ما لنا في الجامعة؟

ما لنا في الجامعة؟

التخرج المبكر سيحرمنا من التجربة الجامعية التي هي أهم من الشهادة(جودي كوب/Getty)

مشهد متكرر، شابٌ أو شابةٌ يحاولان تقبل ضياع فرصة ما بسبب التزامهما بالدوام الجامعي، الذي يحول بينهما وبين أي التزام جاد غيره. مشهد متكرر آخر، طالب أو طالبة يتحدثان عن سبب تقصير ما في إحدى نواحي حياتهما قائلين: "الجامعة!".

تضع الجامعة نفسها عائقًا في حياتي لعدد من السنوات، لا أستطيع فيها تركها ولا أستطيع كذلك أن أطلب منها علمًا ولا فرصة أحسن للمستقبل

ماذا لو بدأ كل واحد منّا من الصفر متجاهلًا تراث الأولين؟، لو بدأنا من النظر في ما حولنا، وأعدنا التأمل واكتشاف خواص الأشياء واستقراء السنن وتجربة الأمور دون أن نرى ماذا قال من نظر قبلنا. هنا، أظن أنه في الوسع أن نتصور نقطة يصل إليها البحث البشري ولا يتجاوزها. نحن بحاجة لمن عرف قبلنا، بحاجة لأن نبدأ من حيث انتهوا، أعمارنا لا تتسع ليبدأ كلٌ منا وكأنه الأول. هذه الفكرة كفيلة ببذل الجهد لإنشاء أماكن طلب العلم ابتداء بشكلها البسيط كحلقات العلم وانتهاء بالصروح العلمية كالجامعات.

المطلوب من الجامعة، أن تختصر عليّ سنين من التجارب والتعلم الفردي، لأدرس علمًا ما في أربع سنوات بدل دراسته في عشرة أعوام مثلًا، ولأستطيع بعد هذه الأعوام الأربع التفرغ لفرع بعينه، أو هكذا يفترض. إنّ ما تفعله الجامعة الآن، هو أنها تضع نفسها عائقًا في حياتي لعدد من السنوات، لا أستطيع فيها تركها والتفرغ لغيرها ولا أستطيع كذلك أن أطلب منها علمًا ولا فرصة أحسن للمستقبل.

لكن يبقى للجامعة فضل يجعل خوضها محببًا. ننتظر من الشهادة الجامعية ثلاثة أمور: العلم، التجربة الجامعيّة وفرصة العمل. وقد اتُّفق ضمنيًا على أن الأولى والأخيرة لا علاقة بينهما وبين الشهادة. تبقى التجربة الجامعية المتولدة من احتكاك أحدنا بعقول الآخرين، أصحاب الخبرات والعلم، وتعرضنا للثقافات الأخرى والتقائنا مع أفكار ما كنّا لنعرفها لو لم نخرج من المنزل.

يقول راندي باوش في محاضرته الأخيرة: "إننا نرسل أطفالنا للتدرب على كرة القدم أو السباحة أو أي رياضة أخرى، وهذا مثال على ما أسميه الحركة المزيفة أو العلم غير المباشر، في الحقيقة نحن لا نرسل أطفالنا ليتعلموا كرة القدم، من الجميل أن يتعلم الأطفال لعب كرة القدم وكيفية تسجيل الأهداف في المرمى وكل هذا النوع من الأشياء، لكننا نرسل أولادنا ليتعلموا أشياء أكثر أهمية في الحقيقة".

نحن لا نطلب العلم أو فرصة العمل في الجامعة، لن نجدهم بأية حال! لكننا نطلب فهمًا أكثر

لا أستطيع ألا أربط بين الأمرين، أثق بأن والدي كان يعي سوء الحال التعليمي، وسوء فرص العمل، الأمر الذي ما كنت لأدركه أو أدرك الكثير غيره لولا أني كنت داخل الجامعة في يوم ما، نحن لا نطلب العلم أو فرصة العمل في الجامعة، لن نجدهم بأية حال! لكننا نطلب فهمًا أكثر.

في الأيام القادمة، سنحرم حتى من هذا! أقرّت بعض الجامعات مؤخرًا قوانين تسمح للطالب بالتخرج مبكرًا إن أراد، مثل قانون إتاحة فصلين اختياريين بدل فصل واحد، يعني صار ممكنًا للطالب أن يجتاز أربعة فصول في عام واحد، باعتبار أن ينجز الطالب فصلين إجباريين، وآخرين اختياريين.

في جامعات أخرى، يستطيع الطالب أن يدرس عدد مواد لم يكن مسموحًا من قبل بلا ظرف خاص. هذا الضغط الدراسي لا يسمح للطالب بأن يفعل شيئًا في عامه الدراسي إلا أن يدرس المقرر، لا لوم عليهم فمن الصعب أن نجد عامًا يتسع لأربعة فصول دراسية! والطلاب مقبلون على هذه القوانين وإن كانت اختيارية، من الطبيعي أن يظن الطالبُ التخرج المبكر أمرًا حسنًا، وأن يسعى إليه إن أُتيح له، لكنّ هذا التخرج المبكر سيحرمنا من التجربة الجامعية التي تجعل الشهادة أكثر من مجرد بروتوكول اجتماعي. جامعاتنا ليست بخير، ونحن على ذلك لسنا بخير، هناك مناطق نستطيع أن نحصد منها شيئًا، إلا أنها ستصبح بورًا إن لم نراعيها جيدًا!

اقرأ/ي أيضًا: 

الجامعات العربية.. الحصاد المر

الطلاب العرب في جامعات العالم.. صعوبات مختلفة