لماذا لا نهزم الفساد في العالم العربي؟

لماذا لا نهزم الفساد في العالم العربي؟

احتجاجات ضد الفساد (سفيان حمداوي/أ.ف.ب)

كان شعار "إسقاط الفساد" أبرز مطالب الجموع الغفيرة التي خرجت إبان 2011، ولا يزال نفس المطلب الذي تصدح به حناجر المحتجين إلى اليوم في عدد من بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط فيما يشبه بداية "ربيع جديد"، بعدما تبين لشعوب المنطقة جلياً استمرار الفساد على قدم وساق، وكأنما لم يكن هناك احتجاجات قبل ست سنوات.

وراء الفساد المتفشي في العالم العربي، تقبع ثقافة مجتمعية تطبع برمتها مع الفساد وليس فقط من جانب طبقة السلطة

يؤكد هذه النتيجة تقرير منظمة الشفافية الدولية، الذي يقيس مؤشرات الفساد ببلدان العالم لسنة 2016، حيث حققت أغلب الدول العربية مراتب متقدمة في استفحال الفساد، فجاءت مصر بمعية الجزائر في المركز 108، وليبيا بمعية السودان في الرتبة 170، فيما حصل المغرب على المركز 90 بين بلدان العالم، ولم تخرج معظم دول المنطقة العربية الأخرى عن خانة البلدان الشديدة الفساد، حسب تصنيف التقرير.

هذا ما يطرح السؤال حول سر تجذر الفساد بالدول العربية، على الرغم من كل محاولات الاجتثاث الفاشلة، من خلال الاحتجاجات الشعبية التي تضع السلطة في موضع مسؤولية.

اقرأ/ي أيضًا:  كيف تفضح شهادة الطرابلسي منظومة الفساد في تونس؟

استمرار ثقافة الفساد مجتمعًا وسلطة

ربما يكون الفساد في بعض البلدان أمرًا متسترًا عليه، حيث يجتهد أصحابه في إخفائه بطرق ملتوية كي لا يشيع إلى العلن فتطاله يد العدالة، لكن في دول العالم العربي يمارس الفساد بشكل ظاهر للعيان دون خشية المحاسبة، حتى تحولت أشكال الفساد المختلفة، من محسوبية وزبونية ورشوة ونهب للمال العام وتهرب ضريبي وتهريب للأموال، إلى ظاهرة "شبه طبيعية"، لا يترتب عن فضحها أي آثار قانونية، كما حدث مع تسريبات بنما.

مما يحيل إلى أن وراء الفساد المتفشي تقبع ثقافة مجتمعية تطبع برمتها مع الفساد، وليس فقط من جانب طبقة السلطة، فبحسب دراسة مسحية قامت بها منظمة الشفافية الدولية العام الماضي، فإن حوالي %50 من الناس، في كل من المغرب ومصر والسودان، قد صرحوا بدفعهم رشوة للحصول على خدمات عامة على حساب غيرهم من المواطنين، كما عبّر %45 من العرب المستطلعين على أن "المسؤولين الحكوميين وأعضاء البرلمان هم الأكثر فسادًا"، وهي النخبة المفترض أنها تمثل تطلعات الطبقات الشعبية التي انتخبتها.

لكن تنظر العقلية العربية إلى مناصب السلطة كـ"غنيمة"، ينبغي استغلالها كلما سنحت الفرصة، وتكديس الامتيازات من خلالها ما أمكن. أكثر من ذلك، تتحول هذه الامتيازات، التي تعتبر نوعًا من الفساد، إلى حق قانوني بشرعية الدستور، مثلما الحال في المرتبات الضخمة والتعويضات "السمينة" لدى الوزراء والبرلمانيين وكبار الموظفين العرب، متفوقين على نظرائهم في البلدان الأوروبية الغنية، علاوة على الامتيازات الضريبية، التي تمنح للفئات الاجتماعية الثرية المالكة لوسائل الإنتاج.

هذا ما يفسر استمرار الفساد مهما تغير المسؤولون وأحزابهم على كراسيّ الوزارات والإدارات العليا، نظرًا "لمنطق الغنيمة" الذي يسود عقلية المجتمعات العربية في نظرتها للسلطة، حيث يصبح استغلال المنصب من أجل المصلحة الشخصية والحزبية بمجرد الوصول إليه "حقًا طبيعيًا" أرفع من خدمة الصالح العام.

الفساد جزء لا يتجزأ من الدكتاتورية

في نيسان/أبريل العام الماضي، اهتز العالم على وقع "تسريبات بنما"، الفضيحة المدوية التي أظهرت حجم الفساد المنتشر في العالم، وفي حين سارعت بلدان أوروبا وغيرها إلى إجراء تحقيقات قضائية من أجل متابعة المشتبهين بتهريب الأموال، لازمت الحكومات العربية الصمت المطبق، بالرغم من أنها كانت الحاضر الأكبر في فضيحة الفساد، بالأسماء والأرقام.

ذلك أن الفساد في الدول العربية هو في الواقع خلل في هذه الأنظمة السياسية، وليس مجرد ظاهرة جانبية يقترفها بعض الأشخاص، إذ أن فضائح الفساد التي قد تمس كبار رجال السلطة لا تخضع للمساءلة القانونية أو السياسية، إذ لا يوجد قضاء مستقل بهذه البلدان يمكنه محاسبة نخبة السلطة، كما تفعل عادة البلدان الديموقراطية.

وتحتل دول العالم العربي مراتب متأخرة في مؤشر الديمقراطية، بحسب التقرير الحديث لمنظمة "فريدم هاوس"، فباستثناء تونس، لم تُدرج أي من الدول العربية الأخرى في فئة "البلدان الحرة"، ما يثبت أن مجتمعات شمال إفريقيا والشرق الأوسط تعيش تحت أنظمة سياسية دكتاتورية.

وبما أن أي نظام دكتاتوري هو بطبيعته مفتقد للشرعية الشعبية ويصب في مصلحة نخبة صغيرة تستولي على مقدرات البلد، فإنه يلجأ إلى "اقتصاد الريع" من أجل الحفاظ على بقائه في السلطة، حيث يعمل على إغداق الامتيازات والرشاوى لفائدة النخب التي تعمل لصالحه، ومن ثمّ يتمأسس الفساد ويتوسع في دروب الدولة والمجتمع، ليقود في نهاية المطاف إلى تشكل "جبهة فساد" قوية، ترى في الديمقراطية وتوزيع الثروة تهديدًا لمصالحها الاقتصادية.

فضائح الفساد التي قد تمس رجال السلطة في العالم العربي لا تخضع للمساءلة القانونية، في ظل غياب قضاء مستقل يمكنه محاسبة نخبة السلطة

اقرأ/ي أيضًا: على لسان نشطائها.. ما لا تعرفونه عن "مانيش مسامح" التونسية

غياب حرية الصحافة والإعلام

ليس غريبًا أن يكون الإعلام أول من يثير ملفات الفساد لتنكشف أمام الرأي العام، إذ تعد الصحافة هي الجبهة الأمامية لمحاربة الفساد، لكن في ظل البلدان غير الحرة مثل معظم البلدان العربية، فإن الصحافة تتحول من سلطة رابعة إلى جهاز بروباغاندا يعمل لصالح نخب السلطة.

وكانت منظمة "مراسلون بلا حدود" قد أصدرت تقريرًا في بداية العام الجاري، حذرت فيه من أن حرية الصحافة تواجه وضعًا غير مسبوق، واصفة إياه بـ"الخطير للغاية" بعدد من مناطق العالم، منها دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، واحتلت مصر المركز 161، وليبيا 163، والمغرب 133، والجزائر 134.

وفي مناخ يشهد تضييقًا على عمل الصحافة، كالحال في المنطقة العربية، فإن الفساد يجد بيئة مناسبة للاستمرار، تضمن التستر على الفاسدين، لكن لا يبدو أن المجتمعات العربية تقدر دور الصحافة وحرية التعبير في مواجهة الفساد، إذ قلما ترفع احتجاجات شعبية شعارات تنادي بحرية الصحافة أو تدافع عن حقها في الوصول للمعلومات، وهو ما يجعل الفساد في الأخير في مأمن من الفضح والمساءلة.

بخلاف البلدان الغربية التي تعتبر حرية الصحافة والتعبير مبدأ دستوريًا، تكون فيها سلطة الصحافة  قوية لدرجة أنها تتسبب في إسقاط العديد من السياسيين المشتبهين في قضايا فساد، كما حصل مع المرشح الرئاسي الفرنسي فرانسوا فيون، بعدما كشفت الأسبوعية الفرنسية "لوكانار إنشينيه" تقريرًا يتهم زوجة مرشح اليمين بينيلوب فيون، بالاستفادة من وظائف وهمية كمساعدة برلمانية لزوجها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الفساد يلاحق المواطنين إلى قبورهم في لبنان

"سونطراك 1".. مفتاح فضائح الفساد في الجزائر