في حاجة الاستبداد إلى مؤامرة

في حاجة الاستبداد إلى مؤامرة

من مظاهرات المعلمين في رام الضفة الغربية (Getty)

معروف أن المعلمين الفلسطينيين يخوضون إضرابًا عن العمل منذ أسابيع، ومطالبهم معروفة، وقمع السلطة لمحاولاتهم التظاهر وإيصال صوتهم مستمر، بالحواجز والتهديدات وغيرها، بل بات معروفًا أيضًا كيف تتصرف السلطة بمنطق أمني مع كل شيء.

عربيًا، العجائبية ليست في اختراع المؤامرة بل في واقع الاستبداد نفسه

الجديد، أو هو تنويع على قديم وتجديد له، هو خطاب السلطة وأذرعها الإعلامية ثم بيانات لتشكيلات مسلحة، تتحدث عن مؤامرة على السلطة، ويدخل إضراب المعلمين كجزء منها.

اقرأ/ي أيضًا: عمر النايف باحثًا عن "قاعدة آمنة"

قيل عن المؤامرة إنها "رباعية الأطراف" ولم يظهر من أطرافها إلا إسرائيل التي تريد إفشال أبو مازن حسب ما تقول السلطة ووسائل الإعلام المحسوبة عليها، ثم تلميحات تحولت لتصريحات عن شراكة حماس في المؤامرة، بالإضافة إلى تلميحات مبهمة عن أشخاص في الخارج يحاولون النيل من الرئيس والسلطة وحركة فتح، ويمكن أن يستنتج المتابع أنه دحلان. أما الطرف الرابع من المؤامرة فلم يظهر.

أغلب الظن أنها خانة فارغة محجوزة للتنويع أو لأي خصم جديد تفكر العقلية الإعلامية التابعة للسلطة أن من المفيد حشره فيها.

إذن هنالك مؤامرة، يثير الأمر ضحكًا كثيرًا ومزاحًا على فيسبوك وتويتر وسيل برامج ستاند أب كوميدي، فالكل يشعر أن الحديث عن مؤامرة يقع في باب التوهمات والمستحيلات بل والغباء. ولكن قد يستحق الأمر قليلًا من التفكير المغاير. لماذا تحتاج السلطة أو أي نظام يمارس ممارسات استبدادية تسلطية، لقصة المؤامرة هذه.

في سوريا مؤامرة، وفي مصر أيضًا، وفي اليمن، وفي ليبيا، وفي العراق، وفي مناطق a من الضفة الغربية. والتشابه في عجائبية صياغة بيانات المؤامرة وتحديد الأطراف الشريكة فيها ثم قابليتها العالية للتوسيع والتطوير والاستخدام المتكرر وسهولة تداولها بين جميع الفئات، من أصغر مناصر أو مستفيد وحتى رأس الهرم.

القاسم المشترك بين كل هذه الحالات، هي أن العجائبية ليست في اختراع المؤامرة بل في واقع الاستبداد نفسه.

العجيب الخارق، في مناطق السلطة، هي حصة الأمن من الميزانية، هي تصريحات رئيس الوزراء عن استخراج النفط والغاز ثم دفع علاوة معيشة للمعلمين، هم المسلحون الذين لا يتلثمون إلا نصرة للرئيس، في الوقت الذي يتحدث فيه الأمن والناطقون باسمه عن السلاح الشرعي الوحيد وإلقاء القبض على كل من يحمل سلاحًا تحديدًا إن كان موجهًا لإسرائيل، والعجيب الخارق أيضا هو حديث الجميع عن شرعيته مع تعطل كل انتخابات منذ عشر سنوات، والعجيب الخارق أن السلطة مع السعودية وإيران في الوقت نفسه.

السلطة تدرك أن تجرع الناس لكل عجائبية وجودها وأدوارها، مؤشر مبشّر على إمكانية اقتناعهم بالمؤامرة

لا حاجة هنا للحديث عن العجائبية في سوريا وغيرها من الدول العربية، إلا أن أي نظر سيسفر بوضوح عن إدراك أن المؤامرة هي أقل العجائب. ولا المضي صوب نظام السيسي، حيث الرئيس يعرض نفسه للبيع، ثم يتحدث بثقة عن المؤامرة.

لا بد للسلطة/ للمستبد/ للنظام، من اختراع شيء أعجب وأغرب من كل هذا، حتى نتلهى به وننسى، هنا تأتي المؤامرة، والسلطة تدرك أن تجرع الناس لكل عجائبية وجودها وأدوارها، مؤشر مبشّر على إمكانية اقتناعهم بالمؤامرة، أو على الأقل اقتناع الموالين لها من الشعب أو المحايدين بالمؤامرة، فهذا يكفي حتى تصبح واقعًا ويصدقها الناس.

المؤامرة الحقيقية هي وجود نظم بهذه العقليات، وهذه القناعة المستمرة بالقدرة على تزييف وعي الناس، هي مؤامرة على الحس السليم، وعلى الحد الأدنى من البديهيات التي يمكن جمع الناس خلفها للمطالبة بحياة أفضل في أي مكان، هذه هي القاعدة الأساسية.

اقرأ/ي أيضًا:

رسالة إلى محمد القيق

مشهد من بيت إيل