20-أكتوبر-2022
المفكر العربي عزمي بشارة (يوتيوب)

المفكر العربي عزمي بشارة (يوتيوب)

أجرى برنامج قراءة ثانية الذي يبثه التلفزيون العربي مقابلة فكرية مع المفكر العربي عزمي بشارة حول "حقيقة الديمقراطية في إسرائيل". حيث تحدث عن تناقضات ما توصف بالديمقراطية الإسرائيلية، بدءًا من كونها دولة استيطانية استعمارية، مرورًا بكونها دولة لم تنجح في يوم من الأيام في فصل الأمة أو القومية عن الدين، وصولًا إلى تناقض آخر مهم هو كونها ديمقراطية غير محددة ديمغرافيًا. كما تناول اللقاء في محوره الأخير مشاركة فلسطينيي الداخل في هذه الديمقراطية المدعاة وتحديات الخطاب الوطني.

تناقضات الديمقراطية الإسرائيلية

تحدث عزمي بشارة عن مجموعة من التناقضات المركزية في الديمقراطية الإسرائيلية، وهو من كان له مساهمة نظرية أساسية في هذا الشأن، في كتابه المرجعي "من يهودية الدولة حتى شارون"، الصادر عن دار الشروق في مصر ومؤسسة مواطن في فلسطين في عام 2005. وهذه التناقضات حسب ما شرح بشارة، هي:

أولا أن إسرائيل دولة استيطانية استعمارية قامت على سلب أراضي الآخرين، هم في هذه الحالة الشعب الفلسطيني، وهذا ما جعلها في تناقض مع السكان الأصليين ومع المحيط، كما دفعها إلى تشريد السكان الأصليين لتحقيق أعلبية في بلد كان اليهود فيه يشكلون أقلية. فلكي تكون إسرائيل ديمقراطية كان لا بد أن يتحول اليهود إلى أغلبية ولم يكن ذلك ليكون ممكنًا إلا بطرد السكان الأًصليين، وهو ما جرى بالفعل وبدأ التخطيط له وتنفيذه حتى قبل حرب عام 1948.


للقراءة أكثر عن كتاب "من يهودية الدولة حتى شارون"، يمكن العودة إلى المراجعة التالية التي نشرها الترا صوت قبل سنوات.


التناقض الثاني المهم حسب الدكتور عزمي بشارة يتمثل في التطابق بين القومية والدين. حيث إن إسرائيل لم تنجح في يوم من الأيام في فصل الأمة أو القومية عن الدين، بمعنى أنهما بقيا شيئًا واحدًا حتى عند العلمانيين بما في ذلك آباء الصهيونية الأوائل الذين كانوا جميعهم علمانيين. ومكمن الإعاقة في هذا التناقض الثاني في الديمقراطية الإٍسرائيلية يبرز في أن هذا التطابق منع عمليًا إسرائيل من التحول إلى دولة مواطنة. فالأمة في هذه الحالة مشتقة من الانتماء للجماعة الدينية وليست المواطنة أساس الدولة. وبالتالي فهي دولة حصرًا لليهود، مثلما كانت جنوب إفريقيا في فترة تاريخية معينة ديمقراطية للبيض.

ومن بين ما أورده بشارة في هذا السياق، الإشارة إلى  أن يهود العالم من أول يوم كان لديهم قانونيًا حق جوهري في المواطنة الإسرائيلية بسبب الهوية الدينية، في حين أن السكان الأصليين ليس لهم ذلك الحق، والذين حصلوا منهم على الجنسية الإسرائيلية كانوا أقلية وعوملوا كمواطنين من درجة ثانية، وهذا استمرار للعقلية الاستعمارية.

ويخلص بشارة في هذه النقطة إلى أن الصهيونية لا المواطنة هي وعاء الديمقراطية اليهودية وهي في نفس الوقت المعيق لتطور هذه الديمقراطية، بمعنى أنها لن تتطور ما دامت دولة اليهود في العالم وليست دولة كثير من الناس الذين يوجدون داخلها. ولفت الانتباه هنا إلى أن قضية الصهيونية هي إقامة دولة يهودية في فلسطين وليس إقامة ديمقراطية.

وختم بشارة الحديث عن التناقضات الموجودة في الديمقراطية الإسرائيلية بالإشارة إلى أن العقلية السائدة في المؤسسة السياسية الإسرائيلية هي عقلية عسكرية أمنية، وإلى أن دور الجيش والأمن ظلّ أساسيًا ومحددًا لتعريف الإسرائيلي لنفسه ولبناء الثقافة الإسرائيلية، أو ما سماها بشارة "سياسات القوة في مجتمع يعتبر الجيش أداة الصهر الرئيسية".

وفيما يخص تصدير "كذبة أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة الديمقراطية في الشرق الأوسط" والدعم الغربي لها تحت هذا العنوان، أكّد المفكر العربي بداية أن هناك دول كثيرة يدعهما الغرب دون أن تكون ديمقراطية، مشيرًا إلى تعرض الديمقراطية التونسية إلى خذلان من طرف الدول الغربية، متوصلًا إلى أن ما يحكم المواقف الغربية هو في النهاية المصالح.

وفي الحالة الإسرائيلية، يعتبر تصدير المسألة اليهودية إراحةً للضمير وتصفية حساب مع التاريخ. ولفت بشارة الانتباه إلى أن المسألة اليهودية كانت مسألة غربية ولم تكن هناك مسألة يهودية في المنطقة، ومن هذا السياق التاريخي يمكن اعتبار أن التحالف مع إسرائيل هو نوع من التعويض عن اضطهاد اليهود في الغرب، هذا فضلًا عن أن الرهان الإسرائيلي كان على الغرب وليس على المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي.

مشاركة الفلسطينيين في هذه الديمقراطية المتناقضة.. لماذا؟

تناول القسم الأخير من البرنامج مشاركة فلسطينيي الداخل في المشهد السياسي الإسرائيلي وما إذا كانت تلك المشاركة تجميلية تعطي شرعية مدعاة للديمقراطية الإسرائيلية أم هي ضرورة تقتضيها أوضاعه. كما تطرق إلى المعادلة التي يمكن وفقها تحقيق مشاركة سياسية فعّالة تحافظ على الخطاب والعمل الوطني وتمثيل الناس في قضاياهم اليومية ومصالحهم الحياتية.

حيث أكّد بشارة في بداية حديثه في هذا المحور أن العرب في الداخل جزء من الشعب الفلسطيني وهكذا يعاملون من طرف إسرائيل. وفيما يخص حصولهم على المواطنة الإسرائيلية، فقد أرادت إسرائيل من خلال منحهم تلك المواطنة أن تظهر نفسها دولة ديمقراطية، هذا فضلًا عن أن القلة القليلة التي حصلت على الجنسية اضطرت لأخذها لأنها كانت بمثابة الوسيلة الوحيدة للبقاء على أرضها. وعلى الرغم من ذلك خضعوا للحكم العسكري حتى 1966، مع أنهم كانوا مواطنين شكلًا وخضعوا لمذابح بينها على سبيل المثال "مذبحة كفر قاسم". وبالمحصلة عوملوا كأعداء تحتملهم الديمقراطية الإسرائيلية، وذلك ما تمثل في تقليل مساحة أراضيهم، وتدمير المدينة العربية، وضرب تماسكهم الاجتماعي لتفتيتهم.

 من هنا تنبع حسب بشارة أهمية إنشاء قيادة موحدة ولو بالانتخاب ليكون عرب الداخل قادرين على المواجهة والصمود، مع خيط ناظم لفكرة المشاركة هو جعل التفكير الاستراتيجي هو التفكير الوطني والانتباه لقضايا الحياة اليومية (من صحة، تعليم، سكن) للحيلولة دون تحول الحركة الوطنية إلى حركة معزولة.

عزمي بشارة: لكي تكون إسرائيل ديمقراطية كان لا بد أن يتحول اليهود إلى أغلبية ولم يكن ذلك ليكون ممكنًا إلا بطرد السكان الأًصليين

من هذا المنطلق كان التمثيل السياسي مسألة نضالية من وجهة نظر عزمي بشارة الذي جمع من خلال تجربته الشخصية بين النضال الوطني والعمل المدني، للمحافظة على الهوية الفلسطينية والحيلولة دون الذوبان في النسيج الصهيوني السياسي بترك الفلسطينيين فريسة للأحزاب الصهيونية.