كيف تجتذب داعش المجرمين السابقين والمسلمين الجدد؟

كيف تجتذب داعش المجرمين السابقين والمسلمين الجدد؟

علم داعش (Getty)

المقال التالي هو ترجمة تقرير تم نشره في موقع "دينفنس وان" عن الفئات التي يستهدفها تنظيم داعش للتجنيد في صفوفه

________

في العام 2014، ظهر عبد الحميد أباعود، مدبر هجمات باريس 2015، في مقطع فيديو يقود شاحنة صغيرة تجر مجموعة من الجثث. متحدثًا إلى الكاميرا قبل الانطلاق، قال أباعود: "لقد كنا من قبل نجر زلاجات نفاثة ودراجات بخارية ودراجات رباعية ومقطورات كبيرة مليئة بهدايا عيد الحب في المغرب. الآن، بحمد الله، وفي سبيل الله، نجر المرتدين". كانت تلك إشارة مهينة إلى ضحاياه والذين، في عقله، كانوا مرتدين عن الدين الإسلامي وبالتالي أهدافًا مشروعة للذبح. لكنها كانت أيضا إشارة ذات دلالة إلى ماضيه غير المتدين، قبل أن يجد الله وينضم إلى داعش ويبدأ في ممارسة القتل.

في كتابه "المؤمن الصادق" اقترح الفيلسوف إريك هوفر أن الحركات الجماهيرية تحمل جاذبية خاصة للـ"آثمين"، حيث توفر لهم "ملاذًا من الشعور بالذنب"

بالفعل، كان أباعود يومًا روحًا منحرفة ذات سجلٍ إجرامي. صرحت شقيقته ياسمين لصحيفة نيويورك تايمز أن أباعود لم يظهر أي اهتمامٍ ملحوظ بالدين قبل أن يغادر إلى سوريا، وأنه "لم يكن حتى يذهب إلى المسجد". لكنه ذهب إلى السجن عدة مرات، ويبدو أنه كان هناك، مثل الكثير من الجهاديين الغربيين، حيث أصبح متطرفًا.

يبدو أن إبراهيم عبد السلام، والذي فجر نفسه في هجمات باريس، قد تعرف أيضا على عالم الجريمة عن كثب: قامت الشرطة بإغلاق الحانة التي كان يمتلكها في مولنبيك ببروكسل قبل أسبوع من الهجمات على خلفية مخاوف بشأن البيع غير القانوني للمخدرات. كما لم يكن صلاح شقيق إبراهيم، المشتبه به في اعتداءات باريس والذي مازال هاربًا، الشخص المتعصب أيديولوجيًا المعتاد: تورد تقارير أنه كان يزور حانات للمثليين وكان من المألوف أن يُرى يطوي سيجارة من مخدر الحشيش أكثر من رؤيته يطوي سجادة صلاة.

حسب مقالٍ نشر مؤخرًا في صحيفة واشنطن بوست، يمثل أباعود وفريقه "نوعًا جديدًا من الجهاديين" – "جزء إرهابي، جزء رجل عصابات"، يستخدم "مهارات شحذها في الخروج عن القانون" من أجل أهداف "التطرف العنيف".

"ظلت السجون الأوروبية لسنوات أرضًا خصبة للمتطرفين الإسلاميين، خاصةً في بلجيكا وفرنسا"، كما كتب الكاتبين بالصحيفة أنطوني فيولا وسعاد مخمينيت؛ وتابع المقال: "لكن مؤخرًا، أضحت الجريمة والتطرف أكثر تشابكًا، حيث يستمر نشاط المجندين غير القانوني حتى بعد أن يروا "نور" الإسلام المتطرف".

تلك ملاحظة هامة، رغم أنه من غير المفاجئ أن يماثل المجندين الغربيين أقرانهم في سوريا والعراق -المؤسسين الحقيقيين للجهاد الفاسق، حيث يصلح كل شيء ولا يخرج أي شيء عن حدود المقبول، حتى تسليح الأطفال- في الانحراف والخروج عن القانون. فبعد كل شيء، كان الزعيم الروحي لداعش، أبو مصعب الزرقاوي، قاطع طريق عنيف قبل وبعد اعتناقه للسلفية الجهادية.

مثل أباعود والزرقاوي، ابتعد سيدارتا دهر (الذي يعرف أيضا باسم أبو روميساء)، أحدث منضم ذو لكنة بريطانية لصفوف التنظيم الإرهابي يجني شهرة بسبب دوره المشتبه به في مقاطع فيديو التنظيم، بصورةٍ درامية عن ماضيه: كان دهر هندوسيًا قبل أن ينجذب إلى الإسلام المتطرف، لكنه، على خلاف أباعود والزروقاوي، لم يكن له ماضٍ من العنف أو السرقة أو الاتجار في المخدرات، ولم يسبق له دخول السجن. بدلًا من ذلك، كان دهر يؤجر القلاع الهوائية للكفار الذين أصبح يبغضهم.

ظهرت تلك الصفات في عددٍ هائل من الدراسات. في دراسته الاستقصائية لـ31 عملية إرهاب جهادي بين سبتمبر 2001 وأكتوبر 2006، وجد إدوين بكر أن 58 على الأقل من بين الـ242 المنفذين لتلك الهجمات -أو 24% وهو رقمٌ يقول أنه "مرتفعٌ على نحوٍ يثير الدهشة"- كان لديهم سجلٌ إجرامي قبل القبض عليهم بسبب جرائم مرتبطة بالإرهاب. حسب دراسةٍ أجراها روبن سمكوكس، على 58 شخصًا مرتبطين بـ32 مخططًا لداعش في الغرب في الفترة ما بين يوليو 2014 وأغسطس 2015، كان لدى 22% منهم سجلٌ إجرامي سابق أو كانوا على اتصالٍ بالشرطة.

وجد سمكوكس أيضًا أن 29% من هؤلاء الأشخاص كانوا متحولين إلى الإسلام. بلغت نسبة المتحولين إلى الإسلام، حسبما أورد سمكوكس، 67% من المسلمين الأمريكيين المتورطين في تنفيذ أو التخطيط لهجومٍ مرتبطٍ بداعش – "وهي نسبة غير متناسبة مع حجمهم بدرجةٍ كبيرة، حيث يشكلون 20% فقط من المسلمين في الولايات المتحدة". على نحوٍ مشابه، كان المتحولون إلى الإسلام أيضًا ممثلين بين الجهاديين البريطانيين بدرجةٍ تفوق حجمهم. حسب سكوت كلاينمان وسكوت فلاور، يمثل المتحولون إلى الإسلام حوالي 2% إلى 3% من مسلمي بريطانيا البالغ عددهم 2.8 مليون شخص، لكن "نسبة المتحولين إلى الإسلام من المدانين بالإرهاب الجهادي في المملكة المتحدة ما بين عامي 2001 و2010 تبلغ 31%".

ما الذي يجعل من داعش، والحركات الإسلامية المسلحة بوجهٍ عام، جذابة لكلٍ من المجرمين والمتحولين إلى الإسلام أو المسلمين المولودين من جديد؟

في كتابه المؤمن الصادق، المنشور عام 1951، اقترح الفيلسوف إريك هوفر أن الحركات الجماهيرية تحمل جاذبية خاصة للـ"آثمين"، حيث توفر لهم "ملاذًا من الشعور بالذنب". "الحركات الجماهيرية"، كتب هوفر، "مصنوعة خصيصًا لتناسب حاجات المجرم – ليس فقط لتطهير روحه، ولكن أيضًا لممارسة رغباته ومواهبه".

ينطبق هذا أيضًا على التنظيمات الجهادية مثل داعش، والتي تعد من ينضم إليها ليس فقط بالمغامرة والعنف، وإنما أيضا بالخلاص.

في دراسته التي صدرت عام 2005 بعنوان المهاجرون، وهي حركة إسلامية محظورة يقع مقرها في المملكة المتحدة ولها اتصالات بداعش، فصّل كوينتان ويكتروفيتش التكاليف المادية والاجتماعية المتعددة لما يصفه بـ"النشاط الإسلامي عالي الخطورة". ذكر ويكتروفيتش أحد وثائق حركة المهاجرين يتم فيها التنبيه بشدة على الأعضاء بالامتناع عن سلوكيات تتراوح بين "الاستماع إلى الموسيقى والراديو" و"تفقد المعروضات في المتاجر وقضاء ساعات في السوق"، إلى "التسكع مع الأصدقاء" و"إلقاء النكات والمزاح". لاحظ ويكتروفيتش أن نشاط التنظيم "سريع الوتيرة، ومتطلب، ولا هوادة فيه"، كما أنه يأخذ موقفًا من "الاتجاه السائد"، مولدًا "نوعًا من الإثارة عادةً ما توجد في الحركات الثقافية المضادة التي تتمرد ضد الوضع القائم". "بدا العديد من الأعضاء يستمتعون بدورهم كغرباء"،كما لاحظ ويكتروفيتش.

يبدو النشاط الإسلامي شديد الحدة مصممًا لحاجات المجرمين والمدانين السابقين، حيث يوفر لهم مجتمعًا داعمًا من الغرباء الآخرين، وهوية إيجابية

لكن الأكثر أهمية، يجادل ويكروفيتش، هو أن حركة المهاجرين تروج لفكرة الخلاص الروحي – جاعلةً أعضاءها يؤمنون بأن تضحياتهم هنا والآن سوف تكافأ في الحياة الآخرة.

بعبارةٍ أخرى، يبدو النشاط الإسلامي عالي الخطورة وشديد الحدة مصممًا خصيصًا لحاجات المجرمين والمدانين السابقين، حيث يوفر لهم مجتمعًا داعمًا من الغرباء الآخرين، وجدولًا للعمل، وهوية إيجابية، ووعد بالتطهر من خطايا الماضي.

هل يمكن أن يقال نفس الشيء على المتحولين إلى الإسلام أو المسلمين المولودين مجددًا؟

أحد التفسيرات التي تتردد بين الباحثين هو أن المتحولين إلى الإسلام ليست لديهم معرفة كافية بدينهم الجديد وبالتالي فإنهم قابلون بشدة للتأثر بالتفسيرات المتشددة للإسلام، والتي يفتقدون إلى الموارد الفكرية واللاهوتية لمواجهتها. بينما يبدو ذلك التفسير جديرًا بالتصديق على نحوٍ بديهي، إلا أنه يفترض أن المتحولين إلى الإسلام يعرفون أقل عن ديانتهم الجديدة من المسلمين الذين وُلدوا ونشأوا على الإسلام.

لكن الأدلة على ذلك الادعاء ضعيفة، وتتعارض مع دراسات تظهر مدى مشاركة ودراية الكثير من المتحولين إلى الإسلام في النقاشات المتعلقة بالدين. فكرة أن المتحولين إلى الإسلام بافتقادهم للمعرفة الدينية عرضة للخداع الديماجوجي على نحوٍ خاص تحمل أيضًا التضمين بأن هؤلاء ذوي المعرفة العميقة بالإسلام من غير الوارد انضمامهم إلى التنظيمات الجهادية. تلك، أيضًا، نقطة مثيرة للجدل – ومن غير الواضح ما إذا كان يمكن إثباتها تجريبيا، بالنظر إلى مدى الخلاف حول المعرفة الإسلامية. الأمر الأكثر إثارة للجدل هو أن ذلك المنطق يقوم على أن الإسلام سلامي في جوهره، مقترحًا أن بعض الفهم الصحيح أو المناسب للدين سوف يكون طاردًا للتفسيرات الجهادية المنحرفة. لكن ما هو الإسلام وما هو ليس الإسلام يظل سؤالًا مفتوحًا (ومتقلب)؛ ليس هناك إسلامٌ صحيح، لكن مجموعة من الإسلامات، تتنافس كلٌ منها على الهيمنة المعرفية.

يقدم الوضع الاجتماعي للمتحولين إلى الإسلام في الغرب، ووضعهم كمرتدين أو منشقين عن العقيدة غير الإسلامية أو العالم العلماني الذي وُلدوا ونشأوا فيه، تفسيرًا أفضل. في مقالٍ كاشف عن "يهود البلاط والمسيحيين المنشقين"، كتب الباحث في علم الاجتماع لويس كوزر أن "المنشق هو، كما لو كان، قيد المحاكمة إلى الأبد". بالفعل: "يجب دومًا أن يثبت أنه جدير بوضعه وموقفه الجديدين".

المتحولون إلى الإسلام هم غرباء إلى الأبد، لا ينتمون بالكامل إلى المجتمعات المسلمة التي يتحولون إليها أو المجتمعات التي تركوها خلفهم. إنهم "مهمشون تهميشًا مزدوجًا"، كما تصف كيت زيبيري الأمر في دراستها بعنوان "البريطانيون المتحولون إلى الإسلام". قد يشرح هذا، أكثر من أي إخفاقات معرفية من جانبهم، طبيعة قابلية تأثرهم بالتنظيمات الجهادية، والتي توفر للمجندين المحتملين ليس فقط الانتماء وإنما أيضًا دليلًا يكاد يكون غير قابل للدحض على الالتزام نحو الدين: التضحية بالنفس والموت في النهاية. قد يجعلهم هذا أيضًا أكثر خطورة ككفاءات جهادية، حيث أن تحمسهم لإثبات التزامهم الجديد قد يدفعهم إلى آفاقٍ أبعد.

بالنسبة إلى التائبين والمتحولين القلقين، الذين "يتوقون في أعماقهم إلى حياةٍ جديدة "، فإن المشروع الجهادي الغامر يبدو حلا مثاليا

لكن تلك الفرضية تعتمد على افتراض أن المتحولين إلى الإسلام في التنظيمات الجهادية كانوا بشكلٍ ما متحولون إلى الإسلام قبل أن يصبحوا جهاديين، بدلًا من العكس: أنهم تحولوا إلى الفكر الجهادي قبل، أو في نفس وقت، تحولهم إلى الإسلام، بحيث أصبح تحولهم إلى الإسلام، كما جادل العالم السياسي أوليفر روي مؤخرا، "نفعيًا" وبالتالي نتيجة لـ، وليس سابقًا على، تحولهم إلى الفكر الجهادي.

إحدى طرق توضيح التسلسل في تلك المواقف هو النظر عن قرب إلى البيئة الاجتماعية المحيطة بالمتحول والظروف التي تحول فيها إلى الإسلام. حسب روي فإن "الجيل الثاني من المسلمين والأوروبيين المتحولين إلى الإسلام" الذين يهيمنون على المشهد الجهادي الأوروبي "اتجهوا إلى التطرف داخل مجموعة صغيرة من الأصدقاء الذين يتقابلون في مكانٍ معين (حي، سجن، نادي رياضي) والذين "يكونون ’أسرة’، أو أخوية"، غالبًا ما تحوي صلات قرابة. ويضيف روي أنهم ينجذبون من اللحظة الأولى إلى السلفية العنيفة، وبالتالي "لا يكون لديهم على الإطلاق تقريبًا تاريخًا من التقوى والممارسة الدينية".

باختصار، يجادل روي، مرددًا نتائج مارك ساجمان وسكوت أتران، لا يبحث الشباب الأوروبي الساخط على مجتمعه والذي اتجه إلى التطرف عن الإسلام، ولكن عن "قضية، عن ملصق، عن سردية كبيرة يستطيعون أن يضيفوا إليها التوقيع الدموي لتمردهم الشخصي".

يذكرنا هوفر إلى أي مدى يمكن أن ذلك التمرد شخصيًا. كتب الفيلسوف: "إن الحركات الجماهيرية، خاصةً في مرحلتها الإحيائية النشطة تجتذب ليس فقط هؤلاء الذين يرغبون في تعزيز وترقية أنفسهم التي يعتزون بها، وإنما هؤلاء الذين يتوقون إلى التخلص من نفسٍ غير مرغوبٍ بها". بالنسبة إلى مجرمي اليوم التائبين والمتحولين القلقين، الذين "يتوقون في أعماقهم إلى حياةٍ جديدة – ميلادٍ جديد"، فإن المشروع الجهادي الغامر والمخلص تمامًا يبدو أنه يقدم الحل الأمثل.

اقرأ/ي أيضًا:

مصر..المدنيون أمام القضاء العسكري

سوريا..المعارضة أمام رهان حلب