلتها أخبر زوجته بأنه زار قبر أمه. سألته كيف وجدتها. استغرب أن تسأله عن أمه وهو لم يزر إلا شاهد قبر. حتى الجثة التي حملها قبل سبع سنوات لم تعد هناك.

أجابها بلا تردد: "ميّتة.. وجدتها ميتة كما كانت يوم وفاتها".

لم ينس النظرة التي رمقته بها. ومع ذلك لم تكن كافية لتجعله يعلّق بأي شيء. لم يقل غير الحقيقة. كانت ميتة فحسب. ربما لهذا لم يخبرها عن المشاعر التي انتابته وهو يقف على ذلك القبر. لم يخبرها بأنه لم يشعر بشيء. لم تراوده أي ذكرى جمعته يومًا بوالدته. لم يخبرها بأنه كان لامباليًا، متلبّدًا على نحو غريب بالنسبة لكائن يدّعي أنه من البشر.

كان هذا أول أمر يخفيه عن زوجته، فقبل تلك اللحظة لم يحتفظ بأي سر لنفسه، حتى خياناته لها كان لا يلبث وأن يعترف بها بمجرد أن تحدث، على الرغم من يقينه بأنها لن تقدر على كشفه بنفسها.

 

 

اقرأ/ي أيضًا:

سمير قسيمي.. في مجتمع مُغتصب

الوردة والرشّاش