مقاتلون من حرب التحرير (Getty)

من منا يمكنه أن يحمل مشروعًا "تعليميًا" ويبيع لأجله سيارته وبيته من أجل بناء مدرسة في قريته النائية؟ سؤال تبادر لذهني في شهر آذار/مارس، الذي يسمى بشهر الشهداء، حيث استشهد خلاله الكثير من رموز الثورة التحريرية الجزائرية وأنا أقرأ كتابات عن سيرة شهيد الثورة الجزائرية مصطفى بن بولعيد، في ذكرى استشهاده التي تصادف 22 آذار/مارس، الرجل الذي لقب بأسد الأوراس، نسبة لجبال الأوراس في الشرق الجزائري أين انطلقت أول رصاصة لثورة التحرير الجزائرية (الفاتح تشرين الثاني/نوفمبر 1954-1962)، كان من بين مجموعة الـ22 شخصية الذين قرروا تفجير الثورة التحريرية لاسترجاع سيادة الجزائر، ومن بين الشخصيات الستة التي قسمت الجزائر إلى مناطق عسكرية من أجل توفير استمرارية الثورة.

من منا يمكنه أن يحمل مشروعًا "تعليميًا" ويبيع لأجله سيارته وبيته من أجل بناء مدرسة في قريته النائية؟

الغوص في هذه الشخصية الفذة التي لقبت أيضا بـ"أب الثورة التحريرية" يعيدنا إلى التفكير مرة أخرى في ضرورة كتابة تفاصيل أخرى في التاريخ الجزائري، وإعادة إعطاء النفس الطويل لجيل ما بعد الاستقلال، فتضحيات الرجل الشهيد ليست هينة أمام قساوة الاستعمار، لقد تم اغتياله أثناء اجتماع سري لقيادات جيش التحرير الوطني (الجناح العسكري لجبهة التحرير الوطني)، أقدم على بيع ممتلكاته لبناء مدرسة قرآنية لربط أبناء قريته "أنركب" أو كما تسمى بـ"الدشرة" بمنطقة "آريس" بولاية باتنة بتعاليم الإسلام واللغة العربية، كما باع حافلة كان يمتلكها ليقوم بعدها بشراء السلاح من تونس وليبيا، إيمانًا منه بضرورة تسليح ثوار الجبهة.

اقرأ/ي أيضًا: تامالت.. آخر شهداء الجزائر

قصة الشهيد أب الثورة الجزائرية لا تختلف عن عشرات القصص لشهداء بلد المليون ونصف المليون شهيد وتضحياتهم، ولا تلغي أي ذرة من تضحيات الملايين، فمنها يمكننا أن نتعلم نكران الذات لأجل الوطن وأبنائه، فهو الذي قال بالحرف الواحد أبيع كل ما أملك من أجل توفير قطعة سلاح لأحرر البلاد، فقصته تسرد حقيقة من يدفع من أجل شيء ربما لن يناله ولن يراه يتحقق أمام عينه بل سينعم بنتائجه من سيأتي من بعده، فالآلاف من الشهداء ماتوا من أجل تحرير الجزائر وتركوها أمانة، فهل منا اليوم من صان الأمانة؟

سؤال، ظلت تطرحه مختلف القصص التي ترويها ألسنة مجاهدين ومجاهدات لا يمكن اختزالها اليوم في كلمات وسطور، فعندما تستمع للمجاهدة جميلة بوحيرد وهي تقول: "ماذا أقول لكم عن مرحلة أمر من المر، مؤلمة جدًا، ماذا أقول لكم، فعندما أتكلم ستلغي التضحيات قيمتها، الصمت وحده كفيل بأن ينقل لكم الوجع "، تقولها ولا تفارقها الدموع، قصة مؤلمة لما عانته جميلات الجزائر، بفضل معاناة تكبدها الآلاف، وغيرهن من النساء المجاهدات في القرى والجبال وفي كل ربوع الجزائر.

كانت نساء الجزائر يلطخن أجسادهن بروث البقر حتى لا يتعرضن للاغتصاب من طرف جنود المستعمر الفرنسي

نساء كن يلطخن أجسادهن بروث البقر حتى لا يتعرضن للاغتصاب من طرف جنود المستعمر الفرنسي: "نعم كانت المرأة تعاني مرتين، مرة في فقدان الزوج والابن ومرة عندما تغتصب مرات ومرات"، كلمات سمعتها من المجاهدة لويزة إغيل أحريز التي تعرضت لأشد عذاب على يد جنرالات فرنسا، "لحد اللحظة وفي اليوم والجزائريون ينعمون بالحرية فلا يمكن إعادة شريط تصريحات المجاهدة أحريز، فالمرأة خرجت من جزائر الاستعمار جسد بلا روح، ميت حي، حتى دموعها صارت كحبات الماء الذي يذوب من تراكم الجليد، تأبى أن تتساقط من العين من فرط بكائها وحزنها وألمها".

شريط يمكن نسيانه لبرهة ولكن لا يمكن تمزيقه من صفحة التاريخ الاستعماري للجزائر، المليء بالأحداث المأساوية، لن تفي حقهم الكلمات إلا في يوم يشهد الجزائريون على نيل الاعتراف والاعتذار والتعويضات بعد أن رويت أرض الجزائر بدماء المليون ونصف المليون شهيد.

اقرأ/ي أيضًا:
جزائر الأبواب الخمسة
من المسؤول عن هذا التسيّب الجزائري؟