كتاب

كتاب "إشكالية الدولة والطائفة والمنهج": ترميمُ الذاكرةِ في دولةِ المؤرخين

كتاب "إشكالية الدولة والطائفة والمنهج في كتابات تاريخية لبنانية: من لبنان الملجأ إلى بيوت العناكب"

فلسفة الكتاب

يعتبر كتاب "إشكالية الدولة والطائفة والمنهج في كتابات تاريخية لبنانية: من لبنان الملجأ إلى بيوت العناكب" (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014) للمؤرخ اللبناني وجيه كوثراني أحد أهم المدوّنات المنهجية في الكتابة التاريخية، قسمه إلى قسمين أولهما عملية معاجلة للكتابة التاريخية المؤدلجة لأمثلة تاريخية من النموذج اللبناني والثاني مناقشة نموذج معاصر لهذه الكتابات التاريخية المتمثّلة بالمؤرخ كمال الصليبي.  

في كتاب "إشكالية الدولة والطائفة والمنهج في كتابات تاريخية لبنانية"، يقوم القسم الأول بترميم الذاكرة التاريخية، والثاني بتصويب المسيرة السياسية المبنية على تلك الذاكرة

يقع الكتيّب المركّز في 100 صفحة، والقسم الأول منه هو جزء من كتاب سابق لكوثراني "الذاكرة والتاريخ في القرن العشرين الطويل" (دار الطليعة، 2000)، قام بتجديد هذا الاقتطاع بوصله مع القسم الثاني بحيث يروم تجديد فكرة تقديم النقد للكتابة التاريخية التي تحوم حول بنية الذاكرة اللبنانية وترسم أسطورتها في أواخر العهد العثماني، وأنّها قد تلحقنا إلى التاريخ المعاصر (القرن العشرين) وليس فقط يمكن أن تقف عند حدود التاريخ الحديث (القرن التاسع عشر ومطلع العشرين).

اقرأ/ي أيضًا: كتاب "بلاد الشام في مطلع القرن العشرين".. تشريح المكان والتاريخ

نعم يستلزم من المؤرخ القدير مثل هذا الفعل في زماننا، حيث إن تطوير فكرة نقد التأريخ يجب أن تستمر دونما توقفٍ، بحيث إن خطورة الكتابة غير المنهجية ليس فقط يأتي عند تكوين أدلوجة الدولة الحديثة، بل يمكن أن يلحقها في أطورها المتجددة التالية.

هدف آخر يمكن استنتاجه من هذه المدونة التي يصدق فيها قول "ما قلّ ودلّ"، وهو أن كوثراني يريد ليس فقط نقد الذاكرة العشوائية في التأريخ، وإنما كذلك عملية نقد تلك الذاكرة في لحاقها للعملية السياسية والممارسات التي تقيمها الدولة الحديثة في زماننا المعيش، أي أن القسم الأول من الكتاب يرمم الذاكرة التاريخية، والثاني يقوم بتصويب المسيرة السياسية المبنية على تلك الذاكرة.

تآكل التاريخ في اتجاهات لبنانية حديثة

يستحضر القسم الأول من الكتاب نمطين من الكتابة التاريخية يقدّم النقد لهما، النمط الأول هو الكاتب الماروني "الباحث عن أحقيّة سياسية"، والمسلم السنّي "المطالبة بالمشاركة" والدرزي "الانتماء القومي العربي"، والمشترك بينهم هو بناء "أدلوجة للدولة الحديثة" واستقاء الأمثولات المتعددة من تاريخ "لبنان المتخيّل" بينما الثاني هو نمط المسلم الشيعي الذي يقوم بنوع من "الممانعة الثقافية" ويمارس ذات الدور الذي لا يخلو من المفارقة التاريخية Anachronisme.

كان بين هذه الأنماط نقاط مشتركة وأخرى مفترقة، فالمشترك الأيديولوجي هو معضلة الإسقاط والاستجلاب وطبيعة هذه الإيديولوجيا، وأما المفترق فهو وقوف الماروني والسنّي والدرزي في صفّ بناء الدولة المتخيّلة بينما الشيعي في المعارضة والمواجهة بحيث لم يكن له في القدوات المتخيلة لأقرانه اللبنانيين اعتبار إلا متأخرًا.

تنوّعت الأدلجة الإسقاطية المشتركة بين تلك الأنماط في طبائعها بين إهمال تاريخ وجود الطوائف الأخرى في لبنان والتركيز على تأريخ الطائفة ذات العلاقة، وكذا تجاهل تقييد التاريخ في محله وبيئته واستغلاله في الحاضر، ترسيم حدود الدولة "اللبنانية" المتخيلة، وتشييد الصراعات من التاريخ الذهني بين "الأنا اللبناني" والآخر في المحيطين الإقليميّ والدوليّ.

يُجلب الأمير فخر الدين المعني الثاني بزمانه من القرنين السادس عشر والسابع عشر إلى تشكّلات القرن التاسع عشر والعشرين لتتم "أسطرته" كبطل قومي

في المقابل لكلٍ من تلك الاسقاطات مستجلباتها من التاريخ على ضروب؛ هي تنازع الشخصيات والفتوحات وحدود العصبيات والأحداث الماضية، يعني أن مثالًا يستحضره كوثراني هو الأمير فخر الدين المعني الثاني (ت 1635) يُجلب بزمانه من القرنين السادس عشر والسابع عشر إلى تشكّلات القرن التاسع عشر والعشرين لتتم "أسطرته" كبطل قومي: شخصيته وصراعاته وأحداث وحدود إمارته، وتتنازعه الوجهات المارونية والسنيّة والدرزية.

اقرأ/ي أيضًا: كتاب "مختارات سياسية من مجلّة المنار لرشيد رضا".. أفكار مبكرة في الإصلاح

المارونية يستجلبون المدونات الواردة في عدم تديّنه وزندقته، والسنّية لكونه صاحب الإيمان والفضل والصلاة، والدروز على أصله وبيئته التي ولد فيها.

كانت طبيعة الأدلجة هي تلك الناتجة من استجلاب المؤرخين الماضي وإسقاطه على الحاضر، تتشاكل بين السلطة والأرض، فعلى من كانت سلطة الأمير، وكيف كان يفرض تغلّبه؟ وما هي بيئة الأرض التي يستملكها برجاله وعتاده ويصنع فيها دولته المصغّرة، العصبية التابعة وتلك المستتبعة؟ هكذا كانت مسارات اشتغال نماذج مؤرخي مقتبل القرن العشرين الذين ذكرهم كوثراني في صناعتهم لنمط استرجاعي لأصل الدولة المتخيّلة.

بينما كان داعي افتراق أصحاب النمط الأول، المؤرخ الماروني والدرزي والسنّي عن ذاك الشيعيّ هو مشكلة التهميش لكون الشيعة بالعموم لم يحوزوا كينونتهم كمِلّة من الملل العثمانية وإنما كانوا مستتبعين نظريًا للملة المسلمة، وعلى نطاق عملي كانوا يعيشون نوعًا من التهميش، لذلك كانت مستمدات الاستجلاب والاسقاط بالنسبة للمؤرخ الشيعي مبنية على نوع من اليسارية، كما يُفهم من نصّ كوثراني، التي يوضّحها ذات بنية مدرسية ثورية تبحث عن إثبات الذات.

بنيتها المدرسية كانت متمثّلة بالدرجة الأولى في النقد الفقهي، ثم استجلاب الثورة على الفكر السائد، وأيضًا النظر في بِنى أكثر تعمّقًا من تلك المصادر التي استمد مؤرخو النمط الأول أدلوجتهم، ضمن العصبيات والتغلب، ومع ذلك لم ينجُ المؤرخ الشيعي من الأدلجة فكان ضمن القسم الأول من الكتيّب بالتأكيد، يعني أن مؤرخي النمط الأول الثلاثة "مؤدلجون بمشاريع سياسية راهنة" والمؤرخ الشيعي هو "المؤرخ الهامشي الطرفي".

مراحل اضطراب الكتابة التاريخية

مرّت هذه المراحل في ثلاثة أطوار، التدوين الإخباري الذي عاش زمانه ويذكر كوثراني أمثلة غزيرة على كُتّاب الحوليات والسجلات الإخبارية في عهد الدولة العثمانية الكلاسيكي، بالخصوص القرن الذي عاش فيه الأمير المعنيّ، والذي شكّل الوقود القومي للطورين التاليين. ثم طور أدلجة "ما قبل الدولة الحديثة" (قبل 1920) فَطَور تحقيق الدولة (بعد ذلك التاريخ)، والاصطدام بين "المتخيل" المتعدد والواقع الاستعماري.

في الطور الثاني اشتغلت مكنة السبْك الأيديولوجي الماروني والسنّي والدرزي، حيث اعتمدوا على مخزون الذاكرة من الطور الأول، بينما تأخر المؤرخ الشيعي ليسبك أدلوجته في الطور الثالث، ويستمدها من ذاكرة الطور الثاني.

منبع المشكلة في فهم التصور التاريخي اللبناني

كانت المشكلة لكل تلك الصياغات بالجملة هي عدم وعي معنى الدولة المتخيّلة في القرون السابقة، كما وعدم وجود فهم واضح للدولة المنشودة، وليس آخرًا المعيشة في حالة الانتقال من الدولة السلطانية نحو الحديثة، فكانت تلك الكتابات قد وقعت في معمان هذه الفروقات المهمّة وتفاصيلها، قد لا يأتي كوثراني على محاسبة هذه الاتجاهات في التأريخ، لكون ذلك قد يُوقع بالمفارقة التاريخية، ولكن على الأقل كان توصيف المشكلة مفهومًا.

بعد أن يشخّص وجيه كوثراني مشكلة التأريخ اللبناني المبكر، يأتي ليحدد لنا ببساطة أن لكل زمان مشاكله في تدوين التاريخ، وأننا يجب أن نتيقّظ لمثل هذه المشاكل

منبع آخر هو مشكلة الوعي القومي، فكما هو معلوم كانت اتجاهات العمل السياسي بألوان التفرّق الطائفي، سواء على صعيد طوائف المجتمع أو طوائف الاستتباع السياسي، كان الوعي القومي يشكّل هذه الطبيعة المركبة المُربِكة. فالذي لم يغب عن تلك التصوّرات الأربع هو التمدّد القوميّ في الكتابة التاريخية، الذي اتّخذ أشكالًا متنوعة يقطع ويتقاطع بعضها مع بعض، تماهيات التاريخ القديم: الفرعونية الفينيقية الآشورية، مع التاريخ الحديث: قومية "الجماعة والوحدة المجتمعية الجغرافية والثقافية اللغوية أو تلك الحضارة العالمية" ونتاجاتها المختلطة بالدين بمذاهبه المتنوعة الظاهرية والباطنية، بالتأكيد كتيب كوثراني هذا يأتي بمجموعة من المؤرخين كأمثلة على هذه الاتجاهات اللبنانية.

اقرأ/ي أيضًا: انتفاضة لبنان.. والطريق نحو التأسيس لتاريخ "لبناني" نظيف

معضلة أخرى هي تلك القراءات السطحية والمتخيّرة لحيثيات المصطلح التاريخي والفيلولوجيا كغياب التفريق بين نوعيّ الإقطاع العثماني (التيمار والالتزام) والأوروبيّ (القنانة)، وهيمنة أدلجة تفسير ألفاظ مبالغة تخلط في مصطلحات نظام الإقطاع العثماني بين كلمتيّ "الأميري" و"الميري" عند "توفيق توما" على سبيل المثال؛ ذلك من أجل تقعيد خصوصية للبنان المتخيّل يُؤسس للبنان الدولة.

ما هو اعتراض كوثراني على الصليبي؟

بعد أن يشخّص كوثراني مشكلة التأريخ اللبناني المبكر، يأتي ليحدد لنا ببساطة أن لكل زمان مشاكله في تدوين التاريخ، وأننا يجب أن نتيقّظ لمثل هذه المشاكل، يعني القيام بعملية نقد وتنفيل دوريّة للذات، فهو بعد أن يقرر حذاقة الصليبي في مجاله يبين أن ثم عُرف عام نتج لدى بيئة المؤرخين الأمريكية، بنى الاعتداد بالنفس وأثّره بشكل أو بآخر على التأريخ ليتّخذ المؤرخ الخبير الصليبي مثالًا على ذلك.

وجيه كوثراني الذي يعتبر من أهمّ مُعرّبي مدرسة الحوليات الفرنسية، يأتي ليقول لنا أن هذه المدرسة كانت مهمّتها إعادة إحياء التأريخ الحديث، يعني القطع مع المدرسة الوضعانية في تدوين التاريخ، وأن كمال الصليبي كان أبرز من فسّر نقده لاسترجاع مؤرخي مطلع القرن العشرين المذكورين آنفًا لشخصيات مثل الأمير المعنيّ تحت إطار هذه الطبيعة الوضعانية.

تلك الطبيعة التي تنطلق مع الترسيم الوثائقي للبحث التاريخي، والتي تبعت طبيعة هذا الترسيم، يعني الاكتفاء بتقديم النقد الداخلي والخارجي لروايات مؤرخي لبنان الأوائل، دونما الالتفات إلى الحلّ الذي قدمته مدرسة الحوليات لمعضلة تضخّم الوثيقة ونقصها قبالة البحث التاريخي، وعلى مقدمتها المؤرخ الفرنسي، فرناند بروديل، أي تقديم الإطار المفاهيمي الفلسفي الحديث الذي أتت به مدرسة الحوليات، ويجمل كوثراني تعريفًا له في كتيّبه هذا.

عندها ما هو أثر طرح الصليبي التأريخي على الواقع؟ يضيف كوثراني أنّه لا يكتف بنقد طبيعة التأريخ لدى الصليبي، والتي هي ليست إلا مسيرة واجبة على عاتق أي مؤرخ، ولكن ينتقل إلى حلّ المشكلة الطائفية الذي قدّمه الصليبي، بحيث أنّه كما اكتفى بالطرح الوضعاني، قام بالاكتفاء باعتبار أن الدولة اللبنانية تأسست وما عاد من اللزوم الرجوع لعمليات إنتاج الذاكرة من القرون الكلاسيكية للدولة العثمانية؛ أي ليخلِ كل "اللبنانيين" (منازل) العنكبوت الطائفية من أجل الوصول إلى (البيت) الجامع، إشارة لكتابه "بيت بمنازل كثيرة".

مشكلة الصليبي لا تتوقف إلى هذا الحدّ، ولكنها أيضًا غير واضحة المعالم، ولعلّكم فهمتم هنا الرابط بين الكتابات في القسم الأول من الكتيب، وقراءة الصليبي الأخيرة، فالأوائل كانوا أصحاب نظرة ضبابية للدولة وحدودها، بينما الصليبي لم يُعرف إلى من وجّه خطابه، كما يشير كوثراني، هل إلى المواطن اللبناني أم إلى الطائفة المجتمعية أم تلك السياسية أم إلى من؟

مسيرة "نقد النقد" هذه التي يقدّمها وجيه كوثراني للباحثين غاية في الأهمية في كتابه "إشكالية الدولة والطائفة والمنهج" الذي يصحّ عليه تسمية "المنهج المفتاح"

ما يريده كوثراني أن الإحالة التاريخية والتوغّل بها يؤدي إلى الكثير من تفتّق الخطابات المتضاربة في المجتمع وأنّه لا بد من عملية علمنة السياسية التي تنهي المشكلة الأساسية في الواقع اللبناني، مثلًا، ومصدرها "سياسات الحاضر [التي] هي الفاعل الأول في سياسات العلم والثقافة والبحث والتربية والتثقيف، وفي التأسيس لبيئة علمية حاضنة ومشجعة لإعادة النظر في التاريخ"، يعني يحاول كوثراني قلب العملية الفكرية المتخيّلة تمامًا، ونفهم أن الصليبي لم يبتعد كثيرًا في حلّه عن أولئك المؤرخين أعلاه.

إشكالية المنهج في عصرنا

مسيرة "نقد النقد" هذه التي يقدّمها وجيه كوثراني للباحثين غاية في الأهمية، في هذا الكتيب الذي يصحّ عليه تسمية "المنهج المفتاح"، العديد من الأفكار التي تُثوّر البحث التاريخي الرصين، قد لا أتمكّن من فرشها جملة على الساحة، ولكنني حاولت تقديم أبرز معضلات البحث التاريخي في عمل كوثراني ها هنا، أدلجة التاريخ بكافّة أشكاله القومي والديني والشعبوي وما بعد الكولونيالي، وإطلاق الأحكام والقطع بالوصول إلى النتائج، كلها مشاكل مزمنة ما زالت تعيش بين ظهرانينا واجبة الانتباه والمعالجة.

اقرأ/ي أيضًا: حزب الله ومسألة الدولة المدنية وولاية الفقيه والطائفية السياسية

لذلك فإننا كما لاحظنا قضية النقد غير المتوقّفة التي يسعى لبيانها كوثراني هي تصبّ في تقديم "العبرة" من وجهتها الأقرب للصواب، ابتداءً من "اتجاهات الكتابة التاريخية اللبنانية المعاصرة في تناولها العهد العثماني"، وحتى يومنا المعيش وبتعميمه على أقاليم ومستويات بحثية أخرى.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مختارات سياسية من مجلة "المنار" لرشيد رضا: الفقيهُ المُبَرِّر والشيخُ الحائر

الازدواجية اللغوية والعلاقة بين الشفوية والكتابة التاريخية عند العرب