03-أكتوبر-2017

دفتر همنغواي

عثر على القصة الأولى التي كتبها إرنست همنغواي في عمر العاشرة، وذلك بعد إعصار إرما الذي ضرب ولاية فلوريدا الأمريكية الشهر الماضي. هذه القصة كُتبت على هيئة رسائل مُوجهة إلى والديه، وكانت على هيئة تدوين لمذكرات إرنست همنغواي اليومية، لذا لم ينتبه أحد لأهميتها. والمقال مترجم عن هذا الرابط.


عندما اجتاح إعصار إرما مدينة كي ويست في ولاية فلوريدا الأمريكية، حُطم المنزل التاريخي للكاتب شيل سيلفرستين. مما أثار بعض المخاوف حول منزلٍ آخر في نفس المنطقة، ألا وهو منزل الكاتب والمؤِرخ بروستر تشامبرلين.

أول قصة كتبها إرنست همنغواي كانت وجدت بدون عنوان، وقد كتبها في عمر العاشرة

كانت صديقته ساندرا سبانر قلقةً أيضًا، ليس بسبب خوفها على تشامبرلين فحسب - والذي احتمى هو وزوجته من الإعصار داخل المنزل - ولكن أيضًا بسبب اقتسامهما اكتشافًا يعلمه عدد قليل جدًا من الناس.

اقرأ/ي أيضًا: 10 حقائق "غريبة" عن إرنست همينغواي

فقد اكتشفت ساندرا وصديقها تشامبرلين في شهر أيار/مايو الماضي، أول قصة قصيرة كتبها إرنست همنغواي - وهي عبارة عن قِصة بدون عنوان وغير معروفة، كتبها إرنست همنغواي في عمر العاشرة - داخل أرشيف عائلة بروس، الصديق المقَّرب الذي رافق همنغواي لفترة طويلة. كان ذلك بعد شُهورٍ قليلةٍ من اطلاعها على تلك الُمفِكرة بُنية اللون التي تحتوي على القصة للمرة الأولى. أما الآن، فقد تكون هذه القطعة الفنية عُرضةً للضياع نهائيًا. قالت سبانر، المحررة العامة لمشروع رسائل همنغواي، وأُستاذة الُلغة الإنجليزية بجامعة ولاية بنسلفانيا: "لقد كُنت في غاية القلق".

عاد بروستر تشامبرلين إلى الأرشيف -في الحي القديم في مدينة كي ويست يوم الأربعاء 27 أيلول/سبتمبر -  عابرًا وسط الأشجار المتساقطة، والحُطام المتراكم في الساحات والأرصفة والطرقات. وقال: "إن المجموعة في حالةٍ جيدة"، إلا أن هناك بعض الأشجار قد تحطمت في هذه الملكية، وأكد تشامبرلين: "أنه لا يُوجد أي ضرر قد لحق بالمبنى".

لقد كانت المفكرة في هذا المكان ولم تتعرض لأي ضرر، إذ وُضعت في حقيبةٍ بلاستيكية مُحكَمة الغلق، مُؤرخةً عليها بالقلم الأسود العريض 8 أيلول/سبتمبر 1909.

إلا أن هُناك قِصةً أُخرى وراء انتقال هذه الُمفكرة من مسقط رأس همنغواي في مدينة أوك بارك بولاية إلينوي، إلى التخزين داخل صندوق ذخيرة في كي ويست. لقد كان إرنست همنغواي أفضل مُؤرِخ لحياته الخاصة، فقد كان شخصًا يكنز كل ما لديه. فلم يحافظ إرنست همنغواي على صُورهِ وخطاباتهِ فحسب، بل احتفظ أيضًا بالفواتير، والتذاكر، وصور أشعة الأسنان، والواجبات المدرسية، ومجلات مصارعة الثيران الإسبانية، وغيرها من الأشياء البسيطة. بعد فترٍة من الوقت، توفي إرنست همنغواي عام 1961، تاركًا خلفه كمًا هائلًا من الأغراض، انتقلت إلى أماكن مثل كي ويست، وأوك بارك، وكوبا، وبيته في كيتشوم بولاية إيداهو.

قضت ماري ويلش همنغواي، الزوجة الرابعة للكاتب، سنوات طوال في جمع رسائله، ومُفكراته، وأعماله غير المكتملة

قضت ماري ويلش همنغواي، الزوجة الرابعة للكاتب، سنوات طوالًا في جمع رسائله ومُفكراته وأعماله غير المكتملة، بما في ذلك مذكراته للسنوات التي قضاها في باريس.

اقرأ/ي أيضًا: كيف تكتب تراجيديا متقنة؟

ففي شتاء عام 1962، سافرت ماري إلى كي ويست من أجل زيارة بيتي وتيلي أوتو، والمعروف بتوبي بروس، والذي استعاد مجموعة من الصناديق المتروكة في غُرفة تخزين خلف حانة سلوبي جو، والتي كانت الصالون المفضل لإرنست همنغواي. كان بروس أحد المقربين لفترة طويلة من همنغواي، والذي عمل معمر سيارات، وحِرفيّا، وأحيانًا سائقًا لدى إرنست همنغواي.

أخذت ماري ما اعتبرته مُهمًا لها وعادت به إلى نيويورك، وأعطت باقي هذه الأغراض إلى بروس. وباستثناء عدد قليل من المعارض المحلية، وبعض المساهمات العلمية، ظل الأرشيف كاملًا تحت رعاية أسرة بروس، بإدارة ابن بروس، بنيامين دنك بروس.

تحتوي هذه المجموعة أيضًا على صورٍ غير مشهورة لإرنست همنغواي، وبعض الرسائل، وبعض خُصلات من شعر الكاتب، بالإضافة إلى 46 صورة، أهداها له المصور الشهير ووكر إيفانز. وعلى مدار السنوات الخمس عشرة الماضية فقط، بدأت فهرسة أغراض همنغواي، ويرجع الفضل في ذلك بشكل أساسي إلى جهود تشامبرلين، الذي ألف كتاب سِجل حياة همنغواي، وهو الخط الزمني لحياة المؤلف ومسيرته المهنية.

من السهلِ إدراك سبب تغاضي ماري عن تلك المفكرة المليئة بآثارِ المياه، والتي لم يتبق منها سوى جُزءٍ صغير من الغُلاف الذي رسم عليه إرنست همنغواي الصغير خريطةً للجُزء الشمالي من وسط الولايات المتحدة الأمريكية. وتحتوي هذه المفكرة على قصة بلا عنوان تتكون من أربعة عشر صفحة، كما تحتوي أيضًا على بعض أبيات الشعر، وملاحظات نحوية، وتحتوي أيضًا على بعض قواعد الكتابة بالحروف الكبيرة وعلامات الترقيم.

كانت القصة التي كتبها إرنست همنغواي عن رحلة إلى إيرلندا واسكتلندا، وقد كُتبت على هيئة رسائل مُوجهة إلى والديه، وكانت على هيئة تدوين لمذكراته اليومية، لذا لم ينتبه أحد لأهميتها. انتبهت سبانر لذلك الأمر فقط عندما زارت تشامبرلين في أيار/مايو الماضي، وأدركت حينها أن همنغواي لم يقم بهذه الرحلة في طفولته، ولا في كبره. وهو الاكتشاف الذي أدهشهم آنذاك. وبعدما استفاق تشامبرلين من الدهشة، قال: "يا إلهي، أعتقد أن هذه المفكرة غاية في الأهمية. إنها المحاولة الأولى لهمنغواي في الكتابة القصصية".

ربما جاء إلهام همنغواي في كتابة القصص الخيالية من خلال أمله في أن تُنشر مؤلفاته في سن العاشرة

في أحد أقسام هذه المُفكرة كتب إرنست همنغواي قِصة رجُل ميت، يعودُ للحياةِ مرةً كُل عام لبِناء قلعةٍ وردية في إيرلندا، ويُعد مأدُبةً ليلية، وقد كتب إرنست همنغواي بخطٍ رفيع: "عندما يشرق ضوء النهار، وتنهار القلعة، ويعود أودوناهو إلى قبرهِ مرة أخرى".

اقرأ/ي أيضًا: العبقرية والجنون والخيط الرفيع الذي بينهما

على الرغم من عدم جودة خط إرنست همنغواي في الكِتابة، إلا أن له أسلوبًا رائعًا في الكتابة. فهذه القِصة كانت تعد بكاتبٍ ذي شأن، ليس فقط من حيث القدرة على الاختصار غير المخلّ، واستخدام الصور الطبيعية، بل أيضًا من حيث خلطهِ الأسلوب التقريري بالخيال. إذ ستستمر هذه التقنية في كتابات إرنست همنغواي طوال حياته المهنية، من خلال بث الواقعية بشكلٍ سلس في قصته، لتستقر بشكل تلقائي جنبًا إلى جنب مع الأحداث الخيالية، وإحداث نوع من التوازن من خلال بعض الحقائق والتجارب.

تقول سبانر: "أدركت أنها شيء مُذهل، وقطعةً فنية فارقة من الكتابة"، وأضافت: "إنها المرة الأولى التي نرى فيها إرنست همنغواي يكتب سردًا قصصيًا خياليًا متصلًا".

ينخرط إرنست همنغواي الصغير في وصف جولته داخل قلعة بلارني، وفقر إيرلندا. ويكتب عن زيارة بيت حجري سقفه من القش حالك الظُلمة من الداخل، وعن خنزير يجري تحت المنضدة، وعن أُناسٍ يقولون عنه الصديق الصغير الذي يدفع الإيجار.

لا توجد علامات أو درجات في هذه المفكرة، لذا، لا يُمكن التوصل إلى ما إذا كانت هذه المفكرة مُجرد مسودة لإحدى واجبات اللغة الإنجليزية، أم كان إرنست همنغواي يكتب هذه القصة من أجل التسلية فحسب. وربما كتب هذه القصة من أجل مجلة سانت نيكولاس، حسب سبانر. فقد أقامت مجلة الأطفال تلك مسابقة أدبية شهرية، اشتركت فيها شقيقة إرنست همنغواي الكبرى، مارسيلين.

تقول سبانر: "ربما جاء إلهام إرنست همنغواي في كتابة القصص - وبالأحرى التعلم والاطلاع - الخيالية من خلال أمله في أن تُنشر مؤلفاته في سن العاشرة".

أما بالنسبة لدنك بروس، لا يمكن أن يكون أكثر دهشةً بعد كل ذلك، فعلى الرغم من التوقيت الحرج، والإعصار الأخير، إلا أنه أعاد التفكير في مستقبل الأرشيف.

قال بروس، الذي يُقسم وقته بين كي ويست وليفنغستون بولاية مونتانا: "يمكن أن يعصف الإعصار بكل شيء، إلا أنها آمنةٌ قدر الإمكان حاليًا".

يفكر بروس في بيع الأرشيف، لذا، من الممكن أن يجد بيتًا جديدًا داخل أو خارج فلوريدا.

وهذا ما جعله يقول: "إنها تستحق أن تكون في مكان يمكن دراستها فيه جيدًا".

 

اقرأ/ي أيضًا:

الأدب والانتحار.. حل وحيد ممكن

شعراء عرب منتحرون