عزمي بشارة.. عن راهنية الديمقراطية ومعضلة نظريات التحديث

عزمي بشارة.. عن راهنية الديمقراطية ومعضلة نظريات التحديث

مساهمة عزمي بشارة عن الانتقال الديمقراطي مساهمة مرجعية (ألترا صوت)

لا يمكن مع كتاب مرجعي، مثل كتاب المفكر العربي عزمي بشارة المعنون بـ "الانتقال الديمقراطي وإشكالياتُه: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة" الاكتفاء بمراجعة واحدة، أو القول إن مقالًا يصلح لشمول أهم ما جاء فيه، لأن في ذلك اختزالًا يقترب من أن يكون غمطًا لحق الكتاب وظلما للقراء الذين قد يستأنسون بهذا النمط من المراجعات، خاصة أننا أمام مساهمة تتناول موضوعًا مصيريًا لا توجد حوله دراسات وافية وشاملة باللغة العربية.

تستمد المسألة الديمقراطية راهنيتها في السياق العربي حسب عزمي بشارة لأنها تتضمن جوابًا مباشرًا عن مسألة حماية المواطنين من تعسّف السلطة

 بناء على ذلك قررت أن تكون هذه المراجعة في سلسلة مقالات، يتناول المقال الأول منها راهنية الديمقراطية ومكوناتها الضرورية ومنزلتها في مقاربات التحديث التي أدى انتقادها إلى ظهور ما بات يعرف اليوم بدراسات أو علم الانتقال، على أن تتناول بقية المقالات تقييمات بشارة لخلاصات دراسات الانتقال الديمقراطي والإضافة النظرية التي توصل إليها بعد مراجعة نظريات التحديث والانتقال وتطبيقاتها، وتناوله بالدراسة حالات الانتقال عربيًا، وذلك لناحية الشروط المطلوبة لنجاح عملية الانتقال الديمقراطي.

اقرأ/ي أيضًا: عزمي بشارة.. نحو مساهمة عربية في نظريات الانتقال الديمقراطي

مكونات ضرورية في الديمقراطية المعاصرة

في كتابه هذا الذي بين أيدينا يخصص عزمي بشارة مقدّماته الأولى لحسم ماذا نعني بالحكم الديمقراطي المعاصر أو بعبارة أخرى ما هي مضامين ومكونات الديمقراطية المعاصرة؟ وهو يفعل ذلك من وجهة نظرنا لتجنب اللبس الذي تؤدي إليه الكثير من الاستعمالات عند الحديث عن هذا المفهوم وعن التجارب الديمقراطية المختلفة.

يرى بشارة أن ثمة 3 مكوّنات ضروية للديمقراطية المعاصرة، وهي من وجهة نظره تتمثل في:

أولا، المشاركة السياسية القائمة على المساواة بين المواطنين في القيمة، واعتبارهم قادرين على التمييز بين الخير والشر، ومن حقهم المشاركة في تقرير مصيرهم، والتأثير في القرارت العمومية التي تمس حياتهم، بشكل عام، المتمثلة أساسًا في الانتخابات الدورية النزيهة للسلطة التشريعية (في النظام البرلماني)، أو التشريعية والتنفيذية (في النظام الرئاسي)، وذلك من دون اختزال هذه المشاركة في الانتخابات كما يقول بشارة، فمستويات المشاركة في النظام الديمقراطي متعددة ومفتوحة أمام إمكانات كثيرة للمشاركة لا تنحصر في السياسي فقط وإنما تتجاوزه إلى فضاءات أخرى حرّة لا تصلها يد السلطة أو من المحبّذ ألّا تطالها.

ثانيًا، حكم القانون ووضع حدود للسلطة لمنع التعسف في استخدامها، وهذا يعني من منظور بشارة تحديد السلطات التشريعية والتنفيذية بالمدة، عبر انتخابات دورية، وبالصلاحيات من خلال  توزيعها بين مؤسسات مختلفة، بحيث يتحقق توازنٌ بين السلطات ورقابةٌ متبادلةٌ بينها بواسطة أدوات متعددة. ومن جهة ثانية يرتبط هدف منع تعسف السلطة وحماية المواطن بتطور الليبرالية، فمن دون حريات فردية وجماعية ومن دون تحديد سلطات الدولة، تُصبح الديمقراطية عبارة عن استبداد ممثلي الأغلبية الذين يستحيل اختيارهم في انتخابات نزيهة في ظل غياب الحريات، ولعل هذا ما دفع بشارة إلى المطابقة بين النظام الديمقراطي والديمقراطية الليبرالية، فقد أصبحت الليبرالية في عصرنا كما يقول بشارة ديمقراطية بالضرورة والديمقراطية ليبرالية.

إلا أن ذلك حسب المفكر العربي لا يمنع من نقد هذه الديمقراطية من منظور ما يسمى بالديمقراطية المشارِكة التي تعدّه ناقصًا لناحية مشاركة المواطنين الفاعلة بين انتخابات وأخرى، أو من منظور ما تسمى الديمقراطية الاجتماعية، التي تعتبر المشاركة إجراء شكليًا من دون عدالة اجتماعية. ويرى بشارة أن على الديمقراطية الليبرالية أن تنفتح على هذين النقدين وغيرهما، لكي لا تتحول إلى حكم نخبة سياسية، وهو حكمٌ غالبا ما يسبق أو يهيئ الأرضية لنشأة الشعبوية بما تحمله من مخاطر على نظام الحكم الديمقراطي بمختلف مكوّناته التي أُشير إليها آنفا.

ثالثًا، ضمان الحقوق السياسية والحريات المدنية التي يحميها حكم القانون وتحميه، ومن دونها تصبح المشاركة السياسية غير ممكنة، أو تمارس شكليا فحسب.

وبالتالي يتّضح أن العلاقة بين هذه المكونات علاقة اعتمادية، وهي تعكس أيضا ثنائية الشكلي والجوهري في الممارسة الديمقراطية المعاصرة.

حول راهنية الديمقراطية

تستمد المسألة الديمقراطية راهنيتها في السياق العربي حسب عزمي بشارة ليس فقط من انتخاب الحكام بوصفه هدفًا قائمًا بذاته كما يبدو الأمر في المعارك والسجالات السياسية، بل لأنها، تتضمن جوابًا مباشرًا عن مسألة حماية المواطنين من تعسّف السلطة، وهو الهدف الذي تصبو إليه "المجتمعات التي تتوق إلى التخلّص من النظام السلطوي، وبناء نظام حكم يحترم الكرامة الإنسانية ويترجمها في مأسسة حقوق المواطن السياسية والمدنية وحرياته وضمانها. وهذه ليست مسألة براغماتية، بل هي هدف وغاية". من هذا المنطلق يعتبر بشارة أن النظام الديمقراطي هو المطروح عربيًا بديلًا من الأنظمة السلطوية القائمة، وهو ما عبّر عنه قبل هذا في كتابه الهام "في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي"، الذي خصّصه لتفسير الاستثنائية العربية التي أسماها بالمسألة العربية، أي إشكالية العلاقة بين الأمة والقومية والدولة والمواطنة والعوامل التي تصبح عوائق مانعة للتحول الديمقراطي في ظلها.

 وقد كان الربيع العربي تعبيرًا عن تطلع الشعوب العربية للنظام الديمقراطي، في موجته الأولى 2011 وفي الموجة الثانية في عام 2019 في الجزائر والسودان والحراك الثوري في لبنان والعراق.

فالديمقراطية كما يقول بشارة، هي هدف التغيير المقصود، ويضيف من خلال رصده للحراك العربي الراهن بأنه يجري خلال الحراك إعادة إنتاج الهوية الوطنية والتعبير عن التوق إليها ورفض أنظمة المحاصصة الطائفية، والدليل السالب على ذلك أن تعذّر تحقيق الديمقراطية عُدّ فشلا للثروات، ولهذا السبب يروج الاعتقاد أن الانتقال الديمقراطي في تونس هو "النجاح الوحيد" لثورات عام 2010 /2011".

مقاربات التحديث وشروطها القَبْلية

تعاملت نظرية التحديث مع الانتقال إلى الديمقراطية كجزء من سيرورة انتقال المجتمعات من مجتمعات تقليدية إلى مجتمعات حديثة، واعتبرت أن الديمقراطية تأتي متأخرة كنتيجة أخيرة لعملية التحديث، أي بعد توفر مجموعة من الشروط البنيوية على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي. وفي نظر مارتن ليبست فإن المتطلبات الاجتماعية للديمقراطية تتمثل أساسًا في التنمية الاقتصادية، التمدين، الشرعية، الطبقة الوسطى، التعليم.

اقرأ/ي أيضًا: قراءة عزمي بشارة من السودان.. العامل الخارجي والمسار الديمقراطي

 وبالمجمل وضع التحديثيون مراحل 3 يتطور المجتمع المشارِك عبرها، وتتمثل المراحل المذكورة في التمدين وانتشار التعليم ونمو وسائل الاتصال والصناعة، وكل مرحلة من هذه المراحل تميل إلى إنتاج المرحلة التي تليها بآليات لا علاقة لها بالاختلافات الثقافية والعقائدية بين المجتمعات، والحكم الديمقراطي يأتي متأخرًا تاريخيًا كتتويج لنشوء مؤسسات المجتمع المشارِك. ففي نظر التحديثيين كما يقول هنتنغتون فإن الجوانب الإيجابية للحداثة، مثل التطور الاقتصادي، والتغير في العلاقات الاجتماعية، وانتشار التعليم، والتحولات المعيارية نحو قيم مثل الإنجاز والعقلانية والعلمانية وتطور المؤسسات الديمقراطية، وحدةٌ مترابطة، والعلاقة القائمة بينها علاقة ميكانيكية وتكاد تكون حتمية.

تعاملت نظرية التحديث مع الانتقال إلى الديمقراطية كجزء من سيرورة انتقال المجتمعات من مجتمعات تقليدية إلى مجتمعات حديثة، واعتبرت أن الديمقراطية تأتي متأخرة كنتيجة أخيرة لعملية التحديث

إلا أن هذا المنظور كان محل اعتراض واسع خلال مرحلة السبعينات بعد التطورات الهامة التي حدثت في أوروبا الجنوبية، إسبانيا، اليونان البرتغال، فمع هذا الانتقال أسّس باحثون ما بات يُسمى علم الانتقال الديمقراطي، اعترضوا فيه على نظريات التحديث من منطلق ديمقراطي ليبرالي وليس من منطلق يساري كما في نظرية التبعية. وليس خافيًا أن هذا الاتجاه قام من منطلق مؤيد للديمقراطية وربما نضالي لأجل الديمقراطية، معتبرين أن الشروط التي وضعتها نظرية التحديث كانت عاملًا من عوامل تبرير الاستبداد، بل إن بعض التحديثيين عُرف بدفاعه عن النظم السلطوية بحجة أنها قادرة على التنمية الاقتصادية وتحديث البلدان أكثر من غيرها، لكن اللافت للانتباه كما أشار غييرمو أدونيل هو قيام أنظمة تحديثية غير ديمقراطية ساهمت في نشأة دكتاتوريات تحديثية تنموية على غرار ما شاهدناه في بعض البلدان العربية التي عرفت في مرحلة الستينات والسبعينات مستويات عالية من التحديث، والسبب في ذلك كما يقول بشارة هو أن السلطوية البيروقراطية تصاب بالجمود. ويخلص المفكر العربي إلى أن شروط نظرية التحديث متعلقة بموضوع استدامة الديمقراطية لا بنشوئها، إلا أنه يرى أنه مع ذلك من الضروري الاهتمام بالتنمية الاقتصادية ونشر التعليم في مرحلة ترسيخ الديمقراطية، ومن الخطأ تجاهل كل ما جاء في نظرية التحديث بسبب إهمالها الخيارات السياسية للفاعلين وتركيزها على العوامل البنيوية والوظيفية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عزمي بشارة مشخصًا حال الخيار الديمقراطي العربي

عزمي بشارة في كتاب حواريّ.. في نفي المنفى