كواليس رولد دال.. أحد أشهر كتاب قصص الأطفال في العالم

كواليس رولد دال.. أحد أشهر كتاب قصص الأطفال في العالم

رولد دال (1916- 1990)

يولدُ الحكواتي بالفطرة وتولدُ معه قصّته المثيرة للاهتمام. بمثل هذه العبارة تستهلُّ "الغارديان" مقالتها عن كتاب "الصبي: حكايا من الطفولة" للكاتب رولد دال الذي يعتبر أحد أشهر وأنجح كتاب الأطفال في سائر أنحاء العالم.

في كتاب "الصبي: حكايا من الطفولة"، يستذكر رولد دال أيّامه الموسومة بالمرح والرعب

البريطاني رولد دال (1916- 1990) روائي وكاتب قصص قصيرة، وشاعر، وكاتب سيناريو، وطيّار حربي. ولدَ في مدينة ويلز لأبوين من أصل نرويجي، وقد تلقّى تعليمه في إنجلترا قبل أن يباشر عمله لدى شركة "شل" للنفط في أفريقيا.

اقرأ/ي أيضًا: ليلى قصراني.. استعادة لتاريخ المذبحة الأرمنية في رواية "الطيور العمياء"

بدأ رولد دال بالكتابة عقبَ الحادثة التي تعرض لها، إذ أصيب بضربة شديدة على الرأس، حين كان طيارًا حربيًا في القوات الجوية البريطانية إبان الحرب العالمية الثانية. في عام 1983 حازت كتب رولد دال المقروءة من قبل الأطفال في جميع أنحاء العالم على جائزة وايت بريد (أو ما يعرف حاليًا بجائزة كوستا للكتاب). من أشهر أعماله "جيمس والدراقة العملاقة"، و"تشارلي ومصنع الشوكولاتة"، و"ماتيلدا"، و"الإصبع السّحري"، و"تشارلي والمصعد الزجاجي الكبير"، و"الساحرات"، و"مستر فوكس الرائع"، و"الصبي: حكايات من الطفولة". بيع من كتبه أكثر من 250 مليون نسخة في جميع أرجاء العالم.

ينحتُ رولد دال قصصه بعبقرية صِرفة لا تخلو من لمسة هزلية، وهي ملَكةٌ قلّة من يحظون بها. وفي أواخر حياته اعتزمَ رولد دال الكتابة عن بواكير عمره الأولى، حيث يتضمن كتاب "الصبي" ذكريات تمتدُ منذ ولادته وحتى بلوغه العشرين من عمره.


من فيلم "تشارلي ومصنع الشوكولاته"

يستذكر الكاتب رولد دال عبر هذه المجموعة القصصية الطريفة أيّامه الموسومة بالمرح والرعب، وبالدعابة والمأساة، وبوطأة الفقد الأول إذ كان صبيا في الثالثة من عمره عندما توفي أبوه وأخته في فترة متقاربة، وبالحنين إلى الموطن، مستوحيًا عنوان كتابه من الرسائل التي كان يخطّها لأمه أسبوعيًا في مدرسته الداخلية الإنجليزية منذ سن التاسعة وحتى نهاية سنوات دراسته، ممهورة كالآتي: "كل الحبّ من الصبي". والتي غدت عادة انتهجها أسبوعيًا إلى حين وفاة أمه، وقد فوجئ بأنها كانت تحتفظ بكل رسائله مطوية بعناية، الأمر الذي خلّفَ انطباعًا عميقًا في نفس الكاتب. وعن الحنين إلى الموطن يقول: "الحنين إلى الموطن أشبه بدوار البحر. لا تعلم مدى فظاعته إلى أن تختبره، وإذّاك يصيبك مباشرة أعلى معدتك وتود أن تموت".

ومع أن هذا الكتاب مصنّفٌ على أنه سيرة ذاتية إلا أن الكاتب رولد دال يصرّ في مُسّتهل كتابه على أنه ليس بسيرة ذاتية من تلك التي يعتمدها الكُتّاب لِسرد تفاصيل مملة عن حياتهم، ومن جهة أخرى، فقد حصلت معه في طفولته الكثير من الأمور التي لم يستطع نسيانها، وهو يؤكد على أنها قصص عادية لولا أثرها العظيم الذي دمغَ حياته بأكملها. "كل قصة من هذه القصص لم تزل محفورة في ذاكرتي حتى بعد انقضاء خمسين أو ستين عامًا عليها في بعض الأحيان، ولم أضطر للتقصّي عن أيّ منها. كل ما توجب عليه فعله هو أن أقشدها عن سطح إدراكي، ومن ثمّ تدوينها". وليس هذا بالشيء المستغرب، إذ أن ذكريات الطفولة هي خطوتكَ الأولى نحوَ العالم؛ الصورة البِكر المُتخيّلة لكل شيء. وهي الدهشة الغضة الطازجة التي يقتات بها قلم الكاتب أبدًا.

ينحتُ رولد دال قصصه بعبقرية صِرفة لا تخلو من لمسة هزلية، وهي ملَكةٌ قلّة من يحظون بها

أي شيء سيقودكَ إلى مثل هذا الكتاب سوى حكايا السرير أو الحرص الأبوي لاقتناء كتاب مثير لطفلك؟ لكنك أنت من سيغرم به، وستضبطَ نفسكَ وقد عدتَ لأيامكَ السالفة حين تبحرُ بين سطوره. وإن للكاتب لغة تُشعِركَ بأنكَ أنتَ من كنتَ على متن القطار، والسفينة، في الرحلة مع العائلة إلى النرويج كل صيف، فيهيج في خاطرك الشعور العذب الذي كان يغمرك حينما كنتَ تقصد مكانك الأثير في أيام طفولتك، وفي مكان آخر تسترجع الفزع الذي كان يعتريكَ على مقاعد الدراسة وتعنيف الكبار، ففي عالم الطفل الكبار كلهم كبار، بغض النظر عن أعمارهم، وكلهم مفزعون. كما هم أساتذة ومشرفو رولد دال في المدرسة الداخلية، إذ كان التعنيف المدرسي سائدًا في تلكَ الحقبة من عشرينيات وثلاثينيات القرن المنصرم. وثمّة إشارة إلى التناقض الذي حيّره في سلوك ناظر المدرسة الذي كان رجلَ دين أيضًا إلا أن معاملته للطلاب كانت منزوعة الرحمة والتسامح مع أنه كان يدعو إليهما، مما دفع بالكاتب- طِفلًا- إلى التساؤل: "هل يعظونَ بشيء ويأتونَ بآخر، أولاء رجال الله؟".

اقرأ/ي أيضًا: الرواية بحسب ميلان كونديرا

في عالم الأطفال تتباين الرؤى والأحلام عن عالم الكبار، يتجلى ذلك في حلم روالد دال بامتلاك دراجة وقيادتها دون أن يمسّ المقود كالصبي، وكان يكبره بأعوام، الذي رآه محلّقًا على أحد المنحدرات. ومن غير ريب، لم تقتصر ذكريات الكاتب على وحشية وانعدام رحمة المعلّمين، فهناك المتفهمون والرفقاء من الكبار، وهناكَ الدعابة والمقالب، والهوايات التي لازمت الكاتب بالإضافة إلى حرفة الكتابة. فيذكر رولد دال في إحدى قصصه كيف استلهمَ كتابه "تشارلي ومصنع الشوكولاته"، والذي حوّلَ إلى فيلم لاحقًا، من خيالاته في ابتكار صنفٍ فريدٍ من الشكولاتة حينما كانت ترسل شركة "كادبوري" هداياها من الشكولاتة للمدارس بهدف استخدام التلاميذ كخبراء لتحديد الصنف المرغوب والأكثر شعبية من الشوكولاته. وكأن الكتاب هنا ليرشدك على المعين الذي استقى منه الكاتب قصصه، والتي ما زالت تلهمُ الصغار وآبائهم على حدٍّ سواء. 


من فيلم "السيد فوكس الرائع"

وعن الكتابة، في كتابه "الصبي" يقول رولد دال: "كان معظم زملائي يرتدون قبعات سوداء كروية قاسية، والبعض مثلي كان يرتدي قبعات ليّنة، ولكن ما من أحد منّا على متن ذلك القطار، عام 1934، كان حاسرَ الرأس. لم تحدث مطلقًا. ولم يُقدِم أحد منّا، ولا حتى في النهارات المشمسة، على الخروج من دون مظلّته الملفوفة. فقد كانت المظلة شارة مكتبنا. كنا نشعر بأننا عراة من دونها. علاوة على ذلك، كانت دلالة أُبّهة واحترام. فالسّمكريون وعمّال الطرق ما كانوا يمضون إلى أشغالهم بالمظلات مطلقًا. لكن رجال الأعمال يفعلون. لقد استمتعتُ بعملي في شركة "شل" للنفط، حقّ الاستمتاع. بدأتُ أدرك كم من الممكن أن تكون الحياة سهلة إذا ما توفّرَ للمرء روتين يومي لاتّباعه وفقَ ساعات محددة ومرتّب ثابت، ودونما ابتداع الكثير من الأفكار. وبالمقارنة مع حياة رجال الأعمال فإن حياة الكاتب جحيم بالمطلق. إذ أنه يتعين على الكاتب أن يرغمَ نفسه على العمل. وعليه أن يختلق ساعات عمله وفي حال أنه لم يقصد مكتبه أبدًا فسوف لن يَزجره أحد. وإذا كان روائيًا سيعيش في عالمٍ ملؤه الخوف. كلّ يوم جديد يتطلب أفكارًا جديدة ومحال أن يمتلك اليقين فيما إذا كان بِمُكنته الإتيان بها أم لا. وساعاتان من كتابة الأدب كفيلتان بأن تتركَ هذا الكاتب مستنفذًا بالكلية. حيثُ أنه خلال تينك الساعتين قد انطلقَ أميالاً بعيدة، كان في حيّزٍ آخر، في مكان مختلف مع أناس مختلفين تمامًا، والجهود المبذولة في السّباحة إيابًا إلى المحيط المعتاد عظيمة جدّا. لا بل إنها تقريبًا صدمة. يخرجُ الكاتب من غرفته وهو دائخ. يبتغي شرابًا. هو في أمسّ الحاجة إليه. وذلك كيما يَمدّ نفسه بِالثقة، والأمل والشّجاعة. وعزاؤه الوحيد الحرية المطلقة. وما من سيّد عليه سوى نفسه، من أجل ذلك، وأنا متأكد، هو مُرتكِبها".

 

اقرأ/ي أيضًا:

تعرف على 5 من كلاسيكيات الرواية العربية

رواية "الحب لم يعد مناسبًا".. الثقة التامة بالصدفة