09-مايو-2018

كارلوس ليسكانو

"أن تكتب يعني أن تكون جالسًا، بلا حراك، في قلب الهيجان المطلق"، هذا ما يَقوله كارلوس ليسكانو في كتابه "الكاتب والآخر". فليسكانو وهو الأديب والكاتب من الأوروغواي يأتي في كتابه هذا بحمولة نظرية ضخمة حول الكتابة بما هيَ فِعلُ خلقٍ وابتكار مرتبط أساسًا بابتكار آخر يسبقه أي ابتكار الكاتب الذي يقوم به ويضطلع بمهمته.

الإنسان –بناءً على آراء كارلوس ليسكانو- ما أن يبتكر الكاتب الذي فيه حتى يبدأ هذا الأخير باستيطانه ويُصبح هو المحور الذي يدور حوله آخَرَه

فربّما لو تأمّلنا العبارة التي أوردناها في الفقرة السابقة ثمّ سألنا كارلوس ليسكانو، وأيّ هيجان؟ لأجابنا أنّه الهيجان الذي يسبق الابتكار، ليس ابتكار الكتابة –بالطبع- بل ابتكار الكاتب، فبحسب كارلوس ليسكانو فإنّ هناك داخل كلّ كاتب آخر كان يُمكن أن يكونه، لكنه لم يكنه لأنّه استطاع أن يبتكرَ نفسه، أيْ الكاتب الذي فيه.

اقرأ/ي أيضًا: أوكتافيو باث.. مغامرة الشاعر

وبحسب كارلوس ليسكانو فإنّ هذا الآخر يبقى كامنًا في الكاتب بعد أن يبتكر نفسه ويَعرفَ صفته الكتابية، يبقى كامنًا فيه كصفة متنحية، وكشخصية ثانوية تُجاور صفة الكاتب الأصلية وشخصيته الأساسية.

فالإنسان –بناءً على آراء كارلوس ليسكانو- ما أن يبتكر الكاتب الذي فيه حتى يبدأ هذا الأخير باستيطانه ويُصبح هو المحور الذي يدور حوله آخَرَه، هذا الآخر الذي يُمثّل الجزء اللاكاتب من الإنسان، الجزء العادي الذي يُقابل فيه الناس ويعيشُ بينهم ويتحدّث مهم. يقول ليسكانو: "كلّ كاتب ابتكار، ثمة فرد واحد، وذات يوم يبتكر كاتبًا ويُصبح خادمًا له". ويُضيف أيضًا: "الكاتب دومًا اثنان: ذلك الذي يشتري الخبز، والبرتقال، ويُجري الاتصال الهاتفيّ، ويذهب إلى عملِه، ويدفع فاتورة الماء والكهرباء، ويُحيّي الجيران؛ والآخر، ذلك الذي يُكرّس نفسه للكتابة. الأوّل يسهر على حياة المبتَكَر العبثية والانعزالية. إنّها خدمة يؤديها بكلّ سرور، لكنّه سرور ظاهري فقط؛ لأنّ التوق إلى الاندماج يظلّ موجودًا. فأن تكون اثنين ليس أسهل من أن تكون واحدًا".

قد تبدو عبارات كارلوس ليسكانو السابقة موغلة في التطرّف، وقد تَظهر وكأنّها تُساهم في تأسيس حالة من الفصام بين الكاتب وآخره (بحسب تعبيره)، لكنّ يُمكن فهم سبب التطرّف هذا إذا ما عرفنا الظروف القاسية التي عايشها وأدت به إلى ابتكار الكاتب الذي فيه، فقد كان كارلوس ليسكانو عسكريًا وعضوًا في حركة التوبمارو المعارضة للحكم العسكري القمعي الديكتاتوري، وهو ما أدى إلى اعتقاله من قبل سُلطات الأوروغواي سنة 1971؛ حيثُ حكم عليه بالسجن وهو في الثانية والعشرين من عمره، وأمضى فيه ثلاث عشرة سنة تعرَض خلالها لأنواع رهيبة من التنكيل والتعذيب، إلا أن معنوياته كانت أقوى من كلّ أصناف التنكيل والتعذيب التي كان يتعرّض لها.

كانت سنوات السجن هي السنوات التي ساهمت في ابتكار الكاتب داخل كارلوس ليسكانو، حيثُ كان يلجأ إلى الكتابة للتخفيف من حدة العذابات التي يُلاقيها. يقول كارلوس ليسكانو: "أعتقد أنّ ما حال بيني وبين الغرق في اليأس هو أنّني أدركت حالتي وأدركتُ حقيقة أني أملك شخصية عليّ أن أغذّيها: الكاتب الذي ابتكرته في السجن. كرّستُ نفسي من أجله، لقد كان في ذلك خلاصي حتى إن بدا مفرطًا وسخيفًا قول ذلك، إلا أنّ ابتكاري لهذا الصوت أنقذني... ولكن، ممّ أنقذني؟ من أنّني لم أكن أنا، ومن أنّني لم أترك لنفسي أن أكون ذلك الذي كان ينبغي أن أكونه بالضرورة؛ والذي وُلِدتُ من أجله، أيّ شيءٍ كان يُمكن أن أكون لو لم أبدأ بالكتابة؟".

بعد أن بدأ كارلوس ليسكانو عملية الكتابة بات ينفي أي تواجد له كإنسان خارجها

مكث كارلوس ليسكانو ثلاث عشرة سنة في السجن، ثمّ خرج منه ولجأ إلى السويد، حيثُ استأنفَ فيها الكتابة التي بدأها في السجن، فأخذ يكتب ويؤلّف ويُشارك قراءه كلّ ما كان يدور في ذهنه إبان سنوات سجنه.

اقرأ/ي أيضًا: زينة هاشم بيك.. الإرهاب الجميل للشعر

لم تكن علاقة كارلوس ليسكانو بالكتابة علاقة عادية أبدًا، فهو كان يعتقد باستحقاقه صفة الكاتب حتى قبل أن يبدأ بالكتابة، وقد كان شعوره باستحقاقه هذا نابعًا من شيء يُشبه الاعتقاد والإيمان بأهليته بنيل صفة الكاتب وأحقيته فيها. يقول ليسكانو: "الشعور بكونك كاتبًا قبل أن تكون قد كتبت أيّ شيء هو غرور لا يستند إلى الواقع أو التاريخ الشخصي. لكني أرى اليوم أنّه دون هذا الاعتقاد الذي لا دليل عليه لا يُصبح المرء كاتبًا. إنّه قرار، وإيمان؛ وفعل جذري إلى درجة أن بوسعنا القول مثل المتدينين، أنّ مجرد امتلاك الإيمان هو شكل من أشكال الخلاص".

وبعد أن بدأ كارلوس ليسكانو عملية الكتابة والنشر بدا مُستغرقًا فيها إلى الحدّ الذي لجأ فيه إلى نفي أي تواجد له خارجها، حيثُ كان يُمارسها ليروي لنفسه حياة أخرى غير التي يحياها، لأنّ تلكَ التي يحياها لا تروقه. يقول ليسكانو: "الأدب اليوم هو الواقع، إذ لا أستطيع أن أفعل شيئًا آخر سوى الكتابة. بطريقة أو بأخرى، أنا أحيا من أجل أن أكتب، فالقضية ليست عجزي عن هجر الكتابة، وإنّما لا أملك شيئًا آخر أتعلّق به. إن أنا حذفت الساعات التي أمضيها في الكتابة، وفي التفكير فيما عليّ أن أكتبه، وفي تدوين ملاحظات من أجل الكتابة، إن طرحت هذه الساعات فإنّه وبدون مبالغة، لن يبقى أي شيء في حياتي، أي شيء على الإطلاق".

ويُورد كارلوس ليسكانو كذلك: "إن أنا حذفتُ ذلك الانطباع القديم عن رغبتي... في أن أصير كاتبًا، وما أنجزته من قراءات في سبيل ذلك، والساعات التي انقضت في الكتابة والتأمّل حول فعل الكتابة، وما كتبته، فلن يبق مني عندها أيّ شيء. ولكن هذا الأمر نفسه الذي يجعلني أشعر بخواء حياتي وبطلانها يتحوّل إلى برهان يتعذّر دحضه. إنْ حذفتُ كلّ ما له علاقة بفعل الكتابة والمكتوب لا أعود موجودًا، وهذا يعني أنني كاتب. إنّه قياس الخلف. إنّه البرهان الذي لا يُبرهِن شيئًا، ويتركني حيث بدأت، مع الأسئلة ذاتها: لماذا ولأيّ هدف؟".

كارلوس ليسكانو: إن حذفت الساعات التي أمضيها في الكتابة، وفي التفكير فيما عليّ أن أكتبه، لن يبقى أي شيء في حياتي، أي شيء

إذًا، وإذا كانت الظروف القاسية التي عايشها كارلوس ليسكانو في السجن هي التي أدت إلى ابتكار الكاتب داخله وإلى تعاطيه معه بهذا المنطق المتطرّف الذي يجعل منه محور حياته وينفي أي تواجد له خارجه، بل ويجعل أي شكل تواجد ممكن له خارجه لخدمته وفي سبيله، إلا أنّه لا يُمكن اعتبار تلك الظروف القاسية هي السبب الأوّل وراء هذا التعاطي الراديكالي مع مسألة الكتابة، فعشق الكتابة والولع بالصفة الكتابية لهما دورهما الكبير في توليد شكلِ هذا التعاطي، هذا العشق الذي يجعل من الكتابة بالنسبة للكاتب حلقة متّصلة دائمًا، بحيث يكون ضجره منها هو بمثابة عودة إليها، وهجرانه لها بمثابة وصلها من جديد، إنّ الكاتب بعرفُ ضجره من الكتابة في حالات فراغه من مواضيعها، وحده هذا الفراغ من يملؤه بالضجر والملل والغثيان، وبُجبره على الابتعاد عنها قليلًا؛ بمقدار خطوة أو أقلّ، فبعد هذه الخطوة لا مكان له إلا للتراجع، ولا خيار له إلا للرجوع، إنّ الكتابة بعد هذه الخطوة تتحفّز وتُحفّز داخلها أسلوبها بالغواية، تُذكّره بأنّها رأسُ موضوعها وأسّها وأساسه، وتدفعه دفعًا إلى الكتابة عنها والعودة إليها.

اقرأ/ي أيضًا: آلان دو بوتون في "قلق السعي إلى المكانة": كن مستقلًا وحسب

أخيرًا، وضمن سياق الحديث السابق، فإنني أكادُ أجزم بأنّه لو قام أحدٌ ما بإزاحة الستار عن كواليس ما في رأس كارلوس ليسكانو عندما كتب كتابه "الكاتب والآخر" لما عَثَر هناك إلا على الكتابة تقفُ بقامتها المنتصبة، تُقهقه بصوتٍ عال وما يحيط بها إلا الفراغ.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أليس غاثري: الأدب العربي بالإنجليزية محكوم بعقلية الرجل الأبيض

موديانو الذي وجد نفسه في تفاصيل الخراب