كتاب

كتاب "التغييرات في المنطقة العربية وأثر التطورات الدولية".. خرائط من الغليان

(Getty) ترامب وجمهوره

تشهد بداية العقد الثاني من القرن الحالي تصاعدًا شديدًا في المتغيرات الإقليمية والدولية، من ربيع عربي اجتاح عدة دول، إلى انتشار التيارات الشعوبية، خاصة اليمينة منها في العالم. تغيرات كبيرة في موازين القوى والنفوذ وتدخلات واسعة من بعض القوى القديمة والحديثة، كلها كانت محل دراسة ومناقشات وورش عمل أعدها "منتدى البدائل العربي للدراسات"، صدر عنها كتاب "التغيرات في المنطقة العربية وأثر التطورات الدولية بين تيارات الشعبوية والأصوات البديلة".

خطورة الحالة الثورية التي تمددت بطول العالم العربي كانت تمثل تهديدًا لصورة الحكم في الممالك التي استمرت لعقود طويلة

يرسم الفصل الأول من الكتاب، الذي أعده فريق عمل المنتدى، خريطة لشكل الصراع في المنطقة العربية بعد اندلاع شرارة الثورات نهاية عام 2010، والذي شهد تصاعد لنفوذ وتدخل "معسكر الخليج" بقيادة المملكة العربية السعودية والإمارات في دول الربيع. ويُشير الكتاب إلى أن تمدد هذا النفوذ هو جزء من الصراع الممتد بين المعسكر التقدمي الذي يرفع راية القومية والمعسكر الرجعي وفق بعض الآراء، مُلمحًا إلى التحول الجوهري في الموقع المصري من قيادة المحور الأول إلى مشارك في المحور الثاني.

اقرأ/ي أيضًا: باختصار.. ما هي الشعبوية؟

في القلب من هذا الصراع كانت التدخلات الدولية في المنطقة وتنازع النفوذ بين الكتلة الشرقية والغربية عاملًا جوهريًا، والذي امتد أثر التغير فيه على المنطقة بصعود موجة اليمين واليمين المتطرف في العالم كحالة وصول دونالد ترامب لرئاسة الولايات المتحدة، بالإضافة إلى محورية القضية الفلسطينية والعلاقات مع إسرائيل فيه، كما أن خطورة الحالة الثورية التي تمددت بطول العالم العربي كانت تمثل تهديدًا لصورة الحكم في الممالك التي استمرت لعقود طويلة، وكان لهذا السبب دور في الموقف من الثورات، بجانب دخول قوى غير عربية على خط الصراع مثل إيران وتركيا وإسرائيل، بجانب تغير كبير في التكوين الهيكلي لقطاعات كبيرة من شباب الدول نتيجة ثورة الإنترنت.

يركز الفصل على أثر صعود اليمين المتطرف في مناطق عدة من العالم على المنطقة العربية، راصدًا العديد من الحالات مثل إيطاليا وفرنسا وبريطانيا والسويد والولايات المتحدة، وأثر الخطاب اليميني المتطرف على قضايا ذات صلة وثيقة بالمنطقة مثل ملف الهجرة وصعود الخطاب العنصري ضد المهاجرين، ومعاداة منظمات المجتمع المدني وتراجع ملف الحريات والديمقراطية لحساب قضايا أخرى مثل الحرب على الإرهاب، وصعود قيادات من خارج الأُطر السياسية التقليدية، وهو ما قابله صعود آخر لأصوات بديلة تمثلت في أحزاب ومجموعات وشخصيات يسارية مثل جيرمي كوربن في بريطانيا وبيرني ساندرز في الولايات المتحدة.

أما الفصل الثاني، والذي أعده الباحث والمؤرخ فواز طرابلسي، فقد استعرض خلاله دحضًا لما أسماه نظرية المؤامرة التي تحتل موقعًا كبيرًا في الذهنية العربية تجاه القوى الغربية، استنادًا إلى كتابه الصادر حديثًا "سايكس-بيكو –بلفور: ما وراء الخرائط"، حيث يشرح الباحث وجهة نظره فيما أسماه "صنمية خرائطية" تُسيطر على جزء كبير من التفكير العربي تؤمن بأن المشروع الغربي للمنطقة العربية يتمحور حول تقسيم وتفتيت هذه المنطقة، والتي ترتكز بشكل أساسي على اتفاقية سايكس –بيكو عام 1916 لتقسيم الدولة العثمانية، تعهد مكاماهون (بين المعتمد البريطاني في مصر هنري مكاماهون والحسين بن عليّ شريف مكة) ووعد بلفور عام 1917 بتأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين.

ويرى الباحث أن نظرية "فرق تسُد" التي تحكم هذا التصور الممتد حتى يومنا الحالي في كثير من الأزمات وحكم الكثيرين على أحداث المنطقة –مثل الربيع العربي –تستند لهذه النظرية وتُشير إلى التآمر الغربي على المنطقة العربية ليست دقيقة ولا وحيدة وأحيانًا ليست صحيحة، فغالبية الأحداث التي تمت في المنطقة كانت بشراكة وتنفيذ أيادي عربية ضاربًا المثل باعتراف فيصل بن الحسين قائد الثورة العربية بوعد بلفور وترحيبه بالهجرة اليهودية إلى فلسطين، والتسليم بفصل فلسطين عن سائر سوريا، والمسؤولية العربية المباشرة على فشل مشاريع الوحدة مثل وحدة مصر وسوريا، ومصر وسوريا والعراق، أو مصر وليبيا والسودان وآثارها الكارثية، بالإضافة إلى تغير شكل التعامل والمبدأ نفسه –فرق تسد – كما حدث في اليمن الذي تم توحيده شطريه الشمالي الجنوبي بمباركة أمريكية، أو حتى انقلاب المبدأ نفسه مثل حالة العراق الذي احتلته الولايات المتحدة وشاع مخطط أنها تريد تقسيمه في الوقت الذي تُسيطر عليه بالأساس، لذا فإن مشاريع القوى الغربية تجاه المنطقة محكومة بكيفية تحقيق مصالحها فقط، والذي تتغير أساليبه بتغير الحالة والموقف، والذي خلُص إليه الباحث في فصله.

أما وسام سعادة، الباحث والأكاديمي، فيحاول في فصله شرح وتوضيح معنى واصل ما يُشار إليه بتيارات اليمين المتطرف والسياق التاريخي لمسميات اليمين واليسار والتغير الذي طرأ على هذه المسميات خلال الفترة الزمنية الممتدة منذ مطلع الثورة الفرنسية حتى الآن، وكذلك توضيح نشأة وتطور التيارات السياسية في المنطقة العربية، بجانب محاولة التمييز بين هذه التيارات وفق انحيازاتها وتوضيح آليات ومراحل تبلور ومسؤولية هذه التيارات في المنطقة.

أما الفصل الرابع فقد خصّصه الباحث جورج فهمي للإجابة على سؤال "كيف صعد اليمين العربي بعد 2011 رغم خطاب دول الربيع المطالب بالحقوق السياسية والاجتماعية؟"، ويرى أن إجابته تتمحور حول ثلاث أسباب هي: ضعف مؤسسات الدول العربية الذي ساعد في صعود الخطاب اليميني للحفاظ عليها، خيارات الفاعلين السياسيين خلال المراحل الانتقالية، خاصة القوى اليسارية التي فشلت في تغيير أسلوب وشكل تراثها التنظيمي أو إيجاد مشروع سياسي بديل، والعوامل الإقليمية المحيطة بالتجربة مثل صعود تنظيم الدولة الإسلامية وصعود اليمين الشعبوي في العالم.

"صنمية خرائطية" تُسيطر على جزء كبير من التفكير العربي، تؤمن بأن المشروع الغربي للمنطقة العربية يتمحور حول تقسيم وتفتيت هذه المنطقة

وفي الفصل الخامس، يحاول جينارو جيرفازيو، المحاضر والباحث بجامعة روما تري، رصد ظهور اليمين الجديد في أوروبا وأثره على المنطقة العربية. حيث يتناول رصده تصاعد القوى اليمينية في إيطاليا بشكل خاص، مع الإشارة لمثيلاتها في ألمانيا، هولندا، بولندا بلجيكا، النمسا والمملكة المتحدة، وهو ما ظهر جليًا في انتخابات الاتحاد الأوروبي وعلاقة ذلك بالمنطقة العربية، خاصة الصراع العربي الإسرائيلي، والموقف من الثورات العربية وملفات الهجرة والحرب على الإرهاب.

اقرأ/ي أيضًا: عزمي بشارة وكتاب "في الإجابة عن سؤال: ما الشعبوية؟".. الديمقراطية في خطر

في الفصل الأخير يتناول الباحث والكاتب وائل جمال المشاريع المضادة لليمين الشعبوي في العالم متتبعًا التحركات ضد العولمة الرأسمالية والانتفاضات الشعبية في أمريكا اللاتينية التي وصل بعضها لمقاعد الحكم، وأثر الانتفاضات الشعبية العربية على الحراك العالمي ضد النيوليبرالية وظهور تجارب يسارية بارزة مثل سيريزا في اليونان وبوديموس في إسبانيا وشخصيات مثل جيرمي كوربن في إنجلترا وبرني ساندرز في الولايات المتحدة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

كريم مروة: ثورات الربيع العربي بوصلة نحو المستقبل

كيف جرت عملية إجهاض الربيع العربي؟