15-نوفمبر-2023
أحد عروض مسرحية قصص تحت الاحتلال

أحد عروض مسرحية قصص تحت الاحتلال (أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي)

خلفَ النافذةِ أشجار نوفمبر العارية ورياحه المضطربة، وعلى الشاشة فلسطينيون على شكل أرقام ومنازل تتساقط تباعًا كذبائح العيد المرصوفة، لتنضم إلى  سجلات إحصاء الأبنية المدمرة في غزة منذ بدء العدوان عليها.

تتطابق كآبة المشهد خلف النافذة مع صورة الموت والخراب الآتي من الشاشة، فيبدو الأطفال وكأنهم يتساقطون مثل أوراق الخريف، وتبدو غزة في هذا التأويل المشهدي كشجرةٍ عارية باسقة تواجه رياحًا عاتية وتقاوم، وحدها، السقوط.

صورة الأخبار تبقى محايدة، فمهما حاولت النفاد إلى تفاصيل قصة كل طفل وامرأة قُتلا قبل قليل، ستجد أن الإحصاء أكثر تغولًا وتسيدًا في مشهد الموت الحي المباشر. وبدل أن تنجح محاولاتك للنفاد إلى قلب الصورة وتحسس لحمها ودمها وأنفاسها، نكاية بلعنة الأرقام، تجد نفسك تنفد إلى داخل عقلك، ويصبح سبيلك لاستيعاب ما يجري باتجاه واحد: من الخارج إلى الداخل.

أراد العرض، ولو لمرة واحدة، أن يُريح الفلسطيني من دور البطولة ويمنحه الفرصة لكي يجهر بخوفه وضعفه وليتداعى ويشتكي مثل أي مظلوم في هذا العالم

وهنا، سوف تجد أنك تعرف جيدًا هذا النوع من الظلم حينما تصبح وجوه الناس وأصوات صراخهم خلفية ضرورية لإثبات قساوة الحدث وحرارته وراء المراسل الإخباري، وكل ما يهم هنا هو الأرقام والنسب: عدد الشهداء بالأيام والساعات والدقائق، عدد المستشفيات المتبقية المؤهلة لاستقبال جرحى القصف، منسوب الوقود المتوفر لدى ماتبقى من مستشفيات.. إلخ.

يأخذك هذا الموت المعلن في غزة من يدك إلى المكان الخطأ، إذ تريد منك نشرات الأخبار أن تعرف، وأنت لا تريد أن تعرف بقدر ما تريد أن تشعر لأنك، ببساطة، تعرف جيدًا هذا النوع من الظلم؛ تعرف جيدًا أنه عندما لا يريد العالم أن يسمع أو يرى، تصبح الأخبار بلا جدوى أو قيمة، لكنها تحافظ على الفزع بالتمسك مرة أخرى بالأرقام.

يدرك الفلسطيني بالمعايشة والتجربة والذاكرة ماهية النظر إليه كرقم، ويحاول جاهدًا التملص من هذه الحتمية الخبرية بمحاولة قول قصته بشتى الطرق، قصته في الحرب وما قبلها، بل قصته التاريخية بأكملها. ويحاول، وسط هذا التزاحم الإخباري، أن يتمسك بآدميته: "يوسف شعره أجعد وأبيضاني وحلو".. لايمكن أن يكون طفلًا بكل هذا الجمال رقمًا إلا إذا نُزع من سياق قصته وقصة عائلته.

"بينتقموا منا بالولاد؟ معلش" حتى مراسل قناة الجزيرة، وائل الدحدوح، قفز من ذلك الإطار حين سمعنا صوته المتهدج كأب مكسور وزوج مكلوم ليظهر كنموذج داخل قصته الشخصية، التي هي قصة فلسطين الأزلية لا قصة مراسل الجزيرة داخل حدث الحرب الحالية.

هذا الإدراك الحاد الذي يميز بين الحقيقة كخبر ووثيقة وبين القصة الشخصية للفلسطيني. داخل الحدث، يجاهد الفلسطيني لتأصيله بيأس، فهو يعرف أن الاستسلام للإحصاء ولترتيب القتلى والدمار في قوائم، هو البوابة الرسمية للاعتياد والتقبل وقلة الاهتمام. وعليه، تعيش الحقيقة ويموت الاكتراث بها ويُحبس أصحاب الحكاية في أطر أسطورية لا تشببهم ولا يريدون لها أن تشبههم. يريد الفلسطيني أن يُرى كما هو في الحقيقة، لا كمثال أزلي عن التضحية والبسالة، حتى وإن كان حقًا مثالًا حيًا عنها.

يقودنا تعاطفنا تجاه فلسطين إلى رسم صورة "ألوهية" للفلسطيني لا نقبل ولا نريد التنازل عنها، ثم نضعها على ظهره عبئًا إضافيًا فوق أعبائه. لقد أصبح الفلسطيني مُلزمًا بتصوراتنا حوله أكثر من التزامه بتصوره عن نفسه. وانهمر الشعر والفن والإعلام، دفعة واحدة، لتكريس تصوراتنا ومحاصرة الفلسطيني بها حتى أصبحنا نظن أن تلك هي فقط الهوية الفلسطينية ولا شيء غيرها. كما أصبحنا قادرين على تعريف الفلسطيني بشكل ميثولوجي بأنه كائن تاريخي يمتاز بقدرة فائقة على التحمل، وبإصرار وصمود لم يشهد له التاريخ مثيلًا، فأطفالهم يولدون كرجال، وفتياتهم قويات وراسخات كالنخيل، وجميعهم لا يمكن قتلهم بسهولة، وإن قتلوا فإنهم يولدون بطريقة أخرى ويُبعثون من جديد.

دعانا محمود درويش في يقظته الشعرية والفكرية إلى التخلي عن تصوراتنا والتوقف عن إلزام الفلسطيني بها، وأشار إلينا من بعد ديوانه "مديح الظل العالي" لكي نلتزم بتصور الفلسطيني عن نفسه، ونبدأ بالنظر إليه كما ننظر إلى جيراننا وزملائنا. أراد لنا أن نراه عاشقًا وعاشقًا فقط من دون إضافات؛ خائفًا، صبيانيًا، متلكًأ، وإنسانًا له كامل الحق في ألا يكون بطلًا كما نريد أو كما نتصور.

أراد لنا أن نعيد فهم فلسطين وفقًا للشخصية الفلسطينية الحية لا المتخيلة، أو المفرطة في التخيل. لذلك صرخ قائلًا: "كم كنا ملائكة وحمقى حين صدقنا الخيول، صدقت أغنيتي القديمة كي أكذب واقعي"، وقد قدّم بذلك كشف حساب لستين عامًا من التصورات المؤسطرة، ومكاشفة متأملة في ماهية الفلسطيني وفلسطين بعد كل هذه السنين وفي كل حرب، وكل تفاوض.

دعاني الدرويش واستجبت وعدت بالذاكرة إلى خريف دمشق عام 2004، فحضرت في رأسي وقائع "مهرجان دمشق المسرحي" العائد وقتذاك بعد انقطاع. استعدت تلك المشاعر الشيقة وحبس الأنفاس الذي ترافق مع تأخر وصول الفرقة المسرحية الفلسطينية إلى دمشق بسبب احتجاز تصاريح السفر من قبل الاحتلال الإسرائيلي. وبين تضارب الأنباء حول اقتراب وصولهم، وإلغاء العرض الفلسطيني من برنامج العروض. حضرت فلسطين وسرديتها وطغت على مناخ المهرجان، واكتسب العرض المسرحي الفلسطيني، قبل عرضه، المزيد من الفضول والترقب من قبل الجمهور السوري أولًا والعربي بطبيعة الحال. كما سيطرت أخبار استمرار احتجاز التصاريح وعبور الفرقة المسرحية على أحاديث الناس مختصين وجمهور وصحافة.

يدرك الفلسطيني بالمعايشة والتجربة ماهية النظر إليه كرقم، ويحاول جاهدًا التملص من هذه الحتمية الخبرية بمحاولة قول قصته بشتى الطرق

وعند توارد الأنباء عن استعادة الفرقة لتصاريح السفر وتوجهها إلى دمشق، امتلأت صالات ومسارح دمشق بالصخب والترقب المشوب بالفخر لنجاح الفرقة في العبور إلى المهرجان. وربما لم تشهد مسارح دمشق طيلة حياتها هذا الكم من التزاحم قبيل عرض مسرحية "قصص تحت الاحتلال" في مسرح الحمراء. فبالإضافة إلى كراسي الصالة، كان هناك جمهور إضافي في الممرات جلوسًا ووقوفًا.

ساد الصمت وخيم الانبهار على المسرح بصورة لم يألفها المسرح السوري، إلا في عرض الفرنسي فيليب جانتي "نهاية الأراضي". وكنا حينها ممتلئين بتصوراتنا، خاصةً أن عنوان المسرحية قدّم فكرة مسبقة تتقاطع مع تلك التصورات: فلسطين من الداخل، وفلسطينيون جاؤوا من الداخل. تسربت هذه التصورات حتى إلى أصدقائنا الفلسطينيين السوريين اللذين حضروا العرض معنا، لكن العرض كان مخالفًا لكل تلك التصورات، فقد كانت فكرة العرض تقوم على تحرير الإنسان الفلسطيني من محبس الرقم. كان يحاول مقاومة الصور النمطية التي كرسها الإعلام والفن، وحتى الشعر على مدى سنوات، ليترك هذا التراث في نفوس المنتمين إلى السردية الفلسطينية أثرًا لايمكن  أن يزول أو يعدل ببساطة.

كانت تصوراتنا تحاول، في كل لحظة، أن تسقط على العرض صورة الفلسطيني المعروف بوصفه كائنًا تاريخيًا عصيًا على الكسر. وكنا ننتظر تلك اللحظة التقليدية التي رسمناها له في سياق الصراع ولا نريد لها أن تتغير أو تظهر بصورة مغايرة لما كنا نتصوره. لكن العرض حطم كل تلك التصورات وأخذنا في جولة حية في يوميات الفلسطيني العادي، القابع تحت نير احتلال يقضم كل يوم المزيد من تفاصيل يومه، ويجعل من حياته مهمة شاقة.

أراد العرض أن يوصل لنا أن الحياة هناك تحت الاحتلال تشبه إعادة تعيين للمسلمات، فما نراه نحن من المسلمات، يعاد هناك اكتشافه وترتيبه كل يوم. وقد دعانا العرض لكي ننظر إلى ذلك لا على أنه بطولة بل بوصفه كابوسًا يوميًا ولعنة سيزيفية.

أخذنا العرض إلى الطرقات الترابية في قلقيلية، وحول مدارس القدس وأفرانها، كما كشف لنا عن الفلسطيني العادي المستتر وراء صورة البطل التي نركبها عليه. أراد العرض، ولو لمرة واحدة، أن يريح الفلسطيني من دور البطولة ويمنحه الفرصة لكي يجهر بخوفه وضعفه، وليتداعى ويشتكي مثل أي مظلوم في هذا العالم. أراد أن يقول: نحن معدون للحياة، بقدر ما نحن معدون للموت.

اشتعل المسرح بعاصفة من التصفيق استمرت لدقائق طويلة، ولمع فنانو فلسطين في دمشق كنجوم السينما، وصاروا حديثها وحديث وصحفها لأيام، وعَنونت صحف كثيرة العرض بتصرف تحريري بحيث شُطبت كلمة "تحت" واستُبدلت بـ"فوق"، وصارت المسرحية الفلسطينية تُعرف باسم "قصص فوق الاحتلال".

ولحسن حظنا، أنا وبعض الأصدقاء، حظينا بفرصة مرافقة اثنين من الفنانين الفلسطينيين هما إسماعيل دباغ، وحسام أبو عيشة. كانت مرافقتهم بمثابة عرض مسرحي إضافي، حيث استطاعوا من خلال تلك الصحبة البوح والعتب. تحدثوا عن مسرح القصبة في الضفة الغربية، وعن صعوبة أن تكون فنانًا في فلسطين.

سار إسماعيل في أزقة دمشق القديمة وهو يصف لنا القدس وأزقتها ومدى التشابه بينهما. لقد جعلنا نتمثل القدس في دمشق وجعلنا نشعر أننا نسير فيها، وأضفت لكنته المقدسية الثقيلة المزيد من المصداقية، وعززت من قدرتنا على التخيل.

عندما لا يريد العالم أن يسمع أو يرى، تصبح الأخبار بلا جدوى أو قيمة

وحدّثنا حسام أبو عيشة عن كيف يمكن أن يكون الموت حقيقًا وقريبًا إلى هذه الدرجة في رام الله، كيف يمكن أن يمنحك فيلم قصير أو مسرحية تجربة لاكتشاف الطريقة التي تحزن بها وتجريبها في حال فقدت حبيبًا. وهمس لنا بقصة حدثت معه حينما طبع صور ابنه الذي يشترك معه في فيلم قصير كشهيد، وكيف كتب على الصورة العبارات التقليدية التي يطالعها الفلسطينيون في يومياتهم، وكيف انتابه الذعر والخوف بعد فقدانه القدرة على التمييز بين الحقيقة والخيال رغم إدراكه الكامل بأن ابنه حي، وأن الصورة ليست سوى جزءًا من الفيلم؛ كيف بكى وكأنه قد فقد ولده بحق، وكم كان موت ابنه قريبًا وممكنًا في أي لحظة، وكيف يمكن أن يكسره.

عاد بي خريف غزة الدامي هذا إلى خريف دمشق 2004. أعاد وجوه أصدقائي المسرحيين الفلسطينيين، وامتلأ رأسي فجأة بأصواتهم ووصاياهم، بأن: انظروا إلينا كبشر أحياء أولًا، نشبهكم ونريد أن نكبر وننجح بقدركم. كما نريد أن نرتاح من عبء البطولة ولو لبعض الوقت. قاوموا وحطموا معنا تلك الصور النمطية الجاهزة التي كرسها ويكرسها الإعلام يوميًا. وإن نظرتم إلينا هكذا، فسوف تظل فلسطين حقيقية وممكنة.