كتاب

كتاب "العنف: تأملات في وجوهه الستة".. في تثقيف السياسة

سلافوي جيجيك وكتاب العنف

يكتسب العنف عند الفيلسوف والمنظّر الماركسي السلوفيني سلافوي جيجيك أكثر من وجه، حتى ليكاد المرء يحسبه يدعي أن كل شكل من أشكال التواصل أو التفاعل بين الذوات والجماعات عنفًا مسلطًا بشكل أو بآخر. وتشكّل الأيدولوجيا، بمعناها المتجدد المخاتل عند جيجيك العدو الاول للإنسان المعاصر، إذ يؤكد في كل مؤلفاته تقريبًا أن الزعم القائل بأن السرديات الأيديولوجية الكبيرة قد انهارت، وأننا الآن نعيش في عصر ما بعد الأيديولوجيا، إنما هو زعم "أيديولوجي صرف"، وأن الأيديولوجيا تنجح دائمًا في النهوض كالعنقاء من تحت رماد السرديات المنهارة.

عديد من التمظهرات لحظور العنف الأيديولوجي في حياتنا اليومية يمضي جيجيك في تعدادها والتأمل فيها، والتوقف عند كل لحظات التّماس بينها وبين المتلقي ـ المستهلك، الذي يتشرّبها ويتبناها آخذًا إياها كمسلمات شبه لاهوتية في أغلب الاحيان، ورافضًا إياها مُحتمِيًا ومتشبثًا بأفكاره وأيديولوجياته الخاصة التي عادة ما تكون أصنامًا أكثر تحجرًا من أيدولوجيا العولمة والنزعة الاستهلاكية التي يخشاها.

لماذا يجري تصوّر مشكلات كثيرة اليوم أنها مشكلات تعصّب وعدم تسامح، بدلًا من رؤيتها على حقيقتها كمشكلات تفاوت وانهدام مساواة واستغلال وظلم؟

اللافت في الأمر أن الكاتب بتوقفه عند ما أسميناه بلحظات التماس والتلقي، يستعين بزاد مهم وخلفية تحليلية عتيدة من التحليل النفسي الفرويدي والمدرسة اللاكانية (نسبة إلى المحلل النفسي جاك لاكان) والمرجعية الماركسية، التي تمكنه دائمًا من كشف الانفعالات والصدمات والتأثيرات التي تتملك الإنسان الذي يعيش في عصر الأيديولوجيا "السائلة"، إن أردنا أن نستعير مصطلح عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان.

اقرأ/ي أيضًا: خيوط العُنف اللامرئية.. مُقاربة سلافوي جيجك

أمّا أشكال العنف الأخرى، فتتعدد على طول صفحات كتاب "العنف: تأملات في وجوهه الستة" (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017) العنف الرمزي والعنف السماوي وعنف التسامح وغيرها.

ما يهمنا أكثر من غيره في هذا المقال هو جانب من العنف تطرق له جيجيك في الكتاب، وهو ما سماه بعملية "تثقيف السياسة"، والمقصود بها ليس كما يتبادر للذهن، أي جعل ميدان السياسة والسياسيين الناشطين داخله مثقفين ومطّلعين على مختلف العلوم والمعارف التي ينتجها ويساهم فيها نخبة المفكرين، إنما ما يرمي إليه الكاتب هو عملية أيديولوجية دقيقة بقدر ما هي خطيرة ومخاتلة:

تثقيف السياسة هنا لا يعنى به سوى تقديم الفوارق السياسية والتفاوت الاقتصادي بين الدول على أنه اختلاف ثقافي طبيعي لا أكثر، حيث يصوغ تساؤلاته في الفصل الخامس من الكتاب، المعنون "بالتسامح مقولة أيديولوجية":

لماذا يجري تصوّر مشكلات كثيرة اليوم أنها مشكلات تعصّب وعدم تسامح، بدلًا من رؤيتها على حقيقتها كمشكلات تفاوت وانهدام مساواة واستغلال وظلم؟ ما الذي يجعل العلاج المقترح متمثلًا في التسامح بدلًا من التحرير والتحرر والنضال السياسي، بل وحتى الكفاح المسلح؟ تكمن الاجابة المباشرة في العملية الأيديولوجية الأساسية للتعددية الثقافية الليبرالية: عملية "إضفاء صفة الثقافة على السياسة" أو "إلباس السياسة ثوبًا ثقافيًا".

بهذا القول، يذهب المفكر الماركسي المشاغب بعيدًا في شجب وانتقاد الحركات الليبرالية، سواء في أوروبا أو الولايات المتحدة، خاصة سياساتها السويّة سياسيًا Politically correct في التعامل مع مشكلات راهنة كالهجرة والإرهاب الأصولي والبريكسيت البريطاني، محملًا إياهم (أي الليبراليين) المسؤولية وراء صعود الحركات اليمينية من جديد، وتمكنها من الحكم بفضل قوة الدعاية الشعبوية والأفكار العنصرية والمحافظة، حيث عزفت للشعوب على وتر حماية الهوية المسيحية لأوروبا وإيقاف مد المهاجرين، من خلال شعارات  مثل "Make America Great Again" في أمريكا، و"On Est Chez Nous" في فرنسا، وهلم جرًا.

ويتفق جيجيك هنا مع المفكر السياسي صموئيل هنتنغتون بأن السبب الأول لهذه اللعبة التي تنفي الطابع الاستبدادي القمعي للسياسة، عائد إلى مقولة "صدام الحضارات" حيث، عن قصد، تم بعد انتهاء الحرب الباردة استبدال "ستار الأيديولوجيا الحديدي" بـ"ستار الثقافة المخملي" على حسب تعبير هنتنغتون، في إشارة إلى ما كان الفيلسوف الأمريكي فرنسيس فوكوياما قد زعمه، بأن التاريخ قد وصل الى نهايته، إثر انهيار الاتحاد السوفييتي وانتصار الليبرالية الاقتصادية والديمقراطية الغربية، بوصفها أفضل نموذج اجتماعي وصل وسيصل اليه الإنسان.

جيجيك الذي تتهمه الاحزاب والناشطون الليبراليون بالعنصرية، بسبب معارضته بشدة لفكرة فتح الحدود للمهاجرين من العالم الثالث للعبور إلى أوروبا، يبدو لنا ذا نظرة بعيدة ، وصوت صادح يذهب إلى جوهر الأشياء دون أي نوع من التسامح المنافق، فتراه لا يتوانى في أي من كتبه في تعرية الحقائق التي مفادها أن التسامح الغربي ليس سوى غطاء أيديولوجي ـ حتى وإن وُجد أناس يتبنونه ويمارسونه عن حسن نيّة ـ الهدف منه هو طمس مظاهر الاستعمار السياسي المتمثل في الاملاءات العمودية، والاستغلال الاقتصادي عبر الاستثمار غير المتكافئ الربحية، بالإضافة إلى المعاهدات الجائرة التي تستنزف خيرات الدول الفقيرة وإفقارها أكثر، حتى إذا أفلست تلك الدول، بعد عقود، بل قرون من الاستعمار المباشر وغير المباشر والاستنزاف الممنهج لموارده، وفرّت كفاءاته إلى الغرب، ونزع شق من مهمشيه إلى الهجرة غير الشرعية، وشق آخر إلى التعصب والعنف الديني، يخرج علينا أولئك الذين في الجانب الآخر من المعادلة، بنظرياتهم المتسامحة مع الثقافات الأخرى، متناسين أن الاستغلال السياسي الاقتصادي هو السبب الأول في تخلف وانحدار أصحاب تلك الثقافات، الذين صاروا يبحثون عن أي حبل للنجاة من جحيم انتمائهم لثقافاتهم تلك، وفقدانهم أي حس بالانتماء الإيجابي إليها، إذ إن الثقافة تبقى حاضرة في ضل الليبرالية، لكنها حسب جيجيك "حاضرة بوصفها مخصخصة وطريقة حياة، أي جملة معتقدات وممارسات، من دون أن تدخل في الشبكة العامة للمعايير والقواعد. هكذا فإن الثقافة تتعرض حرفيًا لعملية مسخ: تنقلب منظومات العقائد والممارسات نفسها الى نوع من التعبير عن خصوصيات خاصة وشخصية، بعد أن كانت القوة اللاحمة للجماعة".

ان ما يحذر منه جيجيك في هذا القسم من كتابه الهام عن العنف وأنواعه، من شأنه أن يكون لبنة واعدة للمفكرين والباحثين المنتمين الى الثقافات المضطهدة والمنعوتة بالدونية، والعرب من بينهم، من أجل الاشتغال الجاد في سبيل فكر مضاد من شأنه أن يعرّي تناقضات هذا الخطاب المتسامح في شكله، المضطهِد في جوهره، والذي لا تجني منه دول وثقافات ما يسمى بالعالم الثالث سوى مزيد من الاستغلال والعلاقة العمودية مع الآخر الغربي، وذلك عبر تعبيد الطريق لتواصل الاستعمار الذي ضل لقرون يطال أراضيها وخيراتها، مع فارق وحيد هو نقل الاستعمار من وجوده المادي على الأرض، إلى استعمار "ناعم" يسكن العقول ويطمس التاريخ ويشوه العادات ويطوّعها لخدمة أغراضه الاقتصادية النيوليبرالية، عبر فرض اتفاقيات وبروتوكولات غير متكافئة وتصدير نمط حياة استهلاكي، لا يترك جانبًا ثقافيًا تنويريًا، وحسًّا ابتكاريًا لدى شعب ما إلا وشوهه وطوّعه ليدخل في ماكينة السوق والأموال والمضاربات.

التسامح الغربي ليس سوى غطاء أيديولوجي، الهدف منه طمس مظاهر الاستعمار السياسي المتمثل في الإملاءات العمودية

ولنا كمثال على تلك الممارسات، ما يواجهه بلد مثل تونس، بوصفه أحد الأقطار التي نجحت في بلوغ قدر من التغيير بعد الربيع العربي، حيث نلاحظ أن الاحتفاء الغربي بالتجربة التونسية والتسويق لها كمثال للانتفاضة الناجحة المسؤولة، والتصفيق والوقوف احترامًا لها في حرم البرلمانات الأمريكية والأوروبية، لا يقابله في الجانب العملي أي شيء يذكر، حيث تستمر البنوك والدول الغربية إلى اليوم في إثقال كاهل الدولة التونسية بالقروض المتتالية ذات الفوائد العريضة، مرفَقة هنا وهناك بإملاءات اقتصادية وثقافية من قبيل تجميد الانتداب في الوظائف الحكومية، وإلزام شراء السيارات الفرنسية والألمانية وغيرها من السلع، مما يجهض أي مساع نحو اقتصاد تصنيعي، ويدفع نحو استمرار هجرة الأدمغة والكفاءات إلى الغرب الذي يستفيد من عقولهم مجانًا بعد أن تكون الدولة التونسية قد صرفت طائل الأموال في تكوينهم، مقابل تشديد العقبات أمام هجرة اليد العاملة والخريجين والطلبة، سواء كانت هجرة شرعية أم غير شرعية، ما يكشف عن عقلية عنصرية غاية في الاحتقار للآخر، واعتباره دائمًا كائنًا قاصرًا وغير ذي نفع، يصعب دمجه داخل مجتمع حديث متقدم اقتصاديًا وأخلاقيًا، وانتفاء النظر الى هذا الفرد كمواطنٍ واع من العالم   Citizen Of The World قام بافتكاك حريته وحقوقه السياسة ويستحق أن يكون شريكًا قادرًا على الإسهام في التجربة الانسانية واختيار الرقعة الجغرافية التي يرى فيها نفسه نافعًا وذا عمل مثمر، وهم بهذا المنطق المزدوج كأنهم يقولون لك :"مرحى لك ولانتفاضتك، إنه لأمر خلاّق وجريء ما أنجزته، لكن ابق مغتبطًا به هناك، إياك أن تقترب من هذه الحدود".

اقرأ/ي أيضًا: سباتٌ ماركسي

المطلوب من المفكر العربي اليوم أن يمنع الانقياد الأعمى نحو مقولات التسامح الزائفة والرنانة، المدعومة إعلاميًا، وذلك من خلال تقويض هذا النوع من البروباغاندا الليبرالية الجديدة التي تدعي أنها تقع خارج نطاق الايديولوجيات السياسية، بترويجها لمفهوم "ما بعد السياسية" أو "السياسة الحيوية" Bio-Politics التي تنتهج تنصيب حكومات تكنوقراطية (مثل التي تحكم تونس طيلة سنوات ما بعد الانتفاضة) غير متحزبة متكونة من خبراء وكفاءات، بينما هي إيديولوجيّة حتى النخاع، إذ ما يمكن أن نسمّي إغلاق الحدود على المهاجرين بأصنافهم، والحرص على الفصل الصريح بين عالم علوي يملك كل شيء، وآخر سفلي لا يمكن (لا يحق له) أن يملك شيئًا، فضلًا عن سلخ ثقافة الآخر عنه قسرًا والإلقاء بها كقشرة زائدة على قارعة التاريخ وإلباسه أخرى مستوردة تتماشى مع مشروع يجعل من العالم سوقًا واحدة ضخمة، يُضخّ فيها فائض رأس المال المتحكم في كل شيء، ماذا يمكن أن نسمّي ذلك سوى ممارسة سياسية وأيديولوجية في أوضح تجلياتها؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

سلافوي جيجك.. الاستشفاء بجرعة لينينية

بعد عامٍ على رحيله.. استعادة ضرورية لسلامة كيلة